بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

شرح الحديث الشريف - الدرس : 2 - الدين النصيحة قلنا لمن ....


1998-01-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الدين النصيحة :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الثاني من دروس الحديث في رمضان..
 عن تميم الداري رضي الله عنه، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))

[ مسلم عن تميم الداري ]

 هذا الحديث أيها الأخوة عظيم الشأن، عليه مدار الإسلام كلّه. قال بعض العلماء: هو أحد أرباع الإسلام، أي ربع الإسلام، وهو ممن انفرد به الإمام مسلم، وليس عن تميم الداري حديثٌ في البخاري ومسلم إلا هذا الحديث..
 الدين النصيحة قال: النصيحة حيازة الحظ للمنصوح له، أي أن تصرف عنه السوء، وأن تجلب له الخير، معنى ذلك أن المنصوح شخصٌ مهمٌ بالنسبة إليك، تريد أن تصرف عنه السوء تنصحه أن يبتعد عن كذا، أو تجلب له الخير، تنصحه أن يفعل كذا، وهي من الكلمات الجامعة المانعة، كيف كلمة فلاح، فلان فالح، أي في الدنيا والآخرة، كلمات جامعةٌ مانعة، تبين أن الإنسان حاز خيري الدنيا والآخرة.. كلام طويل، أدلة، قصص، أمثلة، كلُّ هذا الكلام تلخصه كلمةٌ واحدة هي النصيحة، نصحته، أي بينت له، جئت له بالأدلة، أكدتُّ هذا بوقائع، بينت له الكلام بشكل منطقي، وبشكل عقلاني، وبشكل واقعي، وعبرت عن محبتي، وعن إخلاصي.. مجمل هذا القول وما فيه من تأكيدات، يسمّى نصيحة..
 نصحت الثوب أي خيطته، الناصح هو الذي يخيط الثوب، الثوب لا يستعمل إلا بالخياطة، فكما أن الخياطة تسدُّ خلل الثوب، كذلك الناصح يسدَّ خلل المنصوح.. نصح العسل أي صفاه من الشمع، فكلام الناصح صاف، ليس فيه شوائب ولا فيه خلل، التوبة النصوح الخالصة التي لا انتكاس بعدها، فنصح العسل صفاه من الشمع، نصح الثوب خاطه، توبةٌ نصوح توبةٌ خالصة، الناصح من كلِّ شيء خالصه..
 إذاً أعلى درجة من الإخلاص، والصفاء، والوضوح، والدقة، والواقعية، والموضوعية هي النصيحة.

النصيحة لله عزَّ وجلَّ :

 أولاً: لنفهم ما معنى النصيحة لله.
 الله جلَّ جلاله غنيٌ عن أن تنصحه، لكن تنصح له، فرقٌ كبير بين أن تنصحه وبين أن تنصح له، تنصح له نفسك، وتنصح له غيرك، والمعنيان واضحان في هذا الحديث، تنصح له نفسك، وتنصح له غيرك، فما هي النصيحة لله عزَّ وجلَّ؟
 قال: الإيمان به، ونفيُّ الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بالكمال، والجلال، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحبُّ فيه، والبغض فيه.
 ذكرت قبل يومين في موضوعِ الحبِّ في الله، والبغضِّ في الله، لبعض الأئمة الكرام فكرةٌ دقيقةٌ جداً هي أن هناك حباً في الله، وحباً مع الله، الحبُّ في الله عين التوحيد، والحبُّ مع الله عين الشرك.. فأنت لأنك مؤمن بالله، تحب الأنبياء، فمحبتك للأنبياء هي محبةٌ لله وهي عين التوحيد، لأنك مؤمنٌ بالله محبٌ لله، تحب الصديقين، تحبُّ الأولياء، تحب المؤمنين، محبتك للمؤمن عينُّ محبتك لله، فإذا أحببت مؤمناً من كلِّ قلبك، إذا شغل عليك اهتمامك، فهذا عين التوحيد لا شيء فيه.
 أما الحبُّ مع الله فأن تحبَّ شخصاً يأتيك منه نفعٌ كبير، ولا تعلِّق أهميةً على إيمانه، ولا على دينه، ولا على صلاته، ولا على استقامته، ولا على عقيدته، المهم أن خيراً كثيراً جاءك من هذا الرجل، أنت تحبه وتثني عليه، وتتغاضى عن فسقه، وعن فجوره، وعن انحرافه، وعن سوء عقيدته، لأن مصلحتك محققةٌ عنده، هذا حبٌ مع الله وهو عين الشرك.. وشيء خطير ومهم في الإسلام، وهو الولاء و البراء، يجب أن توالي المؤمنين، وأن تعادي أعداء الدين، أما إذا كانت مصالحك تتفق مع أعداء الدين، وتتناقض مع أولياء الدين، فهذا هو الشرك الأكبر، أي أنك لم توالِ في الله، ولم تعادِ في الله.. لذلك من النصح لله، والنصح - كما قلت قبل قليل- أن تنصح نفسك أولاً، وتنصح الآخرين ثانياً، الحبُّ فيه، والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به جهاداً دعوياً، أو جهاداً قتالياً، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحث عليها، والتلطف في نصح جميع الناس، هذا معنى النصح لله أن تنصح نفسك، أن تؤمن به، وأن تطيعه، وأن تحبه، وأن تدعو الناس إليه.
 الدين النصيحة هذا من التعريفات الجامعة المانعة، الدين النصيحة.. طبعاً مرةً ثالثة تنصح نفسك أولاً، فإن نصحتها لله، وآمنت بالله، وأطعته، وأخلصت له تنصحّ غيرك.. ابنَّ آدم عظ نفسك، فإن وعظتها فعظ غيرها وإلا فاستح مني.

