٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 57 - من سورتي الزمر ونوح - الرزق.


2000-01-06

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين .
قد تقول مثلاً: هذا إنسان دمشقي، فهذه (الياء) في اللغة اسمها ياء النَسَب، أن ينسب إلى دمشق، وقد تقول: حمصي، وحلبي، وحموي .. إلخ، فإذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ قل يا عبادي﴾

( سورة الزمر: آية " 53 " )

 فذه الياء أيضاً ياء النسب، أي هؤلاء العباد نسبوا إلى الله عزَّ وجل، أما النسب الأول ؛ دمشقي، حمصي، حموي، حلبي هذا نسب حقيقي، أي فلان يعيش في دمشق، ويعيش في حمص، أو ولِد في دمشق، أو في حمص، أو في حماه، أو في حلب، أما حينما نقول:

﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾

( سورة الزمر: آية " 53 " )

 هذا نسب تشريف، وتكريم، وتقريب، لأن الإنسان هو المخلوق الأول الذي قَبِلَ حمل الأمانة، وقال: أنا لها يا رب . فلما قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، ولاشكَّ أن المسخَّر له أفضل ألف مرة من المسخَّر، فكل الكون مُسَخَّر لهذا الإنسان، فهذا الإنسان المخلوق الأول الذي نسبه الله إلى ذاته العليا نسبة تشريف وتكريم، هو الذي يغفل عن الله عزَّ وجل، بينما ما من مخلوقٍ على وجه الأرض، بل ما من مخلوقٍ في الكون إلا ويسبِّح الله سبحانه وتعالى، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14)﴾

( سورة نوح )

 فالإنسان حينما يتعامل مع الله كقوةٍ وحيدةٍ في الكون، فعالٍ لما يريد، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . أكبر آفة في الدين هي الشرك، أكبر آفة في الدين أن تعزو الأمر إلى غير الله، أكبر آفة في الدين أن ترى مع الله آلهةً عديدين يتحرَّكون، أما إذا رأيت إلهاً واحداً بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو قريبٌ منك، أقرب إليك من حبل الوريد .
 فلماذا شاءت حكمة الله عزَّ وجل أن يثبِّت أشياء ويحرِّك أشياء ؟ الفَلَك ثابت، الشروق ثابت، الغروب ثابت، ممكن أقول لك: بعد ألف وثمانمائة سنة تشرق الشمس في ستة شباط الساعة الخامسة وثلاث دقائق. الله ثبَّتها، لا تحتاج إلى دعاء شروق، ولا دعاء غروب، ولا دعاء تحريك، لكن حرَّك الرزق ..
قبل أسبوع التقيت مع شخص، لم يفسر جفاف الأمطار أنه تأديب إلهي، تضييق، قال لي: خط المطر عندا خط جاف، وهذا الخط سيتبدل، ورسم الأمر على أنه مجرَّد جفاف ناتج عن حركة الأرض غير المعروفة، هناك حركات متعددة، وانتهى الأمر .
أحياناً ربنا عزَّ وجل يفاجئ هؤلاء الذين عزوا هذا التقنين إلى أنه شيء طبيعي، ليس له علاقة بالتربية الإلهية، لكن أحياناً الإنسان يفسر التقنين تفسير إلهي ؛ أن الله عزَّ وجل أراد هذا التقنين كي نتوجَّه إليه بالدعاء .
 الآن أحد إخواننا سافر إلى منطقة خارج دمشق، وقد قلقت عليه، فأخبرته فلم أجده البارحة، الآن أخبرته بالسحور قال لي: الثلج خمسة وعشرون سنتيمتر في الزبداني، واستغرق الطريق ساعتان، معنى هذا الله عزَّ وجل أعطى، وإذا أعطى أدهش، وهذا بفضل الدعاء، وبفضل ليلة القدر . أي لا يوجد إنسان بالقُطر ـ من دون استثناء ـ إلا يدعو الله بالسُقيا مرات ومرات، وهناك أناس دعوا واللهِ بإخلاص، وبتوجه إلى الله، وبافتقار إلى الله
فقال العلماء: الدعاء يقوي العقيدة . أنت في ظرف صعب جداً وتخاطب خالق الكون، وإذ الأمر يتبدَّل على خلاف المألوف، فالإنسان يجب أن يعرف أن الله عزَّ وجل جعلك أقوى مخلوق بالدعاء .
 الآن من دون دعاء تصور أن خمس قارات ـ أعتقد توجد مئتان وعشرون دولة بالعالم ـ لو كانت الهيئات الحاكمة بهذه الدول كلها اجتمعوا بمؤتمر قمَّة، وقرروا إنزال المطر، هل تنزل المطر ؟ فأقوى قِوى، الأشخاص الذين هم في بلادهم أقوياء، واتخذوا قرار بإنزال المطر، المطر لا ينزلها إلا خالق السماوات والأرض، فهذا الدرس لنا، درس قوي، لكن كيلا يُغش الإنسان ؛ ما كل استجابة دليل تقدير، هناك استجابة تشجيع .
 ذكرت لكم من قبل أنه في بعض البلدان في مصر، في جوائز للدولة تقدمها للمتفوقين، فعندهم نوعان من الجوائز ؛ نوع تقديري، ونوع تشجيعي، فقد يكون إنسان أديب كبير، أو عالِم كبير يعطونه جائزة تقديرية، أما في إنسان ناشئ، عوده فتيّ، يعطونه جائزة تشجيع، فنحن دعونا الله عزَّ وجل، وافتقرنا، وتذللنا، وتضرعنا، لكن يبدو لسنا على ما ينبغي أن نكون، ومع ذلك الله عزَّ وجل استجاب استجابة تشجيع، هذا يجب أن يحملنا على مزيد من الطاعة لله عزَّ وجل .
 فقد كان السلف الصالح كل إنسان يراجع حساباته، يراجع بيته، يراجع عمله، إذا عنده معصية، في مخالفة، في تقصير، في تجاوز، في شيء لا يرضي الله في بيته، في شيء لا يرضي الله في عمله، في دخل مشبوه، في إنفاق مشبوه، في علاقة مشبوهة، في ظُلم، في تجاوز ..

