٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 45 - من سورة الإنسان - الإنسان.


1999-12-31

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون... كان عليه الصلاة والسلام يقرأ سورة الإنسان في فجر يوم الجمعة، هذه السورة تبدأ بقوله تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

 كل واحد منَّا لو اطلع على كِتاب مطبوع قبل ولادته، في أثناء طبع الكتاب، وتنضيد حروفه هل لك وجود ؟ هل لك اسم في النفوس ؟ هل أحد يعرفك ؟ هذا هو الشيء الحادث سبقه عدم، وينتهي إلى عدم، وبعد الموت يلخص الإنسان بكلمةٍ واحدة، إما أن يقال: الله يرحمه، أو العكس. يعيش عمر مديد ؛ ثمانين سنة، يأكل، ويشرب، ويعمل، ويتاجر، ويعمل، ويتزوج، ويزوِّج، في النهاية يلخص بكلمة واحدة إما أن تسأل الله له الرحمة، أو العكس.
 فالإنسان حادث، في الدنيا مروره سريع، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، قف أمام أحد أسواق دمشق ـ وليكن سوق الحميديَّة ـ هذا السوق الطويل، كل خمسين أو ستين سنة في طقم جديد، يكبر الإنسان، ثم يتوفى، يُباع المحل، يُوزع على الورثة، يأتي إنسان جديد في مُقْتَبل الحياة، يشتري المحل وهو راغب فيه، ثم يزينه، يحسنه، وبعد هذا يكبر فيباع المحل لواحد ثالث، الله عزَّ وجل جعلنا خلائف، فنحن نعيش عمراً ينقضي سريعاً، أما الشيء الثابت هو الآخرة.
 فالإنسان إما إلى جنةٍ يدوم نعيمها، أو إلى نارٍ لا ينفد عذابها، فكل عقل الإنسان وكل ذكائه أن يسعى لهذا الأبد الذي لا ينتهي، أما الدنيا فانية، ومنقطعة، وتمر سريعاً، وقد يقول الإنسان: لبثت في الدنيا يوماً أو بعض يوم. ثمانين سنة عنده يومٌ أو بعض يوم.
فالله عزَّ وجل يذكرنا بهويتنا، نحن مخلوقون حادثون، سبقنا عدم وننتهي إلى عدم، طبعاً في الدنيا، أما الإنسان يَذوق الموت، ولا يموت، لأن نفسه خُلِقَت من نور الله، وكل شيءٍ خُلِقَ من نور الله لا يفنى، أما هذا الجسد يفنى، هذا وعاء، ثياب نخلعها عند الموت.
أيها الأخوة... كيف أن الطالب بالتعليم، من الصف الأول للثاني، الثاني للثالث، الثالث للرابع، ينجح للخامس، للسادس، للسابع، للثامن، بحسب نظامنا التعليمي، أما في الشهادة الثانوية مجموع علاماته يحدد مصيره ؛ إما طبيب، أو طبيب أسنان أقل، أو صيدلي، هندسة فرضاً، فمجموع علاماته يحدد مصيره، نحن لا نعيش هذه الأيام هكذا، طريقة حياتنا، وانضباطنا، معرفتنا بالله، يحدد مصيرنا الأبدي، نحن في أخطر فترة بحياة الإنسان، إن صح التعبير: أن له حياة في الأزل ـ في عالم الذر ـ وله حياة في الدنيا، وله حياة في الآخرة، أنت بين يومٍ مفقود، ويومٍ مشهود، ويومٍ موعود، ويومٍ مورود، ويومٍ ممدود.
 أخطر يوم بمراحل حياة الإنسان من عالم الذر إلى الأبد، أخطر يوم هو هذا اليوم المَشهود، هذا اليوم بحسب حركتك، ومعرفتك، واستقامتك يتحدد مصيرك الأبدي إلى أبد الآبدين، كيف أن الطالب بحسب دراسته في الشهادة الثانوية تحدد هويته، إما إلى مهنة مُريحة، أو إلى اختصاص من الدرجة العاشرة ؛ لا يوجد وظائف، ولا في دخل، ولا شيء، فكما أن الطالب يحدد مصيره ـ بشكل تقريبي ـ من علاماته في هذا العام، كذلك المؤمن يتحدد مصيره الأبدي من عمله في هذه الدنيا، أخطر يوم يعيشه الإنسان هو اليوم المشهود.
فإذا عرف الله، المعرفة الكافية ليستقيم على أمره، وإذا ضبط دخله، وإنفاقه، وأعضاؤه، وشهواته وفق منهج الله، عندئذٍ يستحق حياة الأبد، و..

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)﴾

( سورة الحديد )

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾

( سورة الصافات )

 واللهِ أيها الأخوة، معظم الناس في غفلة، يرون المجد كلَّه في الدنيا، يسعون إلى جمع المال بطريقٍ مشروعٍ أو غير مشروع، يسعون إلى مكانةٍ عَلِيَّةٍ في الدنيا بوسيلةٍ مشروعةٍ أو غير مشروعة، وينسى أن هذه الدنيا حُلُم يمضي سريعاً.
 فالإنسان أحياناً يؤدي واجب التعزية، يدخل لبيت غير معقول من حيث مساحته، ولا أناقته، ولا حجم الأثاث، ولا تنسيق الأمور فيه، صاحبه مات، لكن أين وُضعَ صاحبه ؟ في قبر صغير، هكذا تنتهي الحياة من بيت فخم إلى قبر !! فالبطولة أن تعتني بالقبر، أن تعتني في هذا البيت الذي لا أنيس فيه ولا أحد، يقول لك كلمة: " يا قيس إن لك قريناً يدفن معك وأنت ميّت، وتدفن معه وهو حي فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك ".
ورد أن أول ليلة يُنادَى الإنسان: " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ".
 يجب أن نفهم معنى الزمن، نحن نعيش أيام محدودة، الآن كل واحد منا ضمن خمس سنوات ماضية ؛ كم واحد مات يعرفه ؟ كان شخص صار خبر، كان شخص له بيت، وغرفة نوم، وغرفة ضيوف، وغرفة استقبال، وغرفة طعام، وله زوجة وأولاد، وله مركبته، وله مكتبه التجاري، صار خبر، وضع في قماش لُفَّ ثم وضع تحت أطباق الثرى، يا ترى ما في القبر ؟ هذا سؤال خطير.
فالإنسان العاقل يعيش للمستقبل، وأخطر حدث في المستقبل هو وفاته، والإنسان الأقل عقل يعيش الحاضر، والإنسان الغني يتغنى بماضيه على طول..
ألهى بني تغلبٍ عن كل مكرُمةٍ قصيـدةٌ قالها عمـرو بن كلـثومِ
* * *
 والآن الأمة الإسلاميَّة أو العربية من عوامل تخلفها أنها تتغنى بماضيها فقط، تتغنى بماضيها وليس حاضرها كماضيها، الأجداد عملوا، أنتم ماذا تعملون ؟ فتألق الجد لا ينسحب على الابن ولا على ابن الابن، يبقى الابن بحسب عمله، هذه الآية:

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

 

 وسيأتي حينٌ آخر يُنسى، فقد تجلس أحياناً مع شاب يحكي معك عشر ساعات، يمكن تمر كلمة واحدة: والله كان أبي الله يرحمه يحب هذه الأكلة. كلمة واحدة، نسوه، أحياناً تجد إنسان يُتوفى ؛ حزن شديد، وسواد، وجللوا الثريات، المرايا جللوها، وبعد جمعتين ينسوه، يضحكوا، يسهروا، وبعدها يذهبوا إلى السيران، وبعدها ينسوه نهائياً.
 فسبق الإنسان عدم، وسوف يتلوه عدم، فكيف يعيش في هذه الأيام التي يشهدها، يتحدد مصيره الأبدي ؛ إما إلى جنةٍ يدوم نعيمها، أو إلى نارٍ لا ينفد عذابها.
هناك ملمح لطيف في هذه الآية:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾

( سورة الإنسان )

هذه النطفة تلقح بويضة، بالبويضة في ثلاثة وعشرون مورِّث، وبالنطفة في ثلاثة وعشرون مورث، هذه تتفاعل، فيتشكل منهم ستة وأربعون مورث نتيجة تفاعل مورِّثات النُطفة مع مورِّثات البويضة.
 أما في الاستنساخ لا يوجد فيه ازدواجية، لا يوجد تفاعل، الاستنساخ هذا الذي يقال عنه أنه نجح، وهو لم ينجح، بلغني أن هذه النَعجة التي استنسخوها، سبق هذه المحاولات مائتي وخمسة وثمانين محاولة فاشلة، والآن أصيبت بمرض الهَرَم المُبَكِّر، فهل من الممكن لإنسان يكون بوضع هرم خلال عشر سنوات ؟ مستحيل، فربنا عزَّ وجل خلقه هو الأكمل كمال مُطلق، أي تعديل فهو نحو الأسوأ، أي تعديل لأن الله عزَّ وجل كماله مطلق، فخلق الإنسان..

﴿ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2)﴾

أما إذا خُلِقَ من نطفةٍ ليست أمشاجاً فهذا نقصٌ في خَلْقِهِ.
 أيها الأخوة... هناك في آخر هذه السورة أيضاً آيات لطيفة جداً، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً (23)﴾

 طبعاً أحياناً يقول الله عن ذاته:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾

( سورة طه: من آية " 14 " )

 (إِنَّنِي أَنَا)، وأحياناً يقول:

﴿ إِنَّا نَحْنُ﴾

( سورة الحجر: من آية " 9 " )

 قال علماء التفسير: إذا تحدث عن ذاته قال: أنا، وإن تحدث عن أفعاله قال: نحن. لأن أفعاله فيها كل أسمائه الحسنى، أي فعلٍ من أفعاله فيه علمٌ، وقدرةٌ، ورحمةٌ، ولطفٌ، وحكمةٌ، إن تحدث عن أفعاله قال:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾

( سورة يس: من آية " 12 " )

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً (23)﴾

 أما إن تحدث عن ذاته العَلِيَّة قال:

 

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14)﴾

( سورة طه )

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

 الإنسان حينما يُكشَف له سر المصيبة، لا يحتاج كثيراً إلى أن يصبر، الدليل: عندما يقول لك طبيب الأسنان: لا يتحمل قلبك البنج، يجب أن نقلع السن بدون بنج. وأنت إنسان عاقل راشد، فلأن الأمر واضح جداً عندك أنه يوجد ألم، هذا الألم أخف من خطر أن يصاب القلب بآفة بسبب البنج مثلاً، فأنت تصبر، لأنه واضح جداً، لكن متى تُؤْجَر على الصبر أعلى أجر ؟ حينما لا ترى الحكمة، الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

أحياناً الإنسان يكون مستقيم الله يبتليه ببلاء معيَّن، يا رب أنا لم أفعل شيء !! هنا مكان هذه الآية، ألا تثق بحكمة الله ؟
 أحياناً أب كريم أغدق على ابنه نِعَمٌ لا تُعَد ولا تحصى، مرَّة أعطاه أمر غير معقول، وبالتعبير العامي: ألا يطلع للأب بعمله الطيب خلال عشرين أو ثلاثين سنة أن يعطيه أمر ويمتحن طاعته ؟! الطعام نفيس والابن جائع: لا تأكل. يقول له: حاضر. جرب ابن تلقى من أبيه مليون أمر منطقي، مليون أمر لصالحه، وفي مرة أحب الأب يمتحن ثقة ابنه به، يمتحن معرفة ابنه له، فأعطاه أمر غير منطقي.
فعندما تأتي للإنسان مصيبة أحياناً، يكون هدفها امتحان عبوديته لله عزَّ وجل، فاللهمَّ صلي عليه ماذا فعل، حتى يؤذى في الطائف، ويُكَذَّب، ويُسخر منه ؟ قال له:

 

 

(( إن لم يكن لك غضبٌ عليَّ فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى))

 

( الجامع لأحكام القرآن )

يجب أن تكون مطواع لله عزَّ وجل. عاهدنا الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره
 فأنت مستقيم في الغنى والفقر، وقبل الزواج وبعد الزواج، وفي إقبال الدنيا وفي إدبارها، وفي مقتبل العمر وفي خريف العمر، وإذا كنت وحدك وإذا كنت مع الناس، وإذا كنت في الحَضَر أو في السَفَر أنت مستقيم، لأنك عاهدت الله على السمع والطاعة، في المنشط والمكره.
أيها الأخوة :

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً (24)﴾

 الكفر هذا انحراف عقيدي، والإثم انحراف سلوكي، الإنسان تكون عقيدته سليمة ولكنه غارقاً في شهواته، هذا آثم، أحياناً يكون ذكي جداً، ويخاف على سمعته ؛ فيما يبدو مستقيم ولكنه كافر، فينبغي أن تكون مؤمناً مستقيماً، فإما أن يكون آثماً أو كفوراً..

 

﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25)﴾

 الله عزَّ وجل قال:

 

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

( سورة العنكبوت: من آية " 45 " )

من أجمل المعاني في هذه الآية أن ذكر الله لك أكبر من ذكرك له.
 فأنت تذكره شاكراً، تذكره داعياً، تذكره مُنيباً، تذكره مستغفراً، أما إذا ذكرك ملأ قلبك غنىً، إذا ذكرك وفَّقك في عملك، إذا ذكرك جعل حياتك سعيدةً، إذا ذكرك جعلك في أعلى عليين، إذا ذكرك أجرى على يدك الخير.
مثل واحد قال لأبيه: أعطني. هو كلف خاطره كلمة يقولها، أربع أحرف، فأعطاه مليون ـ فرضاً ـ لا تتناسب الكلمة مع العطاء، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له..

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25)﴾

 يبدوا أن الله بحسب أنه هو الخالق يعرف ما الذي خلق، تحتاج إلى شِحنات متتابعة، إلى شحنة بكرةً، وشحنة أصيلاً، وشحنة في الليل، فكانت الصلوات الخمس. أنت لاحظ إن صلَّيت الفجر في جماعة، أو صليت الفجر في وقته تشعر براحة، أخذت شحنة للظهر، مع الحركة، والمحل، والمشاحنة مع الناس، فالتألق يخف، يأتي الظهر، العصر، المغرب، العشاء..

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26)﴾

الآن لفتة رائعة، قال: " إن هؤلاء " الشاردون، هؤلاء التائهون، هؤلاء الغافلون، هؤلاء المنغمسون في الدنيا..

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

 )يوماً ثقيلاً). الآن إذا الإنسان شكل عصابة وسطا على المحلات، وجمَّع ملايين، شهرين، وبعد هذا ألقي القبض على هذه العصابة، وتوجد مع السرقات جريمة قتل، فاستحق الإعدام، وسيق إلى المشنقة، فكم يكون أحمقاً هذا الإنسان، طبعاً سينسى وهو على حبل المَشنقة الليالي التي أمضاها وكان معه وفراً من المال، قد يكون ذهب إلى الملاهي، قد يكون دخل إلى مطاعم نفيسة، وأكل أطيب الطعام، ولكن حينما يُشنق ينسى كل هذه اللذائذ نهائياً..

 

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

 واللهِ حدَّثني أخ قريب، له ابن عم له محل تجاري بأحد أسواق دمشق، ويبدو أن هذا الإنسان على خبرة عالية جداً جداً بالتسوّق والبيع، دائماً محله رائِج، وهم ثلاث شركاء ففي خلال سنة، أو سنتان اشتروا بيوت، وسيارات، دخلهم كبير جداً، أحد الشركاء وهو أكثرهم تألُّقاً في التجارة، هو الأساسي في هذه الشركة، هو الذي يشتري، هو الذي يبيع، أصيب بمرض عُضال في دمه، فيقول لي قريبه: لم يكن يعرف ما هو مرضه، الأطباء لم يبلغوه، فظنَّ أن القضيَّة عرضية. فعندما بلغه أن عنده سرطان بالدم بدأت تأتيه حالات هستيرية، كل ربع ساعة يبحت ويقول: لا أريد أن أموت. وبعد فترة وقت أجله يقسم لي ـ شريكه يحضر معنا ـ يقسم لي شريكه أنه صاح صيحةً ما من واحدٍ في البناء كُلِّه إلا سمعها، حينما قُبِضَت روحه.
فالإنسان تأتيه ساعة ينسى حليب أمه. فالبطولة أن نعد لهذه الساعة عدتها، أن نعد لها طاعةً، واستقامةً، وطلب علمٍ، وعملاً صالحاً، وتربية أولادٍ..

 

 

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

هذا في الدنيا فكيف في الآخرة ؟..

 

 

 

﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾

 فعلى كلمة (شددنا أسرهم) هكذا سمعت: أنه هذه العظام، وليكن عظم الفخذ مثلاً له مشاشة ـ كرة ـ وفي لها جُرن تتحرك ضمنها هكذا، هنا في تفريغ هواء، أي لا توجد قوة تخلع هذا العظم من جُرنُه، هناك أربطة، وفي إحكام بالغ، فالإنسان مشدود أسره، هو يأكل ويشرب حليب، من أين جاء العَظم ؟ لو لم يكن عظم تجد الإنسان كالخرقة، كيف يقف ؟ معنى هذا في عَظم، وهذا العظم ؛ عنق الفخذ يحمل مائتي وخمسون كيلو، عنق الفخذ، الإنسان يكون شكله جميل له جذع، وبعدها يتوسَّع جذعه، كيف توسَّع ؟ لأن عظم الفخذ بدل من أن تكون المُشاشة مستقيمة ضمن الحوض، المشاشة هكذا، فصار في عنده عرض بوسطه، وهذا لتناسق شكله، فهذه المنطقة أخطر منطقة، كل الضغط عليها.
 أحياناً أخ يشتغل في العتالة يحمل صندوق حديد، صندوق حديد وزنه ثلاثمائة وخمسين كيلو يحمله على ظهره، فأين الضغط كله ؟ على هذا القسم، هذه المشاشة تحمل مائتي وخمسين كيلو، لو أنه جاء ضغط على الإنسان ـ مكبس ـ قوته خمسمائة كيلو العظم يقاوم، من أين جاءت هذه المتانة ؟ هو أساسه من نطفة، فأنت ممكن تعمل مادة سائلة ويطلع منها فولاذ ؟ غير معقول، الإنسان أساسه نطفة وبويضة، وأساسه من ماء، فكيف تشكل هيكل عظمي متين ؟ أسنانه ثاني أقسى عنصر في العالم، في الكون، الألماس أولاً وميناء الأسنان ثانياً..

 

 

 

﴿ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾

 في إحكام، أحياناً الإنسان يحمل ابنه، الأربطة هنا مدروسة، يجب عليها أن تحمل الجسم كله، وأحياناً يكون غضبان من ابنه فينتره نترة قوية، بهذه النترة يجب أن يكون ضعف الأربطة، لأنه بالنترة الوزن يتضاعف، فمعنى هذا الإنسان إذا حمل ابنه..

 

 

﴿ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾

 إذا وقف في له هيكل عظمي يمسكه، فالإنسان مُحْكَم إحكام جيد، أحياناً الإنسان يشتري حقيبة رخيصة، ويملأها أغراض، يحملها فتقطع يداها، معنى هذا أنها غير مدروسة، مقاومة اليد مع وزن الحقيبة، فربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)﴾

( سورة التين )

﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾

 العين لها مَحْجَر، هذا من الإحكام، لو ما في محجر لكان تسعين بالمائة من الأطفال فقد بصره، يقع على رأسه فينتهي بصره، أما العين كيفما وقع الطفل العين محمية بهذا المحجر
 وبعد هذا انتبه، الدماغ مكانه في صندوق عظمي، الدماغ أخطر عضو بالإنسان مكانه في صندوق عظمي، وبين الصندوق والدماغ يوجد سائل، إذا وقع الإنسان على رأسه السائل يوزع هذه الضربة على كل الدماغ، الضربة بمكان عن طريق السائل يوزع الضغط على كل الدماغ، معنى هذا أن أخطر عضو ضمن صندوق، وأخطر حبل النُخاع الشوكي ضمن العمود الفقري، وأخطر جهاز هو القلب ضمن القفص الصدري، وأخطر عضو في المرأة هو الرحم ضمن عظام الحوض.
الرحم محمي بعظام الحوض، والقلب بالقفص الصدري، والنخاع الشوكي بالعمود الفِقَري، والدماغ بالجُمجمة..

 

﴿ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾

 معنى هذا أن فطرتك سليمة، فطرتك تؤمن، تحتاج إلى تذكرة..

 

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾

 أنت مخيَّر.
 لكن..

 

 

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

 العلماء قالوا: مشيئة الإنسان مشيئة اختيار، لكن مشيئة الله عزَّ وجل مشيئة فَحْصٍ واختبار ـ أي كلية تريد يا ابني ؟ والله الطب أستاذ، كم هي علاماتك ؟ والله لم أنجح هذه السنة. كيف دون أن تنجح وتدخل طب ؟‍ ـ فإذا قلنا: أنت اختار أيها الطالب، إدارة الجامعة مهمتها فحص علاماتك، تفحص مستوى نجاحك، فإذا قلنا: مشيئة الإنسان ؛ مشيئة اختيار، مشيئة خالق الأكوان ؛ مشيئة فحصٍ واختبار.

 

 

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾

لكن..

 

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾

 الآن دقِّق..

 

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾

 أيْ أنك إذا توهمت من هذه الآية أن الله هو الذي يشاء يهديه والذي يشاء لا يهديه، هذا المعنى ما أراده الله أبداً، بعد دقيقة تأتي تتمة الآية:

 

 

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾

 من هذا الذي لا يُدْخِلُه في رحمته ؟ الظالم، معنى هذا رحمته مقنَّنة، رحمته واضحة، كأنه في موجز وتفصيل، أنا أقول: أنا آخذ من أشاء معي إلى الرحلة، لكن الكسول لن آخذه. معنى هذا توضَّحت مشيئتي، آخذ من أشاء إلى الرحلة لكن الكسول لن آخذه، معنى ذلك مشيئتي مع المجتهدين.
أيها الأخوة هذه الآيات في سورة الإنسان، ولاسيما في نهايتها.
 بقي آية واحدة، ممكن تدخل إلى بيت مساحته مائتي متر، أو أربعمائة، أنا شاهدت قصر في بعض البلاد الإسلامية، يمكن القصر ضمن غابة مساحتها خمسين أو ستين دنم، فدقق في هذه الآية:

 

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)﴾

( سورة الإنسان )

 أنت في الدنيا ساكن في بيت، أما في الآخرة لك قصر..

 

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)﴾

 فالمؤمن له عند الله مكانة كبيرة جداً، وهذه المكانة تُتَرْجَم إلى نعيم مُقيم، وإلى قُصور في الجِنان ..

 

 

﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)﴾

 فهل من الممكن تعمل عمل والله ينساه لك ؟ ممكن تعمل عمل ولا تأخذ أضعاف أضعاف مضاعفة عنه ؟..

 

 

﴿ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)﴾

 

 

 فأبشروا أيها الأخوة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018