٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 35 - من سورة النمل - الإيمان والفطرة.


1999-12-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة، الإيمان جزءٌ من الفطرة، بل هو الفطرة، يعني أنت جُبلت على أن تؤمن، جبلت على أن تؤمن، إن لم تؤمن اختل توازنك، والإنسان قد تكون مصالحه مع الكفر أو مع الفسق، ف يستخدم عقله، وهو أداة الهدى الوحيدة، يستخدمه لتغطية انحرافه، ولكن في أعماق أعماقه يشعر أنه مخطأ، هذا المعنى أشير إليه في هذه الآية الكريمة:

﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾

[ سورة النمل الآية: 14 ]

 يعني أحياناً الإنسان يظلم، ليجر الخير إلى نفسه، أو من باب الكبر، فالجحود سببه الانتفاع بالمادة، أو الاستعلاء، أما النفس توقن بالحقيقة، لأن جبلتها تنطبق على الإيمان تماماً قال تعالى:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

 

[ سورة الروم الآية: 30 ]

 والإنسان حينما يسلك طريق الإيمان يرتاح، لأنه كالسيارة تماماً، صممت لطريقٍ معبد، فإذا سرت بها في طريقٍ وعر تكسرت، وأتعبتك، وأتعبها، أما إذا سرت بها في طريقٍ معبد تريحك وترتاح، فالنفس البشرية مفطورةٌ على أن تعرف الله، وعلى أن تلجأ إليه وعلى أن تقبل عليه، وعلى أن تطيعه، هذه جبلتها:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾

 أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هو ما ينطبق على الفطرة، بدل جاءت:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

 

[ سورة الروم الآية: 30 ]

 هذه حقيقة، وكل إنسان تاب من المعاصي، انتقل من جاهليةٍ إلى الإسلام يؤكد هذا المعنى، يقول: أنا ارتحت، شعرت براحة كبيرة، سببها أن ضغط الفطرة كان يقلقه، وما الشعور بالكآبة في العالم، وهو المرض الأول، إلا بسبب أن الفطرة الإنسانية سليمة، فإذا انحرف الإنسان:

﴿ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾

 فتعذبه فطرته، فتكون الكآبة، الآية الكريمة:

 

﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 القطة الثانية في هذا الدرس قال:

 

﴿ وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

 

[ سورة النمل الآية: 19 ]

 يعني كأن مهمتك في الحياة الدنيا أن تعمل عملاً صالحاً يرضي الله:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

  والكلمة دقيقة، ما كل عملٍ صالحٍ يرضي الله، وما كل ما تتوهم أنه يرضي الله هو عملٌ صالح، فلابد من أن يكون العمل وفق السنة تماماً، ولابد من أن يكون خالصاً لله عز وجل، فالعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً، صواباً.
 وقد ترون أن هناك أعمالاً تبدو صالحة، لكنها ليست وفق منهج الله عز وجل فقد تقام حفلةٌ غنائيةٌ ساهرة، لرصد ريعها للأيتام مثلاً هذا عمل صالح فيما يبدو، معاونة الأيتام، ولكن لا عن طريق الغناء والرقص، فالعمل الصالح يجب أن يكون مطابقاً السنة ويجب أن يكون خالصاً لوجه الله عز وجل، دائماً هذان شرطان، كل منهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، لا يكفي أن يكون العمل في ظاهره وفق السنة، لابد من إخلاص العبد له، ولا يكفي أن تكون مخلصاً، وأن تفعل شيئاً خلاف السنة، لابد من أن تجمع بين الإخلاص، وبين منهج الله عز وجل، عندئذٍ يقبل العمل، والإخلاص عبادة القلب، والانصياع عبادة الجوارح، فالجوارح يجب أن تنصاع لله عز وجل، والقلب ينبغي أن يكون مخلصاً لله:

 

﴿ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 

[ سورة الزمر ]

﴿ أَعْبُدَ اللَّهَ ﴾

 هذه السلوك الظاهري، من الداخل إخلاص لله عز وجل، أما قول سيدنا سليمان:

 

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 يبدو أن القيادة تحتاج إلى قوة، وإلى شدة، أذكر أن سيدنا عمر هاب الناس شدته فشكا إليه أحد أصحاب رسول الله، قال: والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، يعني إنسان يكون بموقع الإدارة موقع القيادة، لو كان سهل، لين، متساهل، متسامح الأمور تتفلت، الإنجازات تنعدم، فلابد من الشدة.

 

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ* أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 أجمل ما في هذا المقطع التحقيق، أنت كأب، عم، جاءتك ابنتك تشكو زوجها معظم الآباء يأخذ موقف، سمع من ابنته، وأخذ موقف، طيب هذا الطرف الآخر لا يُسأل؟ هذا الطرف الآخر هذا الزوج المسكين لا يُسأل؟ ماذا فعلت معك ابنتي؟ لم سمعت من طرفٍ واحد؟ سيدنا سليمان، طبعاً هذا سلوك قويم، لكن هذا منهج حكيم، قال:

 

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 الملاحظ بالمناسبة: لو إنسان شكا لك عن إنسان، سوف يحكي كلام مثلاً قدره نصف ساعة، لو جمعت الاثنين معاً، يتكلم فقط ثلاث دقائق، الإنسان حينما يتكلم وحده يأخذ حريته، يجر الأمور كلها لصالحه، الأشياء التي أخطأ بها يعتم عليها، لا يذكرها، والأشياء التي لصالحه يضخمها، فأنت تسمع من شخص، لا تملك إلا أن تقول له: والله معك حق وتحس من أن الإنسان الآخر إنسان حقير، صغير، ظالم، معتدي، أما إذا سمعت من الطرف الآخر تنعكس الآية.
فأنا أرى أن الإنسان إذا أراد أن يصلح بين اثنين، لا تستمع من طرفٍ واحد استمع منهما معاً، لو جمعتهما في مجلسٍ واحد، يعني قلما يقال إلا الصواب، لأن الطرف الثاني جاهز يكذب.
إذاً قال:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

  نحن نتوهم أن القاضي هو القاضي فقط، كل واحد منكم قاضي وهو لا يشعر، قاضي بين أولاده، قاضٍ بين بناته قاضٍ بين أصهاره وبناته، قاضٍ بين إخوته، قاضٍ بين عماله، قاضٍ مع موظفيه، فأنت أي إنسان له موقع قيادي، مدير شركة، مدير مدرسة، قاضي هو، فالقضاء يمارسه كل مسلم، كل يوم، وفي إنسان اختصاصي بالقضاء، هؤلاء القضاة التقليديون، أما الأب قاضي، فلو أنه استمع من طرفٍ واحد وأغفل الطرف الثاني فقد ظلم،

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

  عود نفسك دائماً تحقق عود دائماً نفسك تتخذ قرار وفق معلومات صحيحة، ولا العصر عصر المعلوماتية، يعني أي قرار من دون معلومات صحيحة قرار أخرق، والإنسان قد يندم كثيراً، لو أخذ موقف بتوجيه من جهة واحدة، أو بإعلام جهة واحدة، قد يقع في ظلمٍ شديد:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

في بالقصة نقطة دقيقة، أن الإنسان إذا انتفع من دعوة، فالدعوة ساقطة، أما إذا لم ينتفع منا إطلاقاً فهو صادق، الملكة بلقيس قالت:

﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل ]

 يعني من شأن الملوك أنهم يفعلون هكذا:

 

﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 هذا الإنسان أرسل لها رسالة، قال:

 

﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 جاءتها دعوةٌ من سليمان الحكيم، عليه أتم الصلاة والتسليم، فهي أحبت أن تتأكد ما إذا كان نبياً حقاً أم يدعي النبوة، ما هو الضابط في هذا الأمر؟ أرسلت له هديةً ثمينة، فإن فرح بها فليس بنبي، رجل مصلحة، والآن أي إنسان يكون يبعبع، يأخذ قرشين ويسكت، انتهت العملية كلها، فإذا واحد صاحب مصلحة، تنتهي مشكلته بالمال، أما صاحب المبدأ:

 

(( لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ))

 فأنت تكشف صاحب المبدأ الصادق، من صاحب المصلحة الكاذب، قضية الإغراء المادي، فالمادة تنهي صاحب المصلحة، يكون قد كبر الأمر لدرجة غير معقولة، لم يعد يحكي ولا كلمة، وأيام الإنسان يكون متحمس لمادة بالقانون، بعد ذلك يسكت رأساً، طيب كيف مررتها بعد ذلك؟ معناها قضية مصلحة فقط، أما إذا الإنسان يكون صاحب مبدأ، لو تعطيه وزنه ذهب لا يغير، فهذه نقطة دقيقة.

 

 

﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ﴾

 

[ سورة النمل الآية: 35-36 ]

 الرسول يعني:

 

﴿ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ* قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 الآن، في نقطة ثانية، أول نقطة: أن الإنسان إذا كان صاحب مبدأ، لا تحل قضيته بالمال، أما إذا كان صاحب مصلحة تحل بالمال، فأنت تعمل فاصل، أو مؤشر، أو ضابط لكشف الإنسان، صاحب مبدأ، أم صاحب مصلحة.
يعني في قصة عمرها حوالي ثمانين سنة، قديمة يعني جيء بأجهزة تلغراف أول ما كان في اتصال عن طريق تلغراف في بلد إسلامي العلماء اعتبروا هذا بدعة، ولا يجوز، ووقفوا موقف قاسي جداً، ففي رجل ذكي جداً، فسافر الملك، وما ترك أعطيات لهؤلاء الذين اعترضوا على التلغراف، فلما راجعوه، ما ترك شيء والله، انزعجوا انزعاج شديد، قال له: والله في جهاز أحضرناه جديد، الذي كانوا معترضين عليه، أنا سأتصل فيه بأوروبا، إذا أعطاني أمر أعطيكم، أعطيكم، فاستخدم الجهاز أمامهم وجاء الكلام بالإيجاب أعطاهم أعطياتهم، فقاموا ورضوا عن هذا الجهاز، لم يعد بدعة الجهاز، كان في بدعة وقت ما كان في مقابل هذا الجهاز شيء.
الإنسان لما يأخذ وينتهي انتهى من سلم القيم، انتهى من سلم المبادئ، فهذه نقطة، والثانية: هذا الذي يهتدي، يحتاج إلى عقل:

 

(( قوام المرء عقله ))

 

[ أخرجه الحارث، عن: جابر بن عبد الله ]

 ويحتاج إلى خضوع، فلو أن الإنسان على شيء من الدنيا، وتفكيره ضعيف مستحيل يهتدي، يعني إذا واحد أوتي الدنيا فجأةً، يختل توازنه، لا يعود يسمع كلمة لأحد فسيدنا سليمان أدرك هذه النقطة، أول شيء أراد أن يمتحن عقلها، وذكائها، بأن جاء بعرشها وعمل فيه تغيير بسيط، ماذا تجيب؟:

 

﴿ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾

 

[ سورة النمل الآية:42 ]

هي يبدو أنها أجابت أول جواب دبلوماسي في القرآن الكريم:

 

﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾

[ سورة النمل الآية: 42 ]

 فإن كان هو:

﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ ﴾

وإن لم يكن هو:

﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ ﴾

﴿ كَأَنَّهُ ﴾

 غطت هو أو ليس هو، إذاً عقلها راجح، هي ملكة، هي ندةٌ له، كيف تخضع له؟ أدخلها إلى قصرٍ، فيه أرض القصر من بلور صافي جداً، وتحت البلور ماء، فتوهمت أنه ماء:

 

﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ﴾

 

[ سورة النمل: 44 ]

 بدت عبيطة.

 

﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾

 

[ سورة النمل الآية: 44 ]

 صغرت، فهذا الذي يجب أن يشعر أنه أقل من الذي يوجهه، صغرت، وامتحن عقلها، فكان امتحان عقلها من جانب، وخضوعها له من جانب آخر سبب هدايتها، الإنسان فرضاً يتصدى للدعوة، وعنده شخص مثقف، يتكلم كلام غلط، مستحيل يخضع له، لماذا غلط الشيخ مثلاً؟ هذا إنسان مثقف، وجلس بدرس علم، والشيخ بدأ يخبص مثلاً، هذا المثقف مستحيل يمشي مع هذا الشيخ، مستحيل، كل شيء تكلمه غلط، إذا تكلم بأمور علمية.
واحد من أحد الذين يعملون بالدعوة، كل هؤلاء الدعاة حكوا بالعلم، قال لنفسه: أنت كذلك أدلي بدلوك، قال لهم: يا ابني طلعوا على الشمس، كله قمر، هذه المرة قال الشمس، قال له: سيدي ما الشمس؟ هذا الشمس لسان اللهب طوله مليون كيلو متر، شرد، والله صحيح، قال له: بالليل طلعوا.
 يعني هذه نقطة مهمة، لا تقدر تستوعب إنسان مثقف إذا أنت تقوم بالغلط بالأمور العلمية يعني، لا تقدر تشد إنسان لغوي إذا أنت لغتك ضعيفة، ما فيك تشد إنسان متفقه إذا كان فقهك ضعيف إذا الإنسان سيكون داعية، يجب أن يكون مستوعب لثقافة العصر، حتى يشد الناس له، هذه نقطة مهمة جداً، بعهد سيدنا سليمان ملك، ملك عظيم، رب:

 

﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾

 

[ سورة ص الآية: 35 ]

 فلما جاءت ملكة، تبين أنها لا تعرف، غلطت، طبعاً كشفت عن ساقها، في تفسير آخر مضحك جداً، أنه بلغه أن رجليها رجلي حمار، هذا التفسير جاء بالإسرائيليات، أما هذه القصة، أراد أن يحجمها، فأدخلها إلى:

﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾

 فلما رأت الماء في هذا الصرح، نسيت، أو لم تنتبه إلى أن هذا الماء يجري تحت بلور صافي،

﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾

 فالخضوع زائد العقل سبب الهداية، أما إنسان أقوى منك صعب يستمع له أقوى منك، أو أعل منك صعب يستفيد منك، فمن أراد أن يدعو إلى الله فيجب أن يكون عالماً والآن بهذا العصر، وأن يستوعب ثقافة العصر، يعني الآن مهما الإنسان أتى بعلم، إذا قال لك الأرض مسطحة انتهى، قد يكون على علم بأعلى درجة وهذا شيء قد يقع أما حينما يقول في قضية دنيوية الأرض مسطحة، ويصر عليها، بهذا الكلام أهدر علمه، فالإنسان لا يستطيع أن يتصدى بالدعوة إلى الله إلا إذا استوعب ثقافة العصر، وكان دقيقاً جداً فيما يقول، حتى تشد المثقفين، فهذه القصة أساسها أن:

 

(( قوام المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له ))

 

[ أخرجه الحارث، عن: جابر بن عبد الله ]

 والشيء الثاني: الخضوع، التحجيم، فسيدنا سليمان حجمها، وامتحن عقلها، حينما امتحن عقلها نجحت، أعطت جواب ذكي جداً، فلما حجمها خضعت: ثم قالت:

 

﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 يعني سلمت بهذه الطريقة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018