٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 32 - من سورة الفرقان - السبيل إلى الله.


1999-12-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، من خصائص بشرية الأنبياء والمرسلين، أنهم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، فذاتهم ليست صمدانية، إنما هي محتاجةٌ إلى إمدادٍ إلهي، ثم إنهم مفتقرون في جلب الطعام إلى عملٍ يعملونه.

﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

[ سورة الفرقان الآية: 20]

 ومن كان هذا شأنه فليس إلهاً، ما دام النبي يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق فهو من بني البشر، وجود الإنسان متوقف على إمداد الله له، وليس له وجودٌ ذاتيٌ إطلاقاً حينما:

 

﴿ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 فالسبيل إلى الله، والرسول رفيق الدرب، بعض الفرق الضالة:

 

﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 

[ سورة التوبة الآية: 31 ]

 أما النبي عليه الصلاة والسلام ما هو إلا رفيقٌ في درب الإيمان،

﴿ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 إلى الله عز وجل.

 

﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 أيها الإخوة، هذه الآيات نحتاج إلى فهمها لمعرفة حقيقةٍ أساسية، هو أن الإنسان إذا أراد الحقيقة كل شيءٍ يدله عليها، وإن لم يرد الحقيقة هو أصم، أعمى، لا يرى ولا يسمع فلو أن هذا القرآن نزل بلغة الأعجمين، باللغة الفارسية مثلاً، فقرأته على عربي، لا يفهم منه شيئاً، قال:

 

﴿ ذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 إذاً لا القرآن، ولا الأكوان، ولا الحوادث، ولا العبر، ولا المواعظ، ولا الخطب ولا الكتب، ولا الأشرطة، ما في شيء ممكن يحل محل أن تتخذ قراراً ذاتياً أن تهتدي، فإن اتخذت هذا القرار كل شيءٍ يدلك على الله، البعرة تدل على البعير، والماء يدل على الغدير والأقدام تدل على المسير، فهذه الحقيقة تفهم فيها مئة آية، معقول يقرأ الكافر القرآن كأنه بلغة أعجمية؟ لا يفهم منه شيئاً، إذا الإنسان ما أراد الهدى، قد يستمع إلى خطبة في عقد قران، لا يفهم شيئاً قد يقرأ القرآن، يفهم شيئاً، قد يرى حوادث مدهشة، لا يتأثر بها إطلاقاً، القضية هكذا، إن أردت الهدى كل شيءٍ دلك على الله، وإن لم ترد الهدى، هذا الكتاب المعجز، الذي إذا قُرأ على الجبل خر خاشعاً، ومع ذلك:

 

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 أساساً قصة سورة الشعراء، كلها قصص الأنبياء، الأنبياء جاءوا بالمعجزات، ومع ذلك أقوامهم لم يؤمنوا.

 

﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 الإيمان القسري بيد الله عز وجل، بيد الله على أن يحملهم على أن يستقيموا قسراً وقهراً، ولكن هذه الاستقامة القسرية، القهرية لا قيمة لها إطلاقاً، ولا تؤثر ولا تجدي، ولا تسعد صاحبها، الله عز وجل يريدنا أن نأتيه طائعين، أن نأتيه مبادرين، أن نأتيه محبين، أن نطيعه باختيارنا، لا قسراً عنا، فلذلك ذكر لنا ربنا قصص الأنبياء كلهم، وكيف أن كل نبيٍ جاء بآيةٍ صارخةٍ، دالةٍ على عظمة الله، ومع ذلك لم يؤمن قوم:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 لأنهم ما أرادوا الهدى، القرآن، ألم يلتقي بالنبي الكريم أناسٌ، رأوا علمه، ورأوا فضله ورأوا كماله، ورأوا فصاحته، ورأوا جماله، ورأوا رحمته، ورأوا تواضعه، ومع ذلك أبغضوه، وقاتلوه ونكلوا بأصحابه، قضية الهدى إن أردته كل شيءٍ كان في خدمتك، وإن لم ترده الإنسان أعمى، أصم، أبكم، لا ينتفع بعلمه إطلاقاً، كما ذكرت في الخطبة اليوم:

 

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 يعني بإمكانك أن تكون من المجاهدين جهاداً دعوياً في تعلم القرآن وتطبيقه وتعليمه، أنت المجاهدين جهاداً دعوياً:

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

 ومن إعجاز القرآن العلمي هذه الآية:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 البرزخ هو أن المياه المالحة لا تختلط بالمياه العذبة،

﴿ وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾

  هو أن أسماك المياه المالحة لا تنتقل إلى المياه العذبة، وأسماك المياه العذبة لا تنتقل إلى المياه المالحة، وهذه من آيات الله الدالة على عظمته.
إخوانا الكرام، عباد الرحمن جمع عبد الشكر، بينما العبيد جمع عبد القهر بوجوده، واستمرار وجوده إلى الله، فهو عبد القهر، جمعه عبيد:

 

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

 

[ سورة فصلت ]

 لكن العبد الذي عرف الله، واستقام على أمره، وأتاه طائعاً، وجمع هذا العبد عباد قال تعالى:

 

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾

 

[ سورة الفرقان الآية:63 ]

 وفرقٍ بين العبد عبد الشكر، وبين العبد عبد القهر:

 

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

 

[ سورة الفرقان الآية:77 ]

 الدعاء هو العبادة، أنت حينما تدعو تؤمن بأن الله موجود، وأنه يسمعك وأنه قادرٌ على أن يجيبك، وأنه يحب أن يجيبك، فإن آمنت بوجوده، وعلمه، وسمعه، وبصره، وإن آمنت بقدرته، وآمنت برحمته فأنت مؤمن، فالدعاء هو العبادة، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 أيها الإخوة الكرام، هذه الآية:

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 قرآن نزل على نبي فارسي، باللغة الفارسية، فقرأه عليهم، على العرب، والله أنا ذهبت إلى بعض البلاد الأعجمية، والله ما فهمت كلمة، ولا حرف أبداً:

 

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 فالإنسان البعيد عن الله يقرأ القرآن فيزداد عماً:

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

  قضية قرار داخلي، إن أردت الحقيقة القرآن يدلك على الله، الكون يدلك، وأفعال الله تدلك، والخطباء تنتفع بهم، والحكماء تتأسى بسلوكهم، وكل شيءٍ يدلك على الله إن أردت الحقيقة، وإن لم تردها اقرأ القرآن المعجز، الذي هو كلام الله، والذي الكون في كفة، والقرآن في كفة.

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

 

[ سورة الأنعام الآية: 1 ]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة الكهف ]

 ومع ذلك:

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

 أيها الإخوة:

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 يعني أحد أكبر أسباب العذاب أن:

﴿ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾

 يعني أن تشرك ليس شركاً ظاهراً، خفياً، الشرك الخفي منعكسه عذاب، وقلق، وضيق، وحيرة، وخوف وهبوط في آية كان سيدنا عمر ابن عبد العزيز يقرأها كلما دخل مجلسه، قال:

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 كان يتلو هذه الآية كلما دخل إلى مجلس الحكم، يعني الإنسان يتمتع بالحياة ثم يأتي الموت فينهي كل شيء، ينهي غناه، وقوته، وصحته، ووسامته، واستمتاعه، وبيته ومركبته وزوجته، انتهى من كل شيء، فكان هذا الخليفة العظيم كلما دخل مجلسه يقول:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

 الآن في نقطة دقيقة جداً، أرجو الله أن يمكنني من توضيحها، ما المغزى من قوله تعالى:

 

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 كلام خالق الكون، يأمر النبي أن يبدأ بأهله، طيب إذا النبي الكريم أُمر أن يبدأ بأهله مع أنه معه معجزة، ومعه قرآن، طيب نحن من باب أولى، ما الحكمة من ذلك؟ إذا أنت دعيت إنسان لا تعرفه، قد يشك فيك، وقد يتوجس منك خيفةً، وقد يتهمك اتهاماتٌ باطلة، ففي حواجز، أما أخوك، ابنك، ابن عمك، صهرك، شريكك، قريبك هذا يثق بك وتثق به والحواجز ليس بينك وبينه حواجز، فأنت ابدأ بمن له الطريق سالك، هذا منهج في الدعوة، ابدأ بأهلك الأقربين:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

  ما ولا حاجز، ما في ولا تخوف، ما في شك القرابة علاقة متينة جداً، فإذا الإنسان الله هداه يبدأ بمن حوله، بأخواته، بأولاده، بأصهاره بجيرانه، بابن عمه، بابن عمته، هؤلاء أقرب الناس إليك، النبي عليه الصلاة والسلام أُمر أن يبدأ بأقرب الناس إليه:

 

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 يعني في بالقرآن آية دليل على أن هناك استفهاماً من دون أداة استفهام:

 

﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 ما في استفهام أبداً، ما في أداة استفهام، أما المعنى استفهام قطعي، الدليل هل يعقل أن يقول النبي:

﴿ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

 . نبيٌّ مرسل يقول:

﴿ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

 مستحيل إذاً ما صيغة هذه العبارة؟ الصيغة استفهام إنكاري من دون أداة استفهام.
لكن مرة قرأ إمام

﴿ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

  فقالوا كلهم بعده أمين، فالحمد لله لم يقل أحد أمين اليوم، معنى صحيانين الإخوان
 قال لي مرة أحد الدعاة، قال لي: وأنا أتكلم عن فساد المجتمع، قلت: أن الفتاة تأتي الساعة العاشرة ليلاً، أبوها ليس عنده علم أين كانت، أمها ليس لديها علم، أين كانت؟ قال الأخ: مع الحبيب كانت، فكلهم صلى على الحبيب.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018