٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 55 - من سورة آل عمران - العداوة والبغضاء.


2000-01-05

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام... انطلاقاً من الحقيقة التالية وهي: أن طبع الإنسان يتناقض مع التَكليف، فالإنسان في طبعه فَرْدِيّ، والتكليف يأمره أن يتعاون مع أخيه، فالإنسان يتعاون مع أخيه ويتواضع له، وينكر ذاته بقدر طاعته لله، ويتشبث بذاته، ويحطم من حوله بقدر معصيته لله، فكلَّما وجدت بين اثنين خصومةً، ومُشاحنةً، وقتالاً في النهاية فالاثنان بعيدان كل البعد عن الله عز وجل، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

( سورة المائدة: آية " 14 " )

 فالعداوة والبغضاء من شأن مَن نسي حظاً مما ذُكِّرَ به، مَن نسي أن يطيع الله عز وجل، أو مَن لم يلتزم بطاعة الله عز وجل، فهو إنسان عدواني، إنسان دينه الخصومة، والمشاحنة، هذه حقيقة.
 في الجاهلية أهل المدينة كانوا أوساً وخزرج، وكان بين القبيلتين عداوةٌ ليس لها حدود بل إلى درجة القتال، فلما جاء الإسلام كما تعرفون، ألَّف بين قلوبهم، وأصبحوا بنعمة الله إخواناً. ولكن أحد اليهود دفع غلاماً ليُلْقي قصيدةٌ على الأوس في هجائهم، من قبل الخزرج، فهذه القصيدة أُلْقيت، ويبدو في ساعة غفلة ذكَّرتهم بالخصومات السابقة ؛ فتلاسنوا، وتماسكوا، واستلّوا سيوفهم وكادوا يقتتلون، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم وقال:

 

((.أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم))

 

( الدر المنثور في التفسير المأثور: عن " زيد بن أسلم " )

 وغضب غضباً شديداً، وأنزل الله سبحانه وتعالى في هذا قرآناً فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾

( سورة آل عمران )

 صدِّقوني أيها الأخوة أن هذه الآية تنطبق على ما يجري في بلاد المُسلمين في كل بقاع الأرض، طرفٌ ثالث يدفع أناساً ليثيروا فريقاً من المسلمين، وتنشأ الحروب، وتنشأ الانفصالات، وتنشأ الثَوْرات، تفتيت العالم الإسلامي يتمُّ بهذه الطريقة ؛ استفزاز، فكلما كان المسلم أكثر وعياً، وكلما كان المسلم أكثر انضباطاً، وكلما كان المسلم أكثر أُفُقاً واسعاً يُلغي هذه الخصومة، الشيء الذي يلفت النظر، أن الله جلَّ جلاله سَمَّى الخصومة بين المؤمنين: " كفراً "، لكن النبي الكريم قال:

 

((كفرٌ دون كفر))

 

( الجامع لأحكام القرآن )

 في عندنا كفر بواح، أن تنكر وجود الله، وفي عندنا كفر دون كفر، فأي إنسان يعمق الخلاف بين المسلمين، ويستخدم عبارات استفزازية، لشق صف المسلمين، وتفتيت وحدتهم، و تأريس العداوة والبغضاء بينهم، فهو عند الله كافر، وهناك مَحَطَّاتٌ فضائية يُنْفَق عليها مئات الملايين، من أجل شق صفوف المسلمين، من أجل أن يظهر التناقض واضحاً بين فئاتهم، وبين جماعاتهم، وبين مذاهبهم، وبين طوائفهم، فربنا عز وجل سمى هذا: كفراً..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)﴾

( سورة آل عمران )

 أحياناً تسمع خمس أو ستة أشخاص جنود قتلوا بلا سبب، نشأت مشكلة، راح ضحايا، صار في مشكلة، التخطيط أن تقوم حربٌ بين الطوائف، هذا ما يفعله الكافر تماماً، يشق صفوف المسلمين، لو صغرنا هذا المثل حتى على مستوى مسجد، تجد في شخص ثالث دائماً يوقع بين اثنين، لتنشأ العداوة، الله عز وجل قال:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾

( سورة آل عمران )