النصيحة لكتاب الله :

 أما النصيحة لكتابه.. فالإيمان بأنه كتاب الله تعالى، وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدرُ على مثله أحدٌ من الخلق، ثمَّ تعظيم هذا الكتاب، وتلاوته حقَّ التلاوة، آناء الليل وأطراف النهار، وتحسين هذه التلاوة، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذبُّ عنه أي الدفاع عنه، في تأويل المنحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق بما جاء فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر بعجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه، وإلى ما ذكرنا من نصيحته.. أي أن القرآن الكريم كلام الله القديم، أن تؤمن أن هذا الكلام كلام الله ليس كلام البشر، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، أن تقيم حدوده، أن تأتمر بما أمر، أن تنتهي عما عنه نهى وزجر، أن تتعظ بقصص الأمم السابقة، أن تستعد لوعده، وأن تخاف من وعيده، هذا كلَّه من النصح لكتابه، الدينُّ النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه..

النصيحة لرسول الله :

 أما النصيحة لرسول الله فتصديقه على الرسالة، الذين قالوا: عبقري أو مصلح.. لا.. هو عبقري فطن، أما هو فرسول الله، أعداء الدين يحتالون ويرضون المسلمين أن هذا النبيَّ إنسان عظيم، عبقري كبير، جمع الأمة العربية، ونهض بها، وكأنه شخص عادي لكنه أوتي قدرات عالية جداً.. لا لا.. هو نبي هذه الأمة يوحى إليه، فرقٌ كبير بين أن تصفه بأنه عبقري، أو أنه نبي، هو نبي، لكن من خصائص النبوة الفطنة. فالنصيحة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم تصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به.. فقد قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الأحزاب: 36 ]

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[سورة النساء: 65 ]

 يجب أن تعلم أن هذا الكلام كلام النبي هو من عند الله، فقد قال الله تعالى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