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾

( سورة البقرة )

فالدين كله يلخَّص بالتوحيد ؛ أن لا ترى مع الله أحدا، ألا ترى مع الله فعَّالاً، ألا ترى مع إرادة الله إرادةً، لا يوجد إلا الله عزَّ وجل، فإذا أيقنت أنه لا إله إلا الله توجهت إليه وحده .
 فأنا من يومان أو ثلاث التقيت مع أحد العلماء، قلت له: واللهِ أنا راضٍ بقضاء الله وقدره، وموقن بحكمته التي لا حدود لها، ولكن كنت أتمنى على الله عزَّ وجل ألا يُشْمِتَ بنا الطرف الآخر لأننا دعونا الله، وصلينا صلاة استسقاء، وعملنا ابتهال، وبكينا، وخشعنا، فالطرف الآخر يستهزئ بنا، فلما لم يستجب الله لنا في الوقت الذي توقعنا أن يستجيب به، كأن هناك الطرف الآخر شمت، أي سخروا من الاستسقاء، وسخروا من الدعاء، ولكن يبدو أن حكمة الله شاءت أن تكون الاستجابة في ليلة القدر، فاشكروا الله عزَّ وجل من أعماقكم .
وقد اطلعت البارحة على أحوال الطقس، حسب ما وجدت حتى إلى أربعة أيام قادمة توجد أمطار تقريباً، إن شاء الله، وهذا حسب ما قرأت .
 فاشكروا الله عزَّ وجل على هذه النَعَم، وعاهدوه على التوبة النصوح، ولا يوجد أجمل من مؤمن له علاقة مع الله عامرة، خطه مع الله ساخن ـ فيه ونَّة، الواحد يرفع السماعة فلا يجد ونَّة، فبقدر ما يكون جهاز غالي وليس فيه هذه الونَّة فليس له قيمة، أما هذا الجهاز من ثلاثين سنة ولكن فيه ونَّة، تخبِّر فيه ـ فيا ترى الخط مع الله حار أم مقطوع ؟ بالاستقامة والدعاء يصبح الخط حار، إذا توجَّه الإنسان إلى الله بالدعاء والإخلاص، وتوجَّه له بالإنابة والتوبة، فالله عزَّ وجل لا يخيِّب ظنه .
 هناك دعاء في حديث شريف إذا الإنسان تأمَّله يقشعر، أنا سأمهد له بمثل حكيته لكم سابقاً، هكذا مثل تركيبي: واحد الدنيا شتاء يلبس قميص، وفوق القميص كنزة اشتراها جديد، كمها ماسك، وفوق الكم كم الجاكيت، وكم المانطو، ولابس كفوف، ويحمل حقيبتان بيده، فسأله طفل: كم الساعة يا عم ؟ أغلب الظن أنه سيضع الحقيبتان على الأرض لكي يحل يد بيد، يخلع كم المانطو، وكم الجاكيت، وكم الكنزة، وكم القميص ويقول له: واللهِ الساعة السابعة يا عم . رجل كبير ما قدر أن لا يستجيب لطفل صغير، لسؤال، إن الله حيي كريم، الحياء من الإيمان والله عزَّ وجل حييٌ، النبي وصف ربنا فقال:

(( " إن الله حييٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما خائبتين ))

( الدر المنثور في التفسير المأثور: عن " أنس " )

 الله يستحي من عباده إذا سألوه ولم يستجب لهم، فهذا الشيء يعلمنا الأدب مع الله عزَّ وجل، أنت اسأله بأدب، وبإخلاص، ويجب أن تعرف أننا عبيد لله عزَّ وجل لا نملك شيئاً، نملك الدعاء فقط، إذا استجاب يكون أكرمنا، وإذا ما استجاب تكون هناك حكمة بالغة لا نعلمها نحن إلا بعد حين .
فأنا أردت أن أنطلق من قوله تعالى:

﴿ قل يا عبادي﴾

( سورة الزمر: آية " 53 " )

 أي أن الله عزَّ وجل نسبنا إلى ذاته نسبة تشريف، إذا قلت: فلان دمشقي، هذه نسبة حقيقية، هو وُلِدَ في الشام، وعايش في الشام، أما:

 

﴿ قل يا عبادي﴾

 

( سورة الزمر: آية " 53 " )

 الله عزَّ وجل خصَّ الإنسان من بين كل المخلوقات فنسبه إلى ذاته العليَّة، فلا يليق بنا أن نعصيه، ولا يليق بنا أن نغفل عنه، ولا يليق بنا ألا نطيعه، فقد قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102)﴾

( سورة آل عمران )

حق التقوى أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره .
 فماذا يمنع إذا أكرم الله عزَّ وجل الإنسان بشيء ؟ فمباشرةً سجد لله سجود الشكر، النبي علَّمنا صلاة الشكر، هذه تكون بينك وبين الله عزَّ وجل، نجحت بامتحان، صفقة بيعت، في مشكلة انحلَّت، في عقبة تذللت، في شخص مخيف الله صرفه عنك، في شبح مصيبة الله أنجاك منه، فكلما وجدت نفسك في خطر ثم نجوت منه صلّ صلاة الشكر، لقوله تعالى:

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾

( سورة إبراهيم: آية " 7 " )

 والله عزَّ وجل ..

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾

( سورة النساء: آية " 147 " )

 الله ليس نداً لنا ..

 

(( لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص في ملكي شيء، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وقفوا على صعيدٍ واحد وسألني كل واحدٍ منكم مسألته ما نقص ذلك في ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غُمِسَ في مياه البحر، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه ))

 

( مختصر تفسير ابن كثير )

 فنموا العلاقة مع الله عزَّ وجل، اجعل الدعاء مستمر ..

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)﴾

( سورة المعارج )

 معقول الإنسان يصلي على طول ؟ هكذا الآية، دائماً يتوضأ ويصلي، يريد أن يذهب إلى شغله، في عنده ثماني ساعات شغل، أين بقيت الآية ؟ العلماء فسَّروها بالدعاء، هو مع الله بالدعاء، متصل مع الله بالدعاء، حتى الإنسان ممكن يدعو الله عزَّ وجل وهو ساكت، وهو مطبق الشفتان تماماً ..

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)﴾

( سورة مريم )

