بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حديث + موضوع علمي - الدرس : 03 - قصة سيدنا أبو سفيان مع هرقل.


1998-12-22

اتباع منهج النبي في دعوته إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ المسلمون اليوم في أمسّ الحاجة إلى الدعاة، لأنَّ الفِتن كثيرة، والشهوات مُستعرّة، والضلالات لا تُعد ولا تُحصى، لكنَّ هؤلاء الدعاة لا يُفلحون ولا ينجحون ولا يُوفّقون إلا إذا اتبعوا النبي في أسلوبه في الدعوة، أي ما كُلُّ طريقةٍ في الدعوةِ مقبولة في الإسلام، هل رأيتُم أو سمعتُم أنَّ النبي عليه السلام جمعَ الكُفارَ في مكان واسع وناظَرَ أحدَ الكفّار أمامهم؟ هذا الأسلوب ما فعلهُ النبي، لأنكَ بهذه الطريقة تُمكّنُ الكافِرَ من نشرِ أفكارِهِ، ماذا يجري اليوم !؟ مناظرة بين مُلحد ومُسلم يسمعُها مئات الملايين، هذا المُلحد مكّناهُ أن يُدلي بآرائِهِ وحُجَجِهِ وشكوكِهِ وأساليبِهِ الشيطانيّة أمام ضِعاف النفوس.
أردتُ من هذا أن أصل إلى أنَّ المُسلم عليهِ أن يُتابِعَ المُضيّ في منهجِهِ، وفي طريقةِ دعوتِهِ، لذلك أقول لكم هذه الكلمة: ما من إنسان يدعو إلى الله يتّبُعُ النبي في أسلوب دعوتِهِ إلا وينجح، وما من إنسان يدعو إلى الله يخالف منهجُ النبي في أسلوبِ دعوتِهِ إلا ويُخطئ لا ينجح،" قُرِئت الآية اليوم:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 159]

 أي يا مُحمد بسببِ رحمةٍ استقرت في قلبِكَ من خلالِ اتصالك بِنا لِنتَ لهم، كُنتَ ليّناً، قلبٌ فيهِ رحمة انعكست هذه الرحمة ليّناً، " وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ " لو كُنتَ منقطعاً لكانَ قلبُكَ قاسياً، وقسوة القلب تنعكِسُ غِلظةً وفظاظة لانفضوا من حولِك، قانون: اتصال.. رحمة.. لين.. التفاف. انقطاع.. قسوة.. فظاظة.. انقباض، انتهى الأمر، فهذا الذي يُوحى إليه، المعصوم، سيّد الخلق، حبيب الحق، سيّد الكمال البشري، هوَ نفسُهُ " وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ " فهذا الذي لا يُوحى إليه، وليسَ معصوماً، وليسَ كاملاً، إذا كانَ فظّاً من باب أولى أن ينفضَّ الناسُ من حوله.

 

الدعوة إلى الله أخلاق و صدق و أمانة :

 هناك شيء ثان، مرت آية دقيقة جداً هذه الآية تعني النسبيّة، هناك ضِعاف النفوس يوجد عندهم تقييمان؛ أبيض أو أسود، مؤمن أو كافر، إن أخطأ جعله كافراً، إن كانت الكلمة لم يقصد بِها شيئاً جعلوه مشركاً، إلقاء التُهم ببساطة هذه من فجاجة الإنسان، ومن ضعفِهِ، الآية الكريمة:

﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾

[سورة آل عمران : 167]

 هناك وضع ليس هوَ بكافر وليسَ بمؤمن، أي بينَ الأبيض والأسود مليون لون رمادي، هذا الكلام تقديم لِما جاء في صحيح البُخاري، ونحن في صلاة الفجر نأخذُ حديثاً من صحيح البخاري، ولكنَّ هذا الحديث وردَ في باب الوحي:

((أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم،ِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ

[ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ]

 قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامَ ))

 

[ البخاري عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ]

 هذهِ قصة وردت في صحيح البخاري في باب الوحي، الآن الدُعاة إلى الله إذا قلّدوا النبي عليه الصلاة والسلام، أي الدعوة أخلاق، قبلَ أن تكونَ علماً هي أخلاق، الدعوة وفاء، الدعوة صِدق، الدعوة أمانة، الدعوة رحمة، الدعوة تواضُع: " استقيموا يُستقم بِكم ".

المؤمن أخلاقه صارخة :

 الصدق وحدهُ دعوة، ولو بقي الصادقُ صامتاً، الأمين وحدَهُ داعية، أمانتهُ دعوة ولو لم يتكلّم بكلمة.. أمانتُهُ دعوة.. أخ من أخواننا عنده معمل، وعنده موظف قال: والله دخله أقل من حاجته بكثير، وجد في مكان ثمانمئة ألف ضمن كيس أسود فبحث عن صاحِبِها... والقصة طويلة... وقدّمَهُ لَهُ، وصاحب المبلغ لم يُقدّم أيُّ شيء له مقابل ذلك، ولو لم يتكلّم هذه دعوة.
 عندنا أخ من أخواننا جزاه الله الخير له خدمات للجامع كبيرة، كلّفهُ شخص من أثرياء دمشق أن يبحث عن أرض لمسجد، فوجد أرضاً مناسبة جداً، صاحبها شخص قد وَرِثها منذ شهر، وهو فقير جداً يعمل آذناً في مدرسة، دخله أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد، فاتفقوا معه وكان سعرها ثلاثة ملايين و نصف مليون، جاء صاحب المشروع ليَخُطَّ له شيكاً بالمبلغ، فأعطاه شيكاً بمليونين، وقال: الباقي عِندَ التنازل في الأوقاف، فسأله: لِمَ الأوقاف؟ فقال له: هذه نُريد أن نجعل منِها مسجداً، فأمسك بالشيك ومزّقهُ وقال: أنا أولى منكم أن أُقدّمَها لله عزّ وجل.
 يقول هذا التاجر الغني الكبير الذي يملك مئات الملايين: طَوال حياتي لم أصغر أمام إنسان كما صغُرت أمام هذا الآذن، هو معه مئات الملايين، أمّا هذا الآذن فراتبه أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد، وبيته صغير، وكُل ما يملك من الدنيا هذه الأرض، فاستحيا من الله أن يبيعها لِتُقدّمَ للهِ مسجداً.
 هذا الآذن ولو كانت لغته ضعيفة جداً، ولو أنه لم يتمكّن من أن يتكلّم.. أنا تكلّمتُ عنه حوالي مئة مرة.. فهذه دعوة، ليسَ كُل إنسان يتكلّم داعية، ليسَ كُل إنسان داعية يتكلّم، الأمانة دعوة، الاستقامة دعوة، الصدق دعوة، التواضع دعوة، الرحمة دعوة.
))

 أول من يمسِكُ بِحِلق الجنّةِ أنا فإذا امرأة تُنازِعُني تُريد أن تدخُلَ الجنةَ قبلي- امرأة تُنازع النبي دُخول الجنة، هذا ورد في البخاري في الأدب المُفرد - قُلتُ: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجُها وتركَ لها أولاداً فأبت الزواجَ من أجلهم))

 