 أيُّها الأخوة هذه الآية جاءت بعد هذه الآية، الجاهلية فيها خصومات، الجاهلية فيها عداوات، الجاهلية فيها استفزاز، الجاهلية فيها مُشاحنة، الجاهلية فيها بَغْضاء، الجاهلية فيها فرق وطوائف، وملل ونحل ومذاهب، وكلٌ يدعي وصلاً بليلى، الجاهلية فيها تفتت، تشرذم، أما الإيمان فيه توحّد، فيه قوة، وأنا أرى أن أي سلوكٍ يفرِّق المسلين هذا السلوك يصب في خانة الشيطان، في جهة واحدة لها مصلحة في هذه الخلافات هي الشيطان. فالصحابة الكرام كانوا مُحبين، فكان الحب الذي بين الصحابة يفوق حد الخيال.
 فلما مضى الوقت، وانتقل النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءت الدنيا صار في تفريق، هذه بسبب تقصير أي طرف، دقق في حياتك أنت وأخوك في الجامع، بقدر طاعتك لله تحبه، تسامحه، تَلْتَمِس له عذر، وتعفو عنه، وتتودد منه، وتقربه، وتنتصر على الشيطان، وبقَدَر التقصير تكبِّر المشكلة، وتحكي عليه، وتغتابه، وتهدر له كرامته، وتهدر له إيمانه، وتنشأ هذه المشكلة.
فأنا الذي أراه أن العالم الإسلامي اليوم مهدد بهذه الطريقة، الكفر هو الكفر، من آدم إلى يوم القيامة، وخطة الكافر هي هي ؛ تفتيت صَف المؤمنين، تفتيت جمعهم، تفتيت وحدتهم، شق صفوفهم، بعثرتهم، شرذمتهم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾

( سورة آل عمران )

 في مرة بأضخم مسجد في باريس، نشأت مشكلة بين الجماعات الإسلامية، فاقتتلوا بالمسجد، فدخلت الشُرطة بأبواطها ـ بأحذيتها ـ إلى المسجد، وطردوهم، وأغلقوا المسجد، هذا يجري في معظم بلاد العالم لأسباب تافهة جداً، أحياناً بحركة أصابع، أيْ قضية جزئية، جزئية، جزئية إلى درجة مُذْهِلَة، تنشأ خلافات، وخصومات، وتهم بسببها.
 فهذه الآية يجب أن نكون واعيين، الطرف الآخر لا يروق له وحدة المسلمين، تجد مشكلة ليس لها وجود خلقت، مائتين سنة بإندونيسيا متعايشيين بهذا الإقليم، واحد منحوه جائزة نوبل وكبَّروه، ودعا للانفصال، فنشأت أعمال العنف، وأعمال قتل، حرب أهلية، تدخلوا، حقوق إنسان، فصلوها، إندونيسيا، وكشمير، والسودان، والصومال، هذه خطة الكافر أينما ذهبت، هذا قرآن كلام خالق الكون، والتاريخ يعيد نفسه، انتبهوا فقط.
قيِّم إيمانك بمدى محبتك لإخوانك، قيِّم إيمانك بمدى تعاونك معهم، قيِّم إيمانك بمدى الحُب الذي في قلبك لهم، قيم إيمانك بالتواضع، قيم إيمانك بالحرص على وحدة المسلمين، قيم إيمانك بحمل هم المسلمين، هذه حقيقة مهمة جداً.
 وأنا أُنَبذِه أيها الأخوة، الخطة الماكرة دائماً تتمثَّل بشق صفوف المسلمين، وتأريس العداوة والبغضاء بينهم، وحملهم على العداوة، وحملهم على الطَعْن، والتكفير، والتجريح، قرآن، سمى الله الخصومة كفراً، فالإنسان قد لا ينتبه عندما يطعن بأخوه، ويستفزه بعبارة قاسية، لا ينتبه فهو من حزب الشيطان، هو في صف الشيطان، هو يفعل ما سماه الله كفراً.
 الآن من لوازم إيمانك أن كل كلمةٍ تشق عنك أخاك هي كلمةٌ شيطانية، كل كلمة فيها قسوة، فيها تجريح، كلمةٌ قُلْتَها بدافعٍ من الشيطان، أما المؤمن قال عز وجل:

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾

( سورة البقرة: آية " 83 " )

 هذا ليس للمؤمنين، بل للناس العامين حُسنى..

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة فصلت: آية " 34 " )

 نحن نفهم القرآن بسيط ضبابي، أخي يجب أن تعامله جيداً. يقولك لك: هذا هو معنى الآية. لا. الآية إذا في ألف عبارة حسنة يجب أن تختار الأحسن، ألف عبارة حسنة تقولها لأخيك ينبغي أن تختار من هذه العبارات الأف أحسن عبارة.

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة فصلت: آية " 34 " )

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة النحل: آية " 125 " )

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾

( سورة البقرة: آية " 83 " )

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾

( سورة الجاثية : آية " 14 " )

 فهذا الآية أردت أن تكون محور هذا اللقاء لأن هذه اللقاءات أصبحت على وشك أن تنتهي، وأرجو أن تكون هذه الحقيقة واضحة ؛ لو استعرضت مشكلات المسلمين في العالم كله سببها طرف ثالث يثير العداوة بين المسلمين، وهذا ينتهي بحروب، ودمار، لأن الحروب تحتاج إلى أموال فلكية، فبدلاً من التنمية يصير شراء أسلحة، الآن في شعوب إسلامية متخلفة مائتي سنة بسبب الخصومات الداخلية، هذا بإفريقيا واضح، بآسيا واضح، بأوروبا واضح، البوسنة، وكسوفو، أينما ذهبت، هذه الخصومات من فعل الشيطان والمسلمين في غفلة، والمسلمين في سذاجة، والمسلمين يستفزون، أما لو كان في وعي وفي إخلاص لله عز وجل لا يحدث ذلك.
 قال له: من هو الخليفة ؟ سيدنا الصديق في قضية أراد أن يأخذ فيها رأي عمر، كان عنده وزير عدل، فأرسل أصحاب القضية إلى عمر، سيدنا رأى أن هؤلاء ليسوا مُحقّينٍ، فرفض هذا الطلب، فجاءوا إلى أبي بكر ليستفزوه ليوقعوا بينه وبين عمر، فقالوا:
ـ الخليفة أنت أم هو ؟ هذا كلام فيه استفزاز، وإذا أنت مدير عام وعندك معاون، أعطى رأيه فقال: هذا الطلب غير مُحِق. فالذي رفض طلبه المدير العام سوف يستفز، أنت قاعد صورة ؟ الخليفة أنت أم هو ؟
ـ فقال لهم: " هو إذا شاء ". ليست مشكلة، لا يوجد فرق بيني وبينه أبداً، هو إذا شاء.
لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، قال سيدنا الصديق لسيدنا عمر:
ـ مد يدك لأبايعك.
ـ فقال سيدنا عمر: أيُّ أرضٍ تُقِلّني، وأيُّ سماءٍ تُظلني إن كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر. أيْ أنَّ هذا فوق طاقة احتمالي.
ـ قال له: يا عمر أنت أقوى مني. انظر إلى الواقعية، قال له: أنت أقوى مني.
ـ فقال له: أنت أفضل مني. فقال: قوتي إلى فضلك. نتعاون.
 فلما تعين سيدنا عمر خليفة المسلمين قال: " كنت سيف رسول الله، كنت خادمه، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء ـ أنا بخدمته ـ وتوفي عني وهو عني راضٍ، وأنا بذلك أسعد والحمد لله، ثم كنت خادم أبي بكر وجلواذه وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء " هكذا كانوا الصحابة.
 النبي سأل عن شخص تخلف عن معركة تبوك، فيبدو أنه يوجد شخص مستواه ضعيف قال له: " شغله بستانه عن الجهاد معك " عنده بستان، والدنيا صيف، والحر شديد، قال له: شغله بستانه، فوقف صحابي قال له: " لا والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، لقد تخلَّف عنك أناسٌ ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلَّفوا عنك ".
 هكذا كانوا الصحابة، حُب، أنا لا أطمع أن يكونوا المسلمين في العالم كله على قلب واحد، شيء مستحيل، ولكن أطمع يكون في دائرة بسيطة في العالم الإسلامي فيها حُب، هذه تتنامى، الخطر لا ينفرد الباطل بالساحة، لو في بقعة صغيرة، لو في مسجد متواضع ولكن فيه حب، فيه ود، فيه تواضع، فيه التماس عذر، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة، أما إذا انفرد الباطل بالساحة مشكلة كبيرة جداً.
ويجب أن تعرفوا أن أي إنسان يعمِّق الخلاف بين المسلمين إنسانٌ يتحرَّك بتوجيه الشيطان، لأن الخلاف لصالح الشيطان، فالآية يجب أن تكون لنا نبراس:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

 أن تشكره فلا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه، هذه معنى:

 

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾

 فالأخوة علامة الإيمان، والبغضاء والمشاحنة والتفرُّق علامة الكفر، وعلامة التقصير، وعلامة التفلّت، فأنت تتعاون مع إخوانك بقدر طاعتك لله، وتكون فردياً عدوانياً شريراً بقدر معصيتك له.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018