٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 56 - من سورتي البقرة والصف - التجارة.


2000-01-05

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام... وردت كلمة " التجارة " في القرآن الكريم في أماكن عديدة، وقبل أن نأتي على بعض هذه الأماكن، مفهوم التجارة أن تدفع شيئاً وأن تأخذ أكثر منه، أن تدفع شيئاً هو الرأسمال، الكلفة، وأن تأخذ أكثر منه هو المبيع، الرأس المال + الربح، والإنسان حينما يتاجر ويحقق ربح يشعر بنوع من الراحة، والإنجاز، وكلما كان الربح أوفر، كلما كان السرور بهذه التجارة أكبر.
لكن الله عز وجل انطلاقاً من مفهومنا التجاري، سمى الإيمان به، وطاعته، وطاعة رسوله، والجهاد في سبيله تجارة، بل هي أربح أنواع التجارة، بل هي التجارة التي لا تخسر، بل هي التجارة التي لا تُصَدَّق..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾

( سورة الصف )

 التجارة مع الله ؛ أن تعيش سنواتٍ معدودة كأي إنسان، وأن تطيع الله في هذه السنوات، مع أن الله جل جلاله ما حرمك شيئاً، ولكن أباح لك عشرة آلاف نوع من الطعام ومنعك من الخنزير، أباح لك عشرات بل مئات أنواع الشراب منعك من الخمر، أباح لك الزوجة مثنى وثلاث ورباع منعك من الزنا، في أصل الدين لا يوجد حرمان، في هذا العمر المحدود تطيع الله عز وجل من دون حرمان، من دون عُقَد، من دون شعور بالنقص.
وتبذل من مالك صدقةً، زكاة مالك، وصدقة، وغض بصر، وضبط لسان، وضبط دخل، وضبط إنفاق، سنوات معدودة تمضي سريعاً فإذا أنت في جنةٍ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين.
 لا يتناسب الجُهد مع العطاء، لا يتناسب شيء محدود مع شيء غير محدود، لا يوجد تناسب، فتسمى هذه تجارة من باب التجاوز، لا توجد تجارة تشتغل عشر سنوات، فتتمتع بهذا الربح مليار مليار مليار مليار مليار، وقدر ما قلت مليار سنة، بنعيم مقيم، هؤلاء المنافقون قال اللهم عنهم:

﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾

( سورة البقرة )

 الإنسان إذا آثر الدنيا على الآخرة خسرهما معاً، وإذا آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً، فالذي يؤثر الآخر على الدنيا يعد أكبر تاجر على وجه الأرض ؛ لأنه تاجر مع الله، والله عز وجل حينما تتاجر معه يريدك أن تربح عليه، وإن تربح أضعافاً مُضاعفة، فالرجل يضع اللقمة في فم زوجته، يراها يوم القيامة كجبل أحد.
 امرأةٌ طلبت من زوجها الصحابي مطالب دنيوية، قال: " اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين، ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلكِ ".
مفهوم التجارة: أن تدفع شيئاً وأن تأخذ أعلى منه قيمةً. هذه التجارة مع الناس، لكن مع رب الناس من نوع آخر، تقدم شيء محدود، معقول، طبيعي من دون جهد، تستحق جنة إلى أبد الآبدين، هؤلاء الذين ربحت تجارتهم.
الصحابي الجليل الذي كان في طريق الهجرة، وألقي القبض عليه، وأرادوا أن يقتلوه قال: أدلكم على مالي في مكة. فدلَّهم على ماله كله، وأخذوا ماله كله، وهو نجى فقط بجلده، فلما وصل إلى المدينة، وقص على النبي ما حدث قال:

 

((ربح البيع أبا يحيى))

 

( الجامع لأحكام القرآن )

خسر ماله كله، وقال له النبي الكريم " ربح البيع أبا يحيى " فأنا أتمنى بعد هذا الشهر الكريم، وبعد هذه الصلوات، والصيام، والقيام أن نتاجر مع الله، وأن نبدأ بعد رمضان صفحةً جديدة.
لو فرضنا ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ إنسان قصَّر في رمضان، إنسان لم تكن صلاته مُحْكَمَةً في رمضان، كان مُنشغل بقضية كبيرة في رمضان ؛ فلم يعجبه قيامه ولا صيامه، فماذا يفعل ؟ ليجعل من العام كله رمضان، الله عز وجل هو ربنا في رمضان وربنا بعد رمضان، وباب الإقبال على الله مفتوحٌ على مصارعه، فأنا أدعوكم إلى التجارة مع الله، لأنها تجارةٌ ربحها خيالي، بل أغرب من الخيال..

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾

( سورة البقرة: آية " 245 " )

 أنا مرة حدثتكم عن إنسان آذن مدرسة، دخله محدود جداً، أربعة آلاف في الشهر، عنده ثمانية أولاد، ورث أرض قيمتها بثلاثة ملايين ونصف، أرض ورثها في أطراف دمشق، وإنسان ميسور الحال، غني من أغنياء دمشق، أراد أن يتقرَّب إلى الله لبناء مسجد في هذه المنطقة، فأرسل أحد إخواننا مهندس ليستطلع له عن أرض مناسبة، فرأى هذه الأرض مناسبة جداً، فلما اتفق على سعرها ثلاثة ونصف مليون وهي مناسبة، فجاء المهندس بصاحب المشروع المتبرع، أراه الأرض، وجمعه مع صاحب الأرض، هذا الآذن الذي ورث الأرض من أشهر، ودخله أربعة آلاف وعنده ثمانية أولاد، فكتب له شيك بمليونان.
ـ فقال له الآذن: أين البقية ؟
ـ قال له: البقية عند التنازل.
ـ قال له: أي تنازل ؟ لماذا التنازل ؟
 ـ قال له: لأن هذه الأرض سأقيم عليها مسجداً. يقول الرجل الآن الله يشفيه ويعافيه، مريض يقول: هذا الآذن مسك الشيك بعد أن أخذه مني ومزقه فوراً. هو خاف هل هذا الآذن ضد الدين أم ماذا ؟ لما عرف جامع يريد أن يلغي البيعة ؟
ـ قال له: لا، أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل.
ـ يقول الأخ: بحياتي ما صغرت أمام إنسان، كما صغرت أمام هذا الآذن، لأنه لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض، وله دخل أقل من حاجته بكثير، وفقير جداً.
هذا الآذن ماذا فعل ؟ هذا أذكى إنسان، هذا تاجر مع الله، مع الله تاجر.
 سيدنا الصديق قَدَّم كل ماله، تاجر مع الله عز وجل، يأتي إنسان آخر يترك مائة مليون، مائتي مليون، والله إنسان على فراش الموت، تارك ثمانمائة مليون سنة الخمسة والسبعين، ثمانمائة مليون حصلها كلها من القمار، يبدو وهو في النزع الأخير طلب أحد العلماء، العلماء جبَّارين خواطر، في واحد جاء لعنده، قال له: ماذا أفعل ؟ هذا العالم كان صريح، قال له: والله لو أنفقت كل هذا المال في يومٍ واحد لا تنجو من عذاب الله.
 هذا أحمق، أما هذا الآذن الذي قدم ثلاثة ونصف مليون لله عز وجل، هذا تاجر مع الله، أحياناً تجد شخص يقدم روحه، يقدم وقته، يقدم جُهده، يقدم اتقان عجيب بصمت دون أن يَعْلَم أحد، يأتي إنسان آخر لا يقدم شيء، ولكنه يجَمِّع أموال طائلة، الاثنان يموتان، واحد في روضات الجنَّات، والآخر في حُفر النيران، من هو العاقل ؟ الذي تاجر مع الله، هؤلاء المنافقون فما ربحت تجارتهم، أما أبو يحي قال له سيدنا رسول الله:
" ربح البيع أبا يحيى ".
ربحت تجارتك، هو خسر كل ماله !! لكنه ربح الجنة، ربح الأبد، خسر الحياة الدنيا، الله سمَّاها دنيا، وربح الحياة العليا، خسر سنوات معدودة، وربح نعيم مقيم في جنَّات النعيم.

﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾

 

( سورة البقرة )

 فالإنسان يتاجر مع الله عز وجل.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾

( سورة البقرة: آية " 245 " )

 مرة قال لي شخص: أنه كان مقطوع، ومعه أهل، ويبدو مقطوع بمكان أول طلعة، قال لي: وقفنا ساعة ساعتان ولا أحد وقف لنا، مقطوع يريد رافعة للسيارة، ولا يوجد عنده رافعة، والدولاب أصابه عطب، قال لي: نؤشر للسيارات، كل واحد يريد أن يطلع هذه الطلعة يأخذ عزيمة مسبقة، ثم وقف أحدهم قال لي: لما وقف أكبرته ؛ هذا عنده شهامة، عنده مروءة، عنده حب للخير، أعطاه الرافعة، وأثناء رفع السيارة قال لي: أنا أحدث نفسي، بكرمه، بمروءته، بشهامته، بحبه للخير، بعد أن انتهى قال لي: اسمحوا لي بخمسة ليرات.
فقال له صاحب السيارة المعطوبة: والله لو طلبت مئة ليرة لأعطيك، لكن يا ليت لم تطلب خمسة ليرات. كان عمل قد يرقى به في الآخرة، لكنه صار عمل مأجور.
 كذلك الآن أهل الدنيا، لا يمكن يعمل عمل لله، كله يريد أجرة عليه، كأن الله أحبط أعمالهم، حتى الأعمال الصالحة يريد طريقة، يريد أجرة، يريد إشارة، يقول لك: لا يوجد نلحس أصبعتنا. إلا ما يأخذ أجرة، والله سمعت البارحة، إنسان لازمه قطعة للسيارة، طلب فقط رقمها، قال له: ألفين وخمسمائة، لكي أعطيك رقم القطعة. ما في بيع وشراء، يريد رقمها على الكمبيوتر فقط، قال له: ألفين وخمسمائة، لا يمكن أن يقدم شيء إلا بمال.
 فيا إخواننا الكرام... تاجروا مع الله عز وجل، اعمل عمل لوجه الله، لا تبتغي به أجرةً، ولا سمعةً، ولا ثناءاً، والله إخوان كثيرين، يعملوا عمل بطولي. يقول لي: أترجاك لا تحكيه لأحد، أترجاك أكتم الأمر عني، يبدو إخلاصه عالي، قبض من الله الأجرة، الذي يعمل له رأى هذا العمل، وكلما الإنسان ضعف إخلاصه يستجدي المديح من الناس ؛ يحدثهم عن نفسه، يمدح نفسه، ينكشهم لكي يمدحوه، إذا عمل عزيمة يقول: ليكون الأكل لم يعجبكم؟ يقولون: أعوذ بالله ما هذا الكلام، ما شاء الله على هذا الأكل، إلا ما ينكشه نكشة لكي يستجدي المديح.
إذا دخلت لبيته: إن شاء الله الأثاث عجبك، والله ممتاز، ما شاء الله على هذا الذوق. إلا ما ينكشك لكي تمدحه، فكلما ضعف إخلاصه الإنسان يحب يستجدي المديح، ويظهر، ويريد الشهرة، أما إذا كان الإخلاص عالي:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا(9)﴾

( سورة الإنسان )

 ومع الله يا إخوان أربح تجارة، والله في بعض الإخوان يعملون في هذا المسجد بصَمت عجيب، من أي نوع، ولا أحد يعرفهم، ولا يريد أن يعرفه أحد، ويبذل ساعات طويلة في العناية بهذا المسجد، هو يرجو رحمة الله، نريد هذا الإنسان.
سيدنا عمر ببعض المعارك جاء رسول، من معركة نهاوند قال له:
ـ حدثني.
ـ قال له: مات خلقٌ كثير.
ـ قال: من هم ؟
ـ قال الرسول: إنك لا تعرفهم. فبكى عمر، قال:
ـ وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
 فأنت اعمل عمل لوجه الله، وأبواب الخير والله لا تُعَدّ ولا تحصى، إذا تربي ابنك أعظم عمل، تقيل عثرة إنسان أعظم عمل، ترحم ضعيف أعظم عمل، تطعم جائع أعظم عمل، ترعى يتيم أعظم عمل، تتبنى طالب علم أعظم عمل، تنقل الحق للناس بطريقةٍ أو بأخرى أعظم عمل، تكون زوج رحيم أعظم عمل، أبواب العمل لا تُعَدُّ ولا تحصى، وكلها عملة الآخرة، نقد الآخرة، والدليل الإنسان يقول عند الموت يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾

( سورة المؤمنون )

 فنحن يمكن أن نفتح مع الله صفحة جديدة بعد رمضان، الذي صام باتفان، والذي قصَّر بالصيام، والذي قام، والذي ما قام، ممكن أن يفتح مع الله صفحة جديدة بعد رمضان، يقول له: يا رب أنا أريد أن يكون شهر شوال أيضاً رمضان. إذا كان رمضان غض بصره، برمضان صلى الفجر في جماعة يتابع هذه العبادة، برمضان قرأ قرآن يتابع العبادة، برمضان أنفق يتابع العبادة، الله أساساً أرادنا أن نكون في هذا الشهر على حال مستمر في كل الشهور.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018