هذه المرأة التي اعتنت بأولادِها أصبحت هي داعية، لكي أجعل الأمر سهلاً عليكم: لو أنك لا تعرف اللغة العربية، ولو أنكَ لم تقرأ كتاباً واحداً، ممكن أن تكون أكبر داعية وأنت صامت، إذا كُنتَ أميناً فأنت داعية، إذا كُنتَ صادقاً فأنت داعية، إذا لم تلفت نظر الناس بأخلاقِك فلستَ بمُسلم، مرة لاحظت في المطارات أنَّ لون السيارات جميعها أصفر فاقع، فسألت: لِمَ هذا اللون؟ وأنا أعرف ذلك لأنَّ هذا اللون موجتُهُ عالية جداً، أطول موجة موجة الأصفر والبرتقالي، لكي يكون لون المركبة المحركة صارخاً للطيار لكيلا يحدث أي خطأ .
 فأنا أستخدم هذا المثل: المؤمن إذا لم تجد أخلاقُهُ صارِخة أي أمانتهُ عجيبة، ورعُهُ عجيب، رجل من أهل الدنيا يحتل منصباً رفيعاً في بعض المؤسسات عنده توظف أحد أخواننا، وبعد فترة قدّمَ له إجازة ستة أيام، فقال له: ليسَ عندي وقت لأُعطيك، فقال له الموظف: أنا استهلكتها، فسأله: كيف؟ فقال له: أنا أُصلي كُل يوم صلاة الظهر في الجامع، و يوجد درس ربع ساعة فقمت بجمع الوقت كُلّهُ، فكان المجموع ستة أيام لكي أقبض راتباً حلالاً، وراتبه لا يكفيه يومين أساساً، اندهش اندهاشاً غير معقول فسأله عن الجامع فأجابه، ثمَّ قال: والله يا أستاذ في يوم الجمعة التالية وجدتهُ في الدرس، وقال لي: ليس هناك قوةً لتحضِرُه إلى الجوامع، لم يتكلّم الموظف ولا كلمة ولكن وجدَ منه ورعاً، فالإسلام لا يحتاج لكثرة في الفصاحة، لا يحتاج إلى إطلاع كثير، ولا يحتاج إلى أن يكون معك خمسون كتاباً.. لا.. فقط كُنْ أمين، أمانتُكَ دعوة، صِدقُكَ دعوة، انظر لمحور الدرس " هل يكذب؟.. لا..، هل يغدر؟.. لا..، إلى ماذا دعاكُم؟ إلى الأمانة والإخلاص وصِلة الرحم .
 أساساً هل هناك نص أوضح من هذا؟ عندما النجاشي سأل سيدنا جعفر؟ قال له: كُنا قوماً أهلَ جاهلية، نعبدُ الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، و نُسيء الجوار، ونقطع الرحم.. هذه الجاهلية..، والآن يوجد جاهلية أشد والدليل:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

[سورة الأحزاب: 33]

 إذا قال لك شخص: هذه دفعة أولى معنى هذا أن هناك دفعة ثانية، إذا قال لكَ: هذا الرصيد معنى هذا أن لا يوجد شيء، أمّا هذه دفعة أولى فمعنى هذا أن هناك دفعة ثانية: " وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ".

 

الجاهلية الثانية :

 الآن يوجد جاهلية ثانية هذهِ الجاهلية الثانية:

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة يونس: 24]

 بلغت درجة من الزينة بشيء لا يُصدّق، والذي ذهب إلى بلاد الغرب يرى ذلك، شيء لا يُصدّق، قارة بأكملَها كلها مزروعة بالمرج الأخضر، زينة ما بعدها زينة: " وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ".
 مرّة أطلعني أخ على مجلة ألمانية، الأرض تم تصويرها بكاميرا من الأقمار الصناعية من الفضاء الخارجي، الأرض كُلّها بصورة واحدة، صورة مألوفة عِندكم مع غيومها، وعلى هذه الصورة مربّع صغير فتمَّ تكبير المربع فإذا أمريكا بكاملها، وعلى الخارطة مربّع صغير تمَّ تكبيره فإذ بفلوريدا، عليه مربّع صغير تمّ تكبيره فإذ بلسان البحر لفلوريدا، وعليه مربع تمَّ تكبيره فإذ بميناء ضخم بجانبه الأيسر حديقة كبيرة، على الحديقة يوجد مربّع تمَّ تكبيره فإذ برجل مستلق يقرأ كتاباً تمكنّت أن أقرأ عنوان الكتاب، وإلى جانبه صحن فيه تفاح.. هذهِ صورة من القمر.. أي تمكنوا أن يُصوِرا كل سنتيمتر في الأرض.. فالأرض  كُلّها مكشوفة أمامهم، وأي مكان يستطيعون أن يصلوا إليه بالليزر، تأتي القنبلة في مدخنة المعمل.. في المدخنة.. هذا شيء يُشاهده الناس في الأقمار الصناعية: " وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا " ما يرونهُ يفعلونَهُ.
 الإنسان إذا بَلَغَ قِمّة الزخرفة، وقِمّة الزينة، وقِمّة القوة، وهذا ما ترونَهُ أمام أعينكم، غطرسة لا تُحتمل، قال: نحنُ سياستنا الخارجية مثل الداخلية: فرعون هذا العصر.. أي قوة.. قال: " أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ "، عندما يتوهّم الإنسان أنه بَلَغَ قِمّة القوة جاءت قوة الله عزّ وجل، هذه الآية تنطبِقُ على هذا العصر بالذّات، الغطرسة والقوة، أن أيّ مكان مصوّر بالأقمار، أي مكان ممكن أن يكون هدفاً وتأتي الأهداف تماماً صحيحة، والتدمير شامل... هذه الآية...