 وكما قال سيدنا سعد بن أبي وقاص: " ثلاثةٌ أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى".
 طبيب في جامعة دمشق، أستاذ في الجامعة، بقي ثلاثين عاماً يعارض كلَّ مدرسي الكلية، هو يؤمن أن شرب الماء مع الطعام لا شيء فيه، وكل مدرسي الكلية تعلموا من الغرب أن شرب الماء مع الطعام يضعف عملية الهضم، فلا بدَّ من أن تشربه بعد الطعام بساعتين، لأن شرب الماء يمدد العصارة الهاضمة، يضعف مفعولها، هذا الطبيب يصدِّق كلام النبي، قال:
 الإنسان ثلث لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه، اعتقد أن هذا الكلام هو الصح، هو الصح طبياً، قبل سنة أو سنتين، أحدث دراسة تؤكد أن شرب الماء الكثير مع الطعام يزيد فاعلية الهضم، ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى.
 النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نذبح الذبيحة من أوداجها دون أن نقطع رأسها لم؟ لا نعلم، لا في عصره ولا بعد ألفٍ وأربعمئة عام، يوجد في الأرض علوم تسمح أن نفسر هذا الحديث، اذبحها من أوداجها ولا تقطع رأسها، أما معظم المسالخ في العالم فيعلِّقون الدابة من رجليها، ويقطعون رأسها كلياً.. قبل سنوات اكتشف أن القلب يتلقى أوامره من ذاته، استثناء من كل أعضاء الجسم لأنه أخطر شيء، ففيه مركز كهربائي ذاتي، ومركز ثان، ومركز ثالث، فالمركز الأول لو تعطل، يوجد مركز احتياط، لو تعطل الثاني يوجد احتياط ثالث، هذه المراكز الثلاثة تعطي القلب الضربات النظامية، تعطيه ثمانين ضربة، أما القلب فأحياناً يحتاج إلى أن يضرب مئة وثمانين ضربة، يواجه الإنسان خطراً فيضطر ليركض، أو ليصعد درج، أو ليفعل شيئاً، فهذا الأمر الاستثنائي يأتيه عن طريق الرأس، فلو قطعت رأس الدابة لبقي قلبها يضرب النبضات النظامية، يضرب ثمانين ضربة، الثمانون ضربة لا تخرج الدم من الجسم، تخرج ربع الدم فقط، أما لو بقي الرأس موصولاً يأتي الأمر الاستثنائي إلى القلب فيرفع الضربات من ثمانين إلى مئة وثمانين، عندئذٍ القلب إذا بقي الرأس موصولاً بالجسد ممكن أن يفرغ القلب الدم كلّه، القلب مهمته بعد الذبح أن يخرج الدم كلّه إلى خارج الجسم، فإذا بقي الرأس موصولاً القلب يأتيه أمر استثنائي أن هناك خطراً، أي هناك ذبح، هل يوجد أهم من الذبح؟! فالذبح خطر، يأتي أمر استثنائي عن طريق الرأس فيرفع الضربات إلى مئة وثمانين ضربة، فتجد لحم الخاروف المذبوح وفق الشريعة لونه زهري، أما اللحوم الأخرى فلونها أزرق.. فهذا كما قال الله تعالى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

 فالنصح لرسول الله أن تصدقه على رسالته، وأن تؤمن بجميع ما جاء به، وأن تطيعه في أمره ونهيه، وأن تنصره حياً وميتاً، وأن تعادي من عاداه، وتوالي من والاه، وأن تعظم حقَّه، وأن توقره، وأن تحيي طريقته وسنته، وأن تبث دعوته، وأن تنشر شريعته، وأن تنفي التهمة عنه..
 تزوَّج تسعة من النساء، معنى ذلك أن له ميلاً شديداً للنساء، هذا كلام أعداء الإسلام، يجب أن تفقه هذا الأمر لمصلحةٍ راجحةٍ في الدعوة تزوج هؤلاء النسوة.
 وأن تنفي التهمة عنه، وأن تستثير العلوم التي جاء بها، وأن تتفقه في معانيها، وأن تدعو لها، وأن تتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأدُّب مع قراءتها.. كان بعض الأئمة لا يقرؤون الحديث الشريف إلا وهم متوضئين، الحديث، وكان إذا قرأ الحديث لا يرفع صوته، كما لو أنه في حضرة النبي.. وأن تمسك عن الكلام فيه بغير علم، وأن تجلَّ أهل الحديث لانتسابهم إلى السنة، وأن تتخلق بأخلاق رسول الله، وأن تتأدب بآدابه..
 مثلاً: ما رئي ماداً رجليه قط في حياته.. تجد شخصاً بلا عذر- المعذور شيء ثان- وبلا قدر، يجلس في المجلس، ويضَّطجع، ويمد رجليه، وسيد الخلق ما رئي ماداً رجليه قط، ما عاب طعاماً قط في حياته، إن أحبه أكله، وإن لم يحبه لم يأكله، ويبقى ساكتاً، وكان يحب أهل بيته، الآن الرجل هو الجيد والذين حوله سيئين، هذه مشكلة كبيرة جداً، يجب أن تحبه، وأن تحب أهل بيته، وأن تحبَّ أصحابه، وأن تجانب من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحدٍ من أصحابه ونحو ذلك، هذه النصيحة لرسول الله..

