٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 43 - من سورة الشورى - المُلكية.


1999-12-30

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام... حيثما وردت كلمة:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة الشورى: من آية " 4 " )

 هذه المُلكية المطلقة لله عزَّ وجل، يملك الخلق ؛ خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً، هي المُلكية المطلقة، فنحن جميعاً في قبضة الله، وجودنا متوقفٌ على إمداده، استمرار وجودنا متوقفٌ مصيرنا إليه، من هو العاقل ؟ مادام الله عزَّ وجل يملكنا ملكيةً مطلقةً بدءاً من خلقناً، ومروراً باستمرارنا، ونهايةً بمصيرنا، الله عزَّ وجل هو وحده الذي يُعْبَد لأن مصيرنا إليه.
 مُلكية الإنسان في الدنيا ملكيةٌ مقيَّدة، أو ملكيةٌ محدودة، فقد تملك الشيء ولا تنتفع به، كأن تملك بيت ومؤجَّر قبل السبعين، ثلاثين مليون ثمنه، وأجرته مائة ليرة في الشهر، أقل من ضرائبه، قد تملك شيئاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع بالشيء ولا تملكه، وقد تملكه وتنتفع به ومصيره ليس إليك. أما مُلكية الله عزَّ وجل ملكيةٌ مطلقة ؛ خلقاً وتصرفاً ومصيراً، فمادمنا إليه صائرين، ومادام المرجع إليه، و..

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

 

( سورة الغاشية )

 وفي أية لحظةٍ يملك سمعنا، وأبصارنا، وقوتنا، وعقلنا ؛ الإنسان أحياناً يفقد ذاكرته فجأةً، تأتي خثرة دم أقل من رأس دبوس مكان الذاكرة في الدماغ، فَقَد ذاكرته، لا يعرف ابنه. مرة اتصل بي رجل كان يحضر عندنا قال لي: والدي فَقَد ذاكرته، خرج من معمله بحوش بلاس، بيته بالمهاجرين، ساعة نسي بيته.
 فالإنسان لا يملك ذاكرته، لا يملك سمعه، لا يملك بصره، لا يملك قوته، فجأةً بخثرةٍ أقل من رأس الدبوس يفقد حركته، فإذا هو عبءٌ على من حوله، وأقرب الناس إليه يتمنَّى موته. فالإنسان مكرم لأن الله سمح له يكرَّم، لأن قوتك فيك مكرَّم، أما لو فقدت القوة.. أنا أعرف قريبة لي أصيبت بالشلل، أول جمعة خدمة من أعلى مستوى، كلما تمضى جمعة تخف الخدمة، إلى أنها حينما تصرخ لا أحد يرد عليها، ثم يتمنّى الناس موتها، وأقرب الناس إليها، ويسمعونها ذلك: الله يخفف عنك.
 فالإنسان كرامته من إمداد الله له، كرامته من عقله، كرامته من ذاكرته، كرامته من سمعه وبصره، كرامته من أن الله رزقه المال، لو أنه افتقر فجأةً لبذل ماء وجهه أمام الناس، فمن هو مالك المُلك ؟ هو الله جل جلاله، هو مالك المُلك، أنت لا تملك شيئاً، والدليل بناء ضخم بثوانٍ يصير أنقاض، وما أكثر الزلازل، بثوانٍ صار أنقاض..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 26 " )

 كل شيء يُمَلَّك مالكه هو الله، فلا تملك شيئاً، وأدق كلمة قالها أعرابي يقود قطيعاً من الإبل عندما سُئل: لمن هذه الإبل ؟ قال: " هي لله في يدي ". أي أن الله سمح لك تسكن في هذا البيت، وسمح لك تتاجر، وسمح لك تكسب مال، وسمح لك أن تستخدم هاتين العينين، وهاتين الأذنين، سمح لك، فيجب أن تعتقد أنك دائماً في قبضة الله، فهل يعقل وأنت في قبضته، وأنت مملوكٌ له، وهو مالك المُلك أن تعصيه ؟!.

 

إلـى مـتى أنـت بالمعـاصي  تســـير مرخـى لـك العِنانُ
عندي لك الصلح وهـو بـري  وعندك الســـيف والســنان
ترضى بأن تنقضـي اللـيالي ومـا  انقضـت حـربك العوانُ
تســتحي من كتابٍ كـريـمٍ  يحصى بـه الـعقل واللســانُ
واسـتحي من شـيـبةٍ تراها  فـي النار مســجـونةً تهـانُ
* * *

 نحن نفهم معنى الملك، لا تملك شيئاً، قد يلقي الله محبَّتك في قلوب أعدائك فيخدموك، وقد يلقي الله بُغضك في قلوب أبنائك فيضربوك. الابن ؛ وما أكثر ما سمعت عن ابن ضرب أباه، فإذا الله عزَّ وجل ألقى محبتك في قلوب الخلق العدو يخدمك، وإذا نزع هذه المحبة وألقى مكانها البغضاء ؛ أقرب الناس إليها يبالغ في إهانتك.
فكل شيء يمَلَّك مالكه هو الله، من كلمة (له) ما في السماوات والأرض ملكه، بما فيها ؛ من إنس، وجن، وحيوان، وطائر، وسمك، وتضاريس.
 النقطة الثانية من تجاربي التي تلفت النظر: أن مجتمع متقدم جداً جداً استطاع أن يحمل الناس على الطاعة، كلهم، شدة المراقبة الإلكترونية، مثلاً سوق فيه بضائع بمائة مليون، أربع موظفين على مخرج السوق، لا يستطيع إنسان أن لا يدفع ثمن البضاعة، كله أجهزة إليكترونية، فيا ترى هذا الذي دفع يرقى بهذا الدفع ؟ عندما صار في إجبار انتفى التفاضل الأخلاقي، من هو الأمين ؟ لا نعرف، من هو الخائن ؟ لا نعرف، صار في مراقبة دقيقة جداً بحيث لا يستطيع إنسان ألا يستقيم، هذه استقامةٌ قسرية لا يرقى بها الإنسان إطلاقاً، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

( سورة الشورى: من آية " 8 " )

 فلو الساعة الثالثة مساء إذا تجاوزت الإشارة الحمراء تؤخذ صورة للسيارة، والمخالفة مبلغ كبير جداً، الكل منضبط حتى الساعة الرابعة ليلاً، لا أحد يخالف، لأنه لا يمكن يفلت إنسان من العقاب، صار في ضبط إلكتروني، هذا الضبط ـ للتقريب ـ عمل استقامة قسرية للناس، هل يرقى الناس بها ؟ أبداً، بدليل لو قُطعت الكهرباء لسببٍ أو لآخر ارتُكِبَت في مدينة واحدة مائتا ألف سرقة، بليلة واحدة، لأن الضبط خارجي، عظمة الإسلام أن الوازع من الداخل، الإسلام مبني على الوازع الداخلي، والحضارة الغربية مبنية على الرادع الخارجي، قال سيدنا عمر لأحد الرعاة:
ـ بعني هذه الشاة وخذ ثمنها
ـ قال: ليست لي.
ـ قال: قل لصاحبها ماتت.
ـ قال: ليست لي.
ـ قال: قل أكلها الذئب.
ـ قال: ليست لي.
ـ قال: خذ ثمنها.
ـ قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين ولكن أين الله.
 هذا هو الدين كلُّه، أن تقول: أين الله، كل الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، ودروس العلم، والتَفَقُّه من أجل أن تقول: أين الله، من أجل أن تخاف الله، فإن خفت الله عزَّ وجل حقَّقت الهدف من هذا الدين.

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

 إذا كان إنسان مع شيء من التقدُّم، والتكنولوجيا، والكمبيوتر، والمراقبة الذاتية، والكاميرات التلفزيونية، إنسان حمل الناس على الاستقامة القسرية، فكيف بخالق الأكوان ؟ لو أن هذه الاستقامة القسرية تُسعد الناس لخلقها الله عزَّ وجل..

 

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

 ما في ولا مشكلة، ما في مؤمن، وكافر، ومُلحد، وفاجر، وبوذي، وسيخي، وهندوسي، ما في، كلهم يصيروا مؤمنين، ولكن تحت الشدة، هذه الاستقامة القسرية لا ترقى بالإنسان ولا تسعده أبداً، الله أرادنا أن نحبه، أن نأتيه طائعين، أن نأتيه بمبادرةٍ منا..

 

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾

يريد أن تطلب أنت رحمته، أن تسعى إليها أنت باختيارك، وبإمكانك أن تُعْرِض عنها.
 الكلام الدقيق كم موضوع خلافي الآن بالأرض ؟ بأي مجال ؛ بالموضوعات الاجتماعية، والموضوعات النفسية، والفكرية، والعقائدية، والسياسية، كم موضوع خلافي بالأرض ؟ ملايين، هؤلاء يقولون كذا، وهؤلاء يقولون كذا، هؤلاء ينطلقون من كذا، قال:

 

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾

( سورة الشورى: من آية " 10 " )

 أي موضوعٍ خلافي مرجعه كلام الله عزَّ وجل. لذلك فالمؤمن يتعامل مع الثوابت، القرآن ثابت، القرآن كلام الله، القرآن كلام خالق الكون، فإذا اختلفنا في قضية، ماذا قال الله عنها ؟ هذا سلوك المؤمن..

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )

 حكم الله في الربا أنه حرام، وانتهى الأمر، حكم الله في الاختلاط أنه حرام، حكم الله في القَرْض الربوي أنه حرام، وانتهى الأمر، فإذا واحد مؤمن مرجعه كلام الله، لأنه كلام الخبير..

 

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾

 

 هذا هو الموقف الحاسم، ودائماً في عندنا اختلاف، قد نختلف لنقص المعلومات، هذا خلاف معذورين فيه، وقد نختلف بغياً وحسداً، وهذا خلافٍ قذر، وقد نختلف اجتهاداً، قد نختلف إنسان يرى أن أفضل شيء في العمل الإسلامي الدعوة إلى الله، إنسان يرى تأليف الكُتُب، إنسان يرى التعمُّق في الحديث فقط، إنسان في التفسير، إنسان في السيرة، إنسان في بناء المساجد، إنسان في الجمعيات الخيرية، كله مقبول، هذا اختلاف تنافس وهو محمود، اختلاف التنافس محمود، واختلاف البغي والعدوان قذر، واختلاف نقص المعلومات معذور.
عندنا اختلاف نقص معلومات صاحبه معذور، اختلاف حسد وبغي صاحبه إنسان قذر، وفي عندنا اختلاف التنافس صاحبه معذور.
قال تعالى:

﴿ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾

( سورة الشورى: من آية " 15 " )

 قضية العدل، الله هو العدل، العدل من أخطر الموضوعات في الحياة الاجتماعية. ذات مرة جيء لقاضي بطبق من الرطب في بواكيره وكان يحب الرطب في بواكيره، سأل الخادم: من جاء بهذا الطبق ؟ قال له: رجل في الباب. قال له: صفه لي، قال له: كيت وكيت، قال له: ردَّه. هذا الرجل أحد المتخاصمين عنده، بعد أيام طلب مقابلة الخليفة ليعتذر عن منصب القضاء، قال له: لِمَ. قال له: والله جاءني طبقٌ من الرُطَب في بواكيره، وفي اليوم التالي تمنَّيت أن يكون الحق مع هذا الذي قدَّم هذا الطبق، مع أنني لم آخذه فكيف لو أخذته ؟. ميزان العدل دقيق جداً جداً.
يروى أن سيدنا عمر كان إلى جانبه سيدنا عليّ رضي الله عنهما، فجاء يهودي يشتكي على سيدنا علي، قال له: قم يا أبا الحسن فقف إلى جنب الرجل. فسيدنا علي انزعج وتغيَّر لون وجهه، بعدما انتهى الأمر ـ طبعاً اليهودي مفترٍ ـ قال له:
ـ يا أبا الحسن أوجدت عليّ ؟ زعلت مني ؟.
ـ قال له: نعم.
ـ قال له: لِمَ ؟.
ـ قال له: لِمَ قلت لي يا أبا الحسن ولم تقل لي يا علي ؟ لقد ميَّزتني عليه.
 إذا انهار القضاء انهار المجتمع كله. مرة أحد زعماء الإنكليز عقب الحرب العالمية الثانية ؛ كل شيء مدمَّر، سأل وزير الصناعة قال له: المعامل كلها مدمَّرة، سأل وزير الزراعة قال له: الحقول محروقة، سأل وزير الخزانة فقال: الخزانة فارغة، فسأل وزير العدل: كيف العدل عندك يا مستر فلان ؟ قال له: بخير. قال له: كلنا إذاً بخير. فالعدل من أسماء الله عزَّ وجل.
 حجر ضجَّ بالشكوى إلى الله فقال: يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أسِّ كنيف ( بالمرحاض ؟!). فقال له: تأدب يا حجر إن لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم. أي أن مكان الحجر في الكنيف أشرف له من أن يكون في مجلس قاضٍ ظالم.
وبعدُ هذه الآية تحل لك مليار مشكلة:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

( سورة الشورى: من آية " 30 " )

 كلمة مصيبة جاءت نكرة، هذا تنكير شمول، أي أية مصيبةٍ على الإطلاق ؛ مصيبة دمار عام، زلزال، مصيبة فيضان، مصيبة جفاف، مصيبة مرض مُسْتَشْري، مصيبة حرب أهلية، مصيبة مرض شخصي، مصيبة فقر، أية مصيبةٍ على الإطلاق..

 

﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

 هذا كلام خالق الكون، لا تتهم الله أبداً.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018