بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية عامة - الدرس : 02 - المسلمون بين ماضيهم وحاضرهم.


1998-12-19

الموازنة بين ماضي الأمة و حاضرها :

  أيها الأخوة الكِرام؛ قد يُوازن الإنسان بين ماضي الأمةِ و حاضِرِها، كانوا في الماضي قِلّة، وكانوا ضِعافاً، ومع ذلك وصلوا إلى مشارق الأرض ومغارِبِها، واليوم نزيدُ عن مليار ومئتي مليون وليست كلمتنا هي العُليا، وترون وتسمعون ماذا يجري، هذه الآية تُفسّر هذه المفارقة الحادّة:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة البقرة:134]

 مظاهر الإسلام صارخة؛ مساجد، مكتبات، كُتب، مكتبة عامرة، احتفالات، مؤتمرات،... ونحنُ كُثُر، يقول عليه الصلاة والسلام وكأنه بين أظهُرِنا، وكأنه معنا:

((عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

[أبو داود عن ثوبان]

 حُب الدنيا وكراهية الموت تُصيب الإنسان بالضعفِ والوهنِ، لذلك مهما كُنا كُثُراً فالألفُ مِنّا كأُف، والواحدُ من أصحاب رسول الله كألف، فـ:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 134]

 لهم استقامتهم، ولهم إخلاصُهم، ولهم بذلهم وتضحيتُهم، ولهم محبتهُم، ولهم تعاونهم، ولهم تضامُنُهم، ولهم إخلاصُهم، ولنا تفرُّقُنا، ولنا تفلُتنا من منهج الله، ولنا تخاذُلَنا عن أن ننصُرَ بعضنا بعضاً، ولنا من السيئات ما لا تُعد ولا تُحصى.

التغني بالآباء والأجداد يُسعد لكنه لا يرقى بِنا :

 أخواننا الكِرام؛ سؤال بسيط: لو أنَّ شاباً لهُ أبٌ عالمٌ كبير، هذا الشاب مهما أثنى على أبيه، ومهما تحدّثَ عن عِلمِهِ، وعن كمالِهِ، إن لم يسلُك طريقَ أبيه يبقى هوَ هوَ، أبوهُ هوَ هوَ، وهوَ يبقى كما هوَ، أي مهما تغنينا بديننا، مهما أشدنا بِهِ، مهما عظّمناه، مهما تحدثنا عن رسول الله، مهما تحدثنا عن أصحاب رسول الله، إن لم نسلُك طريقهم لا نستفيدُ شيئاً.
 مرةً خطرَ في بالي هذا المثل: عالِم كبير له مئتا مؤّلف، ويحمل أعلى الشهادات، وعنده آذن " حاجب " في غيبته جلسَ على كرسيّهِ وراء مكتبِهِ، هذا الجلوس ماذا ينفعه؟ لا ينفعه شيئاً، يبقى هوَ هوَ، وسيّدهُ هوَ هوَ، فنريد نحن أن نخرج من هذه الدوّامة، التغني بالآباء والأجداد يُسعد لكن لا يرقى بِنا، قال بعض الشعراء: ألهى بني تغلبٍ عن كُلِّ مكرُمةٍ، قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم، عمرو بن كلثوم شاعر تحدّث عن قبيلة بني تغلب، وتحدّثَ عن شجاعتِها، فهذه القبيلة تغنّت بهده القصيدة، وقعدت بها عن كُلِّ فضيلة.
 لا تقُل أنا ماذا أفعل، هناك نقطة دقيقة جداً تقرؤونها في كُل صلاة:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[سورة الفاتحة:5]