النصيحة لأئمة المسلمين :

 وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفقٍ ولطف.. أي إذا الله عزَّ وجل أمرك أن تأمر بالمعروف يجب أن تأمر بالمعروف بلطف، وبحكمة.. وتنبيههم إذا غفلوا، وترك الخروج عليهم لئلا تقع فتنةٌ كبيرة، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم.
 وقال بعض العلماء: ومن النصيحة الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم، وألا تغرَّهم بالثناء الكاذب، وأن تدعو لهم بالصلاح، هذا كلّه من واجب المسلم تجاه أولي الأمر.
 وبعضهم قال: أولو الأمر هم العلماء أيضاً، فالذي يعرف الأمر هو العالم، والمكلف بتنفيذ الأمر هو الأمير، فأولو الأمر تعني الأمراء والعلماء معاً، أي تشريع وتنفيذ، نصيحتك لهم أن تعاونهم على أمر دينهم، أن تذكرهم إذا نسوا، أن تعاونهم على أداء أمر الله عزَّ وجلَّ.
 نصيحتك لعلماء المسلمين قال: قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم.. أي أن الإنسان ممكن أن يحسن الظن بأخيه، أما نحن فقناصون، الناس قناصون، كلما وجد زلة من شخص له دعوة يتركه، ويرتاح، يقول: لا يوجد أحد جيد، لأنه هو ليس جيداً فلذلك يستأنس، وكلما اتهم الناس بالانحراف يأنس معهم.

نصيحة عامة المسلمين :

 قال: أما نصيحة عامة المسلمين فكفُّ الأذى عنهم، وإرشادهم إلى خير الدنيا والآخرة، وتعليمهم ما يجهلون، وإعانتهم على دينهم بالقول والعمل، وستر عوراتهم، وسدُّ خلواتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفقٍ وإخلاص، والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها.
 ممكن أن تبيع بضاعة فاسدة أنت لست مؤمناً، الآن عامة المسلمين يبيعون بضاعة فاسدة، بضاعة مسرطنة، بضاعة منته مفعولها، بضاعة مغشوشة، وصفها أن صنعها حديث، وهي ذات صنع قديم، كل غش بالبيع والشراء غشٌ للمسلمين، والذب عن أموالهم، وأعراضهم.. ولا نأخذ أموالهم، ونجعلهم بدون رمق.. بالقول والفعل، وحسهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط هممهم إلى الطاعات..
 أي هذا الذي ينطوي عليه الحديث: النصح لله، ولكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين وعامتهم. وهذا الحديث هو الإسلام، الدين النصيحة، أن تنصح نفسك أولاً، وأن تنصح الآخرين ثانياً، إلا أن العامة في آخر الحديث فتنصحهم مباشرة، أن تنصح لله، وأن تنصح لكتاب الله، وأن تنصح لرسول الله، أما الباقون فتنصحهم مباشرةً، أي تدلهم على الخير، وتعينهم عليه.
 والحمد لله ربَّ العالمين..

ضرورة النصح لكل مسلم :

 قبل أن ننهي الدرس، أحد الصحابة اسمه جرير قال: بايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. هذا الرجل الصحابي الجليل أمر مولاه أن يشتري له فرساً، فاشترى له فرساً بثلاثمئة درهم، وجاء بها وبصاحبها لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خيرٌ من ثلاثمئة، أتبيعه بأربعمئة. قال: نعم.. ممتاز.. ذلك إليك يا عبد الله. فقال: فرسك خيرٌ من ذلك أتبيعه بخمسمئة قال: نعم، فلم يزل يزيده مئة فمئة وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خيرٌ إلى أن بلغت ثمانمئة فاشتراه بها، فقيل له: هو باعها بثلاثمئة، فقال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، أي أن تبخس الناس أشياءهم أنت غششتهم، هذه هي المبايعة، النصح لله ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين و عامتهم، والحمد لله رب العالمين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمّي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018