 وربنا عزَّ وجل أقرب إليك من حبل الوريد، يحول بين المرء وقلبه، فعوِّد نفسك الدعاء، قبل أن تقوم بعمل، قبل ما تسافر، قبل ما تواجه شخص، قبل إنجاز عمل قل: يا رب تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك يا ذا القوة المتين .
والله أيها الأخوة يكاد يكون ملخص الملخص الملخص أنك أنت دائماً بين حالتان، إذا قلت: الله، مفتقراً، تولاك الله، وإذا قلت: أنا، معتداً بنفسك، تخلَّى الله عنك . وقد يكون إنسان ذكي جداً، ومتفوق جداً، الله يجعل تدميره في تدبيره، يفكر، يفكر، يفكر، يجمع، يطرح، يقسِّم، يضرب، يخطط، فيهلك بهذا التدبير، إذا تخلى الله عن إنسان يجعل تدميره بتدبيره، يجعل عقله سبب هلاكه، يجعل خبرته سبب بلاؤه، وإذا إنسان الله أكرمه وتولاه يخدمه عدوه، يخدمه أقرب الناس له، يخدمه أبعد الناس عنه، يخدمه المُحِب ويخدمه العَدو، فالعبرة أن نكون معه، وأن يكون بيننا وبينه خطٌ ساخن .
 في أخ من إخواننا ـ والله لا أراه هذه الأيام ـ قال لي: أنا كنت شارد شرود شديد ـ أي لا توجد معصية إلا واقترفها ـ وبعد سن معين أصيب بأزمة قلبية، فأخذوه على العناية المشددة، قال لي: أنا أيقنت بالموت، وليس لي عمل، ولا صلاة، ولا صوم، ولا استقامة، ولا شيء إطلاقاً . أي أنه خاف خوف شديد، فقال لي: أنا حكيت ربي فقلت: يا ربي سأقابلك وأنا (بالزلط) ؟ هو يقصد أن يعطيه مهلة كم يوم لكي يتوب، لأعمل عمل صالح .
 الله أعطاه مهلة، يبدو أنه ذاق حال أهل القرب، صلى، تاب، بكي في الصلاة، قال لي: كأن جبال أزيحت عن صدري، شعرت حالي خفيف وكأني أطير طيران، أنا ألمحه بالدرس يبكي كثيراً، لزم الدروس كلها، لم يترك درس لم يحضره، من الطاووسية، للأحمدية، يوم السبت، للأحد، للاثنين، للجمعة، للخطبة، قال لي: أنت تغيب ثلاثة أيام عنا وأنا لا أتحمل، يريد لقاءات أكثر، فكلما كانت لدي سهرة أو موعد أدعوه إليه .
فقال لي كلمة: أنا أناجي ربي أنه يا ربي كل هذه السعادة بالقرب منك، لماذا لم ترسل لي هذه الجلطة قبل عشر سنوات ؟ معنى هذا أن الله أذاقه طعم القُرب، طعم القرب لا يقدَّر بثمن، أنه أنت قريب من الله، العلاقة بينك وبينه متينة، هذا معنى قول الشاعر:

 

فليـتك تحـلـو والـحيـاة مـريـرةً  وليتك ترضـى والأنـامُ غضاب
ولـيت الـذي بيـني وبيـنك عـامرٌ  وبيـني وبين العالميـن خـرابُ
إذا صحَّ مـنك الوصـل فالـكل هينٌ  وكـل الذي فوق الترابِ تـرابُ
* * *