 

الدين الإسلامي دين عظيم :

 أيها الأخوة؛ دينُنا دين عظيم فيهِ كُل شيء، هذا الكتاب منهجُنا، أي قد تستغرب لا يوجد شيء يخطُر في بالك، أي ليس هناك سؤال وتسأله وتتضايق منه إلا وله جواب في القرآن الكريم:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 44]

 ليس باباً بل أبواباً، ليس شيئاً بل كُلَّ شيء، مال، علم، جمال، طبيعة، خيرات: " حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ".

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[سورة ابراهيم: 42]

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[سورة آل عمران: 196-197]

 فالدعاة إلى الله يُفلحون إذا قلّدوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كانت أخلاق النبي.

 

الأخلاق العالية دعوة وابق صامتاً :

 محور درسنا اليوم: الأخلاق العالية دعوة وابق صامتاً، أمانتك دعوة، إتقان عملك دعوة، صدقُك دعوة، تواضُعك دعوة، رحمتك دعوة، إنصافُك دعوة.... هذه الدعوة.... الدعوة أخلاق، وهذا الداعية الصامت فِعلُهُ كبير جداً أكبر من الداعية الناطق، والناطق له أجر أيضاً، أمّا أنت فيجب أن تكون داعية، وكُل مسلم داعية شِئتَ أم أبيت، والله عزّ وجل يجعل مِنكَ داعية أحياناً قهراً عنك، كيف؟ يُرسل لكَ ابتلاء وأنت صابر فتُحيّر الناس، يقولون: لم يُغيّر شيئاً من دينه، صلاته، ورعه، استقامته، فقير لا يملك طعاماً.. متعفف، مريض ومرضه شديد.. صابر، الله عزّ وجل يسوق بعض المصائب للمؤمن ليكون هوَ داعية بصبرِهِ وحلمِهِ واستقامته وإخلاصِهِ.
 فنحنُ مع دين عظيم يا أيها الأخوة، والله عزّ وجل شرّفنا بهذا الدين، وكفاكَ على عدوِكَ نصراً أنهُ في معصية الله، ماذا أقول لكم؟ والله مدينة في أمريكا من أجمل مُدن أمريكا، خمسةٌ وسبعون بالمئة من سكانِها شاذّون بالضبط لم ألمح فيها ولا طفلاً أبداً، لأنهم شاذّون، الذكور مع الذكور، والإناث مع الإناث.. هكذا.. الانحراف وصل لدرجة لا يُحتمل، فهؤلاء الذين يستحقون نصرَ الله عزّ وجل؟ لا والله، لكنه امتحان ونحنُ.... أجمل آية بهذا المعنى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

[سورة القصص: 4-6]

 اسمحوا لي أن أقول لكم لمرة واحدة كلمة سمعتُها في الأخبار: عضو مجلس عموم بريطانيا في جلسة صاخبة قال: هذه الحرب الأخيرة - قبل أيام- حربٌ قذرةٌ يقودُها كلينتون الكذّاب وليسَ ريتشارد قلب الأسد، أي هناك عقلاء منصفون، وأنت كُنْ على حق، والله قال:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

[سورة الأنفال: 60]

 قُلت في الخطبة: إنَّ الإيمان شرط لازم غير كاف، والإعداد شرط لازم غير كاف، إذا كُنّا مؤمنين غير مستعدين لا ينصُرنا الله عزّ وجل حتى نكون مؤمنين مستعدين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018