 ما أمركَ أن تستعينَ بِهِ إلاّ ليُعينَك، معنى ذلك الجهدُ ليسَ عليك، عليك أن تكونَ صادقاً في طلبِك، هذهِ أدقّ نُقطة، حجمُ عملِكَ ليسَ بجُهدِك، إنما هوَ بتوفيق الله عزّ وجل، فأنتَ ولو أنكَ واحد، أساساً الذين غيّروا مجرى التاريخ أشخاص، هذا النبي الكريم لَبِثَ في قومِهِ سنوات.. ثلاثٌ وعشرون سنة.. غيّرَ وجهَ التاريخ، غيّرَ طبيعةَ الحياة، لا تقُل: أنا واحد، الإنسان عندما يسلُك طريق الحق، وحينما يمتلئ بنوايا عالية جداً، الله عزّ وجل يمنحهُ قوةً استثنائية، يُجري على يديه الخير.. نحنُ في هذا الشهر الفضيل أحياناً إنسان تجده أصبح أمة، واحد صار أُمّة بِصدقِهِ، وإخلاصِهِ، وتضحيتِهِ، فترونَ وتسمعون، والإنسان أحياناً يخجل من أن ينتمي لهذه الأمة، أي مجلس السوفييت " الروس " ناشدوا عشيقة رئيس الجمهورية الأمريكية أن تُناشِدهُ أن يوقِف إطلاق النار، هكذا أصبحنا؟ ننتظر من ساقطة أن تُناشد إنساناً يوقِف إطلاق النار، ترونَ ماذا يجري، لابُدَّ من الصُلح مع الله، لابُدَّ من الاستقامة، لابُدّ من أن نُقبلَ على الله، ولو كُنا قليلين، الله عزّ وجل يقوينا، ويمنحُنا من قوتهِ الشيء الكثير.

 

أدّ الذي عليك و اطلب من الله الذي لك :

 نحنُ في بداية رمضان الإخلاصَ الإخلاص، الاستقامة الاستقامة، الطاعةَ الطاعة، اجعلوا هذا الشهر شهر عبادة لا تجعلوه شهر مناسبات، ولقاءات، وولائم، وحفلات، أصبح رمضان عادات وتقاليد لا تمّتُ إليهِ بِصلةٍ إطلاقاً، هذا الذي أرجوه من الأخوة الكِرام، وأرجو أن نكونَ:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 134]

 لها عملُها ولنا عملُنا، انظر إلى السطوح ماذا عليها تعرف ماذا في البيوت، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، وكُلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماءُ السماء، وكُلّما رَخُصَ لحمُ النساء ارتفع لحمُ الضأن، أليسَ هُناكَ نساءٌ كاسياتٌ عاريات يمشينَ في الأسواق؟ أليسَ لهن آباء أو أخوات أو أزواج؟
 قُلت اليوم في جامع الطاووسية: من دمشق إلى أبو ظبي سافرت على طائرة خليجية وُزِعّت الخمر، وقِلّةٌ قليلة لم تشرب الخمر وهُم في الجو، فماذا ننتظر من الله عزّ وجل؟ أي القضية واضحة جداً، اللهُ مع المؤمنين:

﴿ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الروم:47]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

[سورة محمد:7]

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

[سورة الأنفال:10]

﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة الروم:4]

 هذه آيات النصر، والمعركةُ بين حقّين لا تكون، لأنَّ الحقَّ لا يتعدّد، وبين حقٍ وباطلٍ لا تطول لأنَّ الله مع الحق، وبينَ باطلين لا تنتهي.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يصطلح الإنسان لوحده مع الله، إذا الإنسان عاهد نفسهُ أن يُقيمَ الإسلامَ في بيتِهِ وفي عملِهِ، في بيتِهِ وفي عملِهِ فقط هذا الذي عليك، أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك.

 

من هان أمر الله عليه هان على الله :

 

 آخر كلمة تُفسّر ما يجري؛ هانَ أمرُ اللهِ علينا فهُنّا على الله، هانَ أمرُ الله علينا، على مجموع المسلمين، فهُنّا على الله، فإذا أردتم أن يعطينا الله ولا يحرمنا، أن يؤثِرنا ولا يُؤثر علينا، أن يُكرمنا ولا يُهنّا فليكُن أمرُ الله مُعظّماً عِندنا، يوجد آيتان كريمتان جليلتان:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال:33 ]

 ما دامت سُنّة النبي بين ظهراني أُمتِهِ مُطبّقةً في حياتِهم هُم في بحبوحةٍ من عذاب الله:

﴿ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال:33 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018