 أيها الأخوة ... ليس لنا إلا الله عزَّ وجل، وكل واحد يقيم علاقة متينة مع الله عزَّ وجل، هذه يلقاها في قبره نور، القبر لا أحد يحسب حسابه أبداً، يقول لك: والله بيتي واسع، رتبته، عملت تدفئة مركزية، عملت تكييف . فهذا القبر هل كيفته ؟ عملت له تكييف مركزي ؟ ماذا في القبر ؟ من كل شيء إلى لا شيء، إلى متر ونصف، وقد يكون القبر حفرة من حُفَر النيران، هذا القبر يعمَّر بالعمل الصالح، يعمر بالتوبة، يعمر بالإنابة، فالقضية أخطر من أنه حضرنا درس والأستاذ حكى كلمة حلوة، القضية أعمق بكثير، القضية قضية مصير أبدي . والله كلَّما أرى جنازة أقول: هذا انتهى خُتِمَ عمله، يا ترى إلى أين ذاهب ؟ هل كان يعد لهذه الساعة ؟
 لا أحد يستطيع أن ينكر الموت، ولكن الناس يتفاوتون بمدى الاستعداد له، يا ترى هذا الميت في عليه ذمم ؟ أكل مال حرام بزمانه ؟ يا ترى كان له علاقات مشبوهة مع نساء؟ كانت له تطلعات لا ترضي الله عزَّ وجل ؟ في عنده كان أساليب، بنى مجده على أنقاض الناس ؟ ضحك على الناس ؟ احتال على الناس ؟ الآن صار أسير عمله .
 أما الإنسان الذي يموت طائع، والله هناك موتات شهد الله الإنسان يتمنى أن يكون مكانه ؛ وهو ساجد، وهو في جامع، وهو في عبادة، بأعلى درجة من القرب من الله الله قبضه . في حالات بالموت شيء لا يوصف، فنحن لنجتهد أيها الأخوة، لأن الله لم يكلِّفنا فوق طاقتنا، ما أودع فينا شهوة قوية وقال لك: هذه ممنوعة، كل شيء أودعه فيك له قناة نظيفة، قال لك: هذه مسموحة ولكن بهذا الشكل، لا تتجاوز، الله يلهمنا الصواب ويلهمنا الشكر .
 فإذا كان صار صفاء برمضان، إذا صار في قرب برمضان، البطولة أن يستمر معك طوال العام، لا تضيِّع، فإسلامنا ليس إسلام مناسبات ؛ والله برمضان أصحاب دين، بعدما انتهى رمضان رجعت حليمة لعادتها القديمة، هذه ليست واردة على الإطلاق، الذي حققته برمضان يجب أن يستمر ؛ صلاة الفجر، قراءة القرآن، غض البصر، ضبط اللسان، ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، تربية الأولاد، الذي حصل برمضان يجب أن يستمر طوال العام، فأساس رمضان أن الله قوَّى لك إراداتك على الطاعة من أجل أن تألف الطاعة إلى آخ العمر، فرمضان شحنة، والآن انتهى رمضان .
 حكيت البارحة أننا كنا نقول: رمضان الأربعاء أم الخميس ؟ جاء الخميس، الآن نقول: العيد الجمعة أم السبت ؟ الحياة مثل الحُلم، أول يوم صلينا أول يوم، ثاني يوم اثنين، ثالث يوم، فصار لنا خمس أيام، وبعدها عشرة أيام، خمسة عشر، عشرين، خمسة وعشرين، ثلاثين انتهى رمضان، والعمر كله هكذا، الوقت يمضي سريعاً كلمح البصر، فجأةً بين يدي الله عزَّ وجل، انتهى كل العمل، ختم العمل، فأنت صرت أسير عملك، فالإنسان إذا كان بطل يلحق حاله .
 قلت لكم مرة: واحد باع أرض، وأخدوها منه بعض الظُلاَّم بربع قيمتها، ضحكوا عليه وهو لا يعرف، الذين عمروا الأرض ثلاث أشخاص ؛ واحد منهم مات بحادث، والثاني وقع من البناء فوقع ميتاً، عمروا بناء ارتفاعه أثنى عشر طابقاً في جدَّة، الثالث انتبه للقصة أنه الموضوع خطير كثير، بحث عن البدوي فوجده و أعطاه ثلاثة أمثال الثمن، برَّأ ذمته، قال له البدوي: ترى أنت لحَّقت حالك .
 فكل واحد يلحق حاله الآن، مادام القلب ينبض يلحق حاله، إذا في ذمة قديمة، حتى لو كان في ذمة صاحبها مات تصدق بها، كل شيء يتعدَّل، مادام القلب ينبض فكل شيء يحل، عندما يقف القلب ما بقي له حل، صار الإنسان رهين عمله، وفي عنده القبر، إذا كان فرعون ..

 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾

 هذه القصة من ثلاث آلاف سنة والخير إلى الأمام ..

﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾

( سورة غافر )

 هل من السهل أن تقول:

﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾

( سورة القصص: آية " 4 " )

(( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ـ هرة، هذا كلام النبي صادق مصدوق، هرة، قطة ـ فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض))

( الجامع الصغير: عن: أبي هريرة " )

 فاستحقت دخول النار، هذا الذي يغتصب بيت إنسان، الذي يظلم إنسان، يضحك على إنسان، يحتال على إنسان، يأخذ منه محله التجاري غصباً، يأخذ ماله، يزني بزوجته، يشعر أنه فهيم، وشاطر، وبطل، ويعرف كيف يعيش، ومبسوط، وهو يضحك على الناس كلها، هذا أحمق، في أي لحظة هو في قبضة الله عزَّ وجل، فكل بطولتك أن تكون مطيعاً لله، وكل الغرور والحمق أن يغتر الإنسان بقوته، أو بماله فينسى الله عزَّ وجل .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يسلمنا، وأن يعطينا سؤلنا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018