بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

شرح الحديث الشريف - الدرس : 1 - إنما الأعمال بالنيات .......


1997-12-31

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحديث التالي أصل من أصول الدين :

أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس الأول من الحديث الشريف.
 الإمام النووي رحمه الله تعالى عاش أقل من خمسين عاماً لكنه ترك مؤلفات هي من الخيرية والبركة بمكان؛ ترك رياض الصالحين، وهو من أدق كتب الحديث، وأصحها، وأكثرها تنوعاً؛ ترك الأربعين النووية؛ ترك شرح صحيح مسلم؛ ترك بغية المحتاج من أدق وأوسع كتب الفقه .إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له .
 كتابه الصغير الأربعين النووية جمع في هذا الكتيب الصغير أربعين حديثاً فيها أصول الدين، وسنشرح من هذا الكتاب ما تيسر في هذا الشهر الكريم.
 الحديث الأول الذي جعله الإمام البخاري أول حديث في كتابه مروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام:

((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَر بن الْخَطَّابِ]

 قال شراح الحديث النبي عليه الصلاة والسلام خطب بهذا الحديث، هذه خطبة للنبي مختصرة حينما قدم المدينة، والسبب أن رجلاً أحبّ امرأة في مكة، وطلب الزواج منها، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر إلى رسول الله، فهاجر إلى النبي من أجل أن يتزوجها، وتزوجها فصار اسم هذا الرجل: مهاجر أم قيس؛ ما ترك مكة إلى المدينة إلا للزواج من هذه المرأة .
 فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه، يقول بعض العلماء: ليس في أخبار النبي عليه الصلاة والسلام شيء أجمع ولا أغنى ولا أكثر فائدة من هذا الحديث؛ هذا الحديث أصل من أصول الدين أخرجه الأئمة المشهورون، وهو من المتواتر معنىً لا لفظاً، يتوهم معظم المسلمين أن هذا الحديث متواتر لفظاً؛ هو من الأحاديث المتواترة بالمعنى.

عبادة الأعضاء :

 أولاً: الأعضاء لها عبادة؛ العين عبادتها غض البصر، والأذن عبادتها سماع الحق، واليد عبادتها العمل الصالح، والرجل عبادتها أن تقودك إلى بيوت الله، واللسان عبادته ذكر الله، والقلب ما عبادته؟ الإخلاص؛ عبادة القلب الإخلاص، قال تعالى:

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

[سورة البينة :5]

 الجوارح تنصاع لأمر الله، والقلب يخلص له، وقد قال العلماء في قوله تعالى:

﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾

[سورة الشورى: 13]

 بماذا وصى نوحاً ؟ قال: وصاه بالإخلاص في العبادة .

من يعبد ربه بإخلاص يكون قد حقق ثلث الإسلام :

 أيها الأخوة؛ قال بعض العلماء: إن أول هجرة للنبي عليه الصلاة والسلام لم تكن من مكة إلى المدينة بل كانت إلى الله حينما توجه إلى غار حراء، والإنسان حينما يخلو مع ربه هذا نوع من الهجرة إليه، حينما تأوي إلى بيت من بيوت الله لتطلب العلم، أو حينما تقبع في غرفة من بيتك تذكر الله عز وجل فهذه هجرة إلى الله، أول هجرة هاجرها النبي عليه الصلاة والسلام إلى غار حراء، هاجر إلى الله، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

[سورة الذاريات:50]

 كيف تفر إليه؟ تفر إليه من مشاغل الدنيا إلى كهف، تأوي إليه إلى بيت من بيوت الله؛ إلى غرفة قصية في بيتك تذكر الله، إلى جلسة مع نفسك تحاسب بها نفسك، قال العلماء: هذا الحديث ثلث الإسلام؛ السبب: الإنسان له نوايا محلها القلب، وله كلام ينطق به، وله أعمال يقوم بها، فحينما يعبد هذا القلب ربه بإخلاص له يكون قد حقق ثلث الإسلام؛ هذا الحديث يساوي ثلث الإسلام.
 قال الإمام الشافعي: هذا الحديث يدخل سبعين باباً من أبواب العلم؛ سبعون باباً من أبواب العلم هذا الحديث يدخل فيها .

النية عبادة مستقلة :

 النية عبادة مستقلة بينما أي عبادة أخرى تحتاج إلى نية؛ هي لا تحتاج إلى شيء، سيدنا زيد الخير كان اسمه زيد الخيل، وكان من أجمل الرجال في الجاهلية، قدم على النبي عليه الصلاة والسلام فلفت نظر النبي، دعاه إليه قال: من أنت ؟ قال: أنا زيد الخيل، قال: بل أنت زيد الخير؛ لم يمضِ على إسلامه ربع ساعة أعطاه النبي وسادة تكريماً له ليتكئ عليها، فقال هذا الرجل: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك .
 الدين كله أدب؛ لا أتكئ في حضرتك، قال: يا زيد ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت؛ لله درك أي رجل أنت؟! قال له: يا رسول الله أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو بها الروم؛ وغادر النبي عليه الصلاة والسلام وفي الطريق مات.
 إنسان عاش في الإسلام يومين أو ثلاثة، وهو من أجلِّ أصحاب رسول الله، ماذا فعلت نواياه الطيبة؟ فقط النية لا تحتاج إلى شيء، بينما أي عمل آخر يحتاج إليها؛ فالنية عبادة القلب .
 حتى يتوضح الأمر تماماً نحن سوف نضع خمس ليرات ذهبية في الطريق، ونهيئ مصوراً، إنسان يمر يرى هذه الليرات الذهبية فينحني ويلتقطها ويضعها في جيبه، صورنا؛ في اليوم التالي نأتي بخمس ليرات أخرى نضعها في الطريق ونأتي بمصور، ويأتي شخص آخر ينحني ويأخذها ويضعها في جيبه؛ الأول نوى أن يبحث عن صاحبها، والثاني نوى أن يأخذها، وشتان بين الاثنين، العمل واحد، التصوير واحد، الحركات واحدة، والمبلغ واحد، والمبلغ وضع في الجيب، ليس هناك أدنى فرق بين عمل الأول وعمل الثاني في الظاهر؛ لكن واحداً يرقى بهذا العمل لأنه نوى أن يبحث عن صاحبه .
 مثل آخر: إنسان أخذ مالاً من إنسان، من أخذ أموال الناس يريد أداءها، ما فعل شيئاً إلا أنه نوى أن يؤديها إلى صاحبها، أدى الله عنه، الله ييسر له، ويغنيه، ويرزقه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها؛ ليت الحديث أتلفها الله؛ أتلفه هو، والنية واضحة جداً .
 ذكر لي شخص كنت في سفر وجدت في طريقي جامعاً جميلاً جداً حديثاً في منطقة بعيدة عن العمران، صليت في هذا المسجد، دعاني رجل إلى غرفة ضخمة لأشرب فنجان قهوة، وقال لي: أنا الذي بنيت هذا المسجد؛ ثم قال لي: أنا أنهيت خدمتي الإلزامية وأقسم بالله وبكى لا أملك من الدنيا قرشاً، أخذت سوار أختي وبعتها، واشتريت بثمنها بطاقة طائرة، وسافرت إلى دول الخليج، وأنا في الطائرة - وأقسم بالله مرة ثانية- ما تحركت شفتاي إلا أنني بقلبي قلت: إذا أكرمني الله عز وجل فسأبني في هذا المكان مسجداً، هذا خاطر في قلبه ورد إليه؛ قال: وأقمت عشر سنوات وأكرمني الله عز وجل بفضل هذه النية، ولما عدت إلى هذا البلد اشتريت أرضاً وعمّرت بيتاً لنفسي، وشرعت بإنشاء مسجد، ومنعت لأنها منطقة زراعية وهي منطقة في الصيف يرتادها مصطافون كثيرون، قال لي: لم يُسْمَحْ لي والقوانين لا تَسْمَحُ إلا في المدن والتجمعات السكنية، قال لي: ذهبت إلى المحافظ وقلت له ببساطة أنا نويت أن أبني في هذا المكان مسجداً، فقال لي: بكل بساطة رفع الهاتف وطلب رئيس البلدية وقال له: غض بصرك عن هذا المسجد وأنشئ هذا المسجد، هذه قصة نموذجية أن إنساناً ما فعل شيئاً إلا أنه نوى أن يبني لله مسجداً؛ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .

نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شرّ من عمله :

 أيها الأخوة؛ نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله. المؤمن إذا أطعم عشرة يتمنى أن يطعم مئة، وإذا بنى مسجداً يتمنى أن يبني ألف مسجد، وإذا هدى إنساناً يتمنى أن يهدي مليون إنسان، وإذا أنفق مئة ليرة يتمنى أن ينفق مليون ليرة؛ دائماً نية المؤمن خير من عمله، وأما نية الكافر فإذا ارتكب معصية يتمنى أن يرتكب كل يوم معصية، وإذا أوقع الأذى بإنسان يتمنى أن يوقع الأذى بمليون إنسان، ونية الكافر شر من عمله .
 وللإمام علي كرم الله وجهه قول رائع قال: "فاعل الخير خير من الخير، وفاعل الشر شر من الشر" ، لأن أكبر خير في الأرض ينتهي يوم القيامة، اعمل مستشفى ضخمة، افتح طريقاً، اعمل جسراً فرضاً، ابن ميتماً ضخماً يتسع لعشرة آلاف طفل، هذه الأعمال على عظمتها تنتهي يوم القيامة، والذي ألقى قنبلة على هيروشيما وقتل ثلاثمئة ألف في أربع ثوان عدا الذين أصيبوا بجروح، هذه القصة عمرها يقدر بخمسين سنة، ولو لم تلقَ، الآن ماتوا جميعاً، أيضاً الشر انتهى، الشر ينتهي، الذي أقام حرباً عالمية ثانية وخلّف خمسين مليون قتيل وجريح، لو الحرب لم تقم الآن الناس كلهم ميتون، معنى هذا أن الشر ينتهي والخير ينتهي، أصعب المصائب تنتهي بالموت، والموت يحل مشكلات البشر كلهم، إذاً ما الذي يبقى؟ كذلك فإن فاعل الخير يفنى أيضاً تبقى نية فاعل الخير التي يسعد بها إلى أبد الآبدين؛ وتبقى نية فاعل الشر يشقى بها إلى أبد الآبدين؛ والخلق يبعثون على نياتهم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؟ فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسـَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى]

 وقال في حديث آخر: " رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، ومن غزا..." هل هناك أعظم من الجهاد؟ الجهاد ذروة سنام الإسلام، وأعلى شيء في الإسلام الجهاد، والمجاهد لا يضع ماله يضع حياته ويضع روحه؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: " من غزى وهو لا يريد إلا عقالاً فله ما نوى " .إذا كان في نيته أن يكسب بعض الغنائم أقلها عقال، وعقال بعير أي زمام بعير؛ أو درع أو سيف فله ما نوى، هذا كل أجره من الجهاد .

تعلق النية بالإخلاص و الإخلاص بالتوحيد :

 أيها الأخوة؛ قد يسأل سائل كيف ننوي نيات طيبة ؟ الجواب الدقيق: النية متعلقة بالإخلاص، والإخلاص متعلق بالتوحيد، وكلما ازداد توحيدك ازداد إخلاصك فارتقت نواياك؛ التوحيد يزداد، الإخلاