٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 44 - من سور الزخرف والدخان والجاثية - العلاقات والمصالح.


1999-12-30

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
 الحقيقة الأولى من خلال سورة الزُخْرُف هي: أن كل الخلق خُلِقوا ليسعدهم الله عزَّ وجل في الدنيا والآخرة، والدليل هذه الآية الكريمة:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

 لو أن الله خَلَق أناساً للنار، خلقهم كفاراً، أجبرهم على الكفر، وقدَّر عليهم ذلك، وخلق أناساً للجنة، لو أن الله فعل هذا لمَ يعذب الكفَّار في الدنيا، لكن لأن الله عزَّ وجل خلق كل الخلق ليرحمهم وليسعدهم في الدنيا والآخرة، فالذي يقصر يسوق له من الشدائد ما يحمله على التَوْبَة، يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)﴾

 لو أن الله خلق الكافر كافراً ـ كما يدَّعي بعض الناس ـ ينبغي ألا يعذبه، لأنه ما فعل شيئاً، هو استجاب لقدر الله عزَّ وجل، لكن لأن الله خلق الناس جميعاً ليكونوا مؤمنين، وفطرهم فطرةً عالية، فالذي يقصِّر ويشرد يسوق له من العذاب ما يحمله على التوبة، فهذه الآية حُجَّةٌ على ما يدعي خلاف ذلك.
 العلاقات التي بين الناس في الدنيا مهما تكن متينة، لتوافق المصالح، الله عزَّ وجل يبيِّن أنك تحسبهم جميعاً وقلوبُهم شتى، إن كان بينهم مصالح نشأت علاقات، هذه العلاقات لو كان أساسها المصالح عند الموت تنْقَلِب هذه العلاقات إلى عداوات..

 

 

﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾

 فأمتن علاقة بين اثنين علاقة الإيمان، أمتن أخوة أخوة الإيمان، أمتن صِلَة صلة أهل الإيمان، هذه صلةٌ ثابتة لا تتأثَّر لا بالمصالح، ولا بالظروف، ولا بالبيئات، ولا بالتطوّرات، علاقةٌ ثابتةٌ متينةٌ في الدنيا والآخرة..

 

﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾

* * * * *
 في بالقرآن الكريم إشارات، هذه القنابل الذرية التي فجَّرتها بعض الدول، الشيء الظاهر منها دخانٌ كثيف، وقد سُئل بعض الفلاسفة الساخرين عن الحرب العالمية الثالثة فقال: لا أعلم عنها شيئاً، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالحجارة، لأن العقل حينما نما من غير سياجٍ من هُدى الله عزَّ وجل سوف يدمِّر نفسه، والآن البشرية تدفع ثمن تدمير نفسها، ما تعانيه الأرض من شُحٍ في الأمطار بسبب تبدُّل المُناخ، تبدل المناخ بسبب ارتفاع ثاني أكسيد الكربون في الأرض كلها، فالتلوث في الجو أسبابه تغيير خلق الله عزَّ وجل، بل إن دول الشمال حتى في تجميعها للمياه بسدودٍ عظيمةٍ جداً، هذا له أثر أيضاً على مُناخ الأرض، على كلٍ..

﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)﴾

( سورة الدخان )

 الله عزَّ وجل له سياسة مع عباده، من رحمته بعباده يسوق لهم بعض الإنذارات المبكرة؛ كي يتلافوا أمرهم، وليكون هذا الإنذار فرصةً جديدةً كي يصححوا، أنا أذكر أن إنسان كان الأخ الأكبر، وأخذ أموال أخوته جميعاً، جمَّعها في يده، أي اغتصب أموال أخوته اليتامى، ونما ماله نمواً عجيباً، واشترى محلات تجارية، وراجت تجارته، يركب مركبته وإلى جانبه زوجته، في طريق من طرق دمشق الصاعدة، وعند إشارة المرور أصيب بأزمةٍ قلبية، من غرائب الصدف أن صديقه كان وراءه، فنزل من سيارته وحمله وأخذه إلى المستشفى، وأدخل العناية المشددة، بعد ساعات شعر بجريمته، وأنه قد يلقى ربه بعد قليل، فطلب آلة تسجيل وشريط، وقال في هذا الشريط: المحل الفلاني لأخي فلان، والمحل الفلاني لأخي فلان. فكل محلٍ اغتصبه من أخوته بالشريط ذكر أنه له، وسوف يفرغه له، يبدو بعد عدة أيام أَبَلَّ من مرضه ـ والجلطة لها أثر وقتي ـ فشعر أنه ما فيه شيء، تحرك نشَّط، داوم في محله، فطلب الشريط وكسَّره، ثم جاءته القاضية بعد ثمانية أشهر، وقضت عليه.
فهذه الأزمة الأولى إنذار مبكر، هذه سياسة الله مع كل عباده، من رحمته يعطيه فرصة أخيرة، يعمل له إنذار مبكر، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً﴾

 

 في هذه الفترة إن لم تعودوا..

﴿ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)﴾

 هذه سُنَّة الله في خلقه، يرسل إنذار مبكر. فالإنسان إذا استجاب لله عزَّ وجل استجاب، وإن لم يستجب يأتي بعد هذا الإنذار الشيء القاضي عليه.
من ألطف آيات سورة الدخان:

 

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)﴾

 السماء تبكي، والأرض تبكي، لأنها نفس، كان عليه الصلاة والسلام يقول

 

 

((إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن))

 

( مسند الإمام أحمد: عن " جابر بن سمر " )

 وحينما كان يخطب على جذع نخلة، ثم صنع له أصحابه منبراً، حنَّت النخلة إليه، وتمنَّت لو كان يبقى يخطب عليها، فكان عليه الصلاة والسلام إكراماً لها يضع يده عليها أثناء خطبته.
دخل إلى بستان فرأى جملاً، فلما رآه حَنَّ الجمل ـ بكى ـ فأمسك النبي ومسح بزفريه وقال: من صاحب هذا الجمل ؟ جيء بفتىً من الأنصار فقال:

 

(( يا أيها الفتى ألا تتقي الله بهذه البهيمة ؟ فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه ))

 

( مسند الإمام أحمد: عن " عبد الله بن جعفر " )

 وقد ذكرت لكم من قبل أنه في مؤتمر علمي، أحد كبار علماء النبات، عمل تجربة قبل انعقاد المؤتمر بأربعة أشهر، فجاء بثلاثة بيوت بلاستيكيَّة، وضع فيها تربةً موَحَّدة، وزرع فيها قمحاً من نوعٍ موحَّد، وعدد الحَبَّات موحَّد، وكانت سُقيا موحدة، والسماد موحَّد، والعناية موحدة، أي أنه حرص حرصاً لا حدود له على أن تكون كل الشروط واحدة ؛ من حيث التربة، والسماد، والسُقيا، والعناية، والحرارة، والبرودة، وجاء بإحدى طالباته فقرأت على البيت الأول سوراً من القرآن الكريم، قرأت المعوَّذتين، والإخلاص، والفاتحة، وآية الكرسي، وسورة ياسين، كل أسبوع أربع مرَّات، لمدة أربعة أشهر.
وجاء بطالبةٍ أخرى فكانت تمزِّق نباتاً أمام النبات، وتقول كلماتٍ قاسيةً جداً بحَقِّ النبات.
وجاء بطالبةٍ ثالثة فكانت تؤذي البنات نفسه بالتقطيع، والسحق، والقطع.
 وترك البيت الرابع ضابطاً، وبعد أربعة أشهر راقب نمو النبات، فكانت النتيجة أن البيت الأول ؛ هذا النبات الذي استمع إلى القرآن الكريم أربع أيام كل أسبوع، نسبة نموه أربعة وأربعون بالمائة زيادة عن البيت الضابط ـ الرابع ـ ونسبة المحصول زاد ثمانين بالمائة، البيت الثاني والثالث اللذان تلقَّيا تعذيباً أمامهما أو تعذيب مباشر، هبط نمو النبات فيه ثمانية وثلاثين بالمائة، والإنتاج هبط للأربعة والستين بالمائة، البيت الرابع هو الضابط، ثم جاء بقوله تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 44 " )

﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾

( سورة الحشر: من آية " 21 " )

 طبعاً هذا يشير إلى أن هناك حياة نفسية يعيشها النبات، لذلك:

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)﴾

 المعنى المخالف أن السماء تبكي على المؤمن، والأرض تبكي على المؤمن، بل إن العلماء قالوا: إن موضع سجود المؤمن يبكي عليه بعد موته، وإن مكان عروج عمله إلى السماء، في هذا المكان تبكي عليه السماء بعد موته، فالمؤمن مُبارك، إذا مات تبكي عليه السماء والأرض، وأما الكافر إذا مات تستريح منه السماء والأرض، لذلك قال عليه الصلاة والسلام حينما رأى جنازة:

 

(( مستريحٌ ومستراحٌ منه. فقالوا: يا رسول الله ما مستريحٌ وما مستراحٌ منه ؟ قال: أما العبد المؤمن إذا مات استراح من نصب الدنيا، أما العبد الكافر إذا مات استراح منه كل شيء ))

 

( الدر المنثور في التفسير الماثور )

* * * * *
 توجد نقطة دقيقة، يقول الله عزّ وجل:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾

( سورة الجاثية: من آية " 14" )

 أنت راقب حالة طبيب أمراض جلدية، جاءه مريض معه مرض جلدي مُزعج جداً، منظره مُخَرِّش، ورائحته سيئة جداً، الطبيب هل يحقد على هذا المريض، أم يرثي لحاله ؟ هذا شأن المؤمن مع الشاردين عن الله، يتحرَّكوا حركة عشوائية، كلامهم فيه قسوة، فيه بذاءة، معاملتهم فيها تطاول، هو لا يعد نفسه طرفاً معهم بل هو فوقهم، هو طبيبٌ لهم. فالمؤمن الكامل لا يحقد على الكُفَّار، إنه يحقد على عملهم، يكره عملهم ولا يكرههم، وهذا نوع دقيق جداً، إن الله لا يغصب على عبدٍ بل يغضب من عمله فقط، فلو عاد وارتجع كان أحب الخَلق إلى الله عزَّ وجل..

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾

 فالإنسان الجاهل، الشارد ينبغي أنت تغفر له، واعذره لجهله وبعده عن الله.
ثم يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)﴾

 المشرِّع يجب ألا تكون له مَصْلَحةٌ في التشريع، كل إنسان في الأرض يشرع إلا ويجعل التشريع لصالحه، أبداً، ما هو التشريع الذي يبتعد عن الهوى ؟ تشريع الله عزَّ وجل، لا يصح أن يشرع الإنسان مهما كان حيادياً، مهما كان نزيهاً، تشريعه لصالحه، لذلك يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾

 النبي ليس مشرِّع، النبي متبع..

 

 

﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)﴾

 فإما أن تُحَكِّم العقل المُطْلَق، أو أن تحكِّم الهوى، إذا الإنسان شرَّع يتحكم به هواه، أما إذا كان التشريع إلهياً، هذا التشريع مُنَزَّهٌ عن الهوى.
 الآية التي إذا قرأها المؤمن امتلأ قلبه طمأنينةً هي قوله تعالى:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

 مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون حياة المؤمن كحياة الكافر، وزواجه كزواج الكافر، وعمله كعمل الكافر، وسعادته كلذَّة الكافر، وحالته النفسية كحالة الكافر، مستحيل أن يستوي المؤمن مع الكافر في الأحوال، وفي الظروف، هذا يتناقض مع وجود الله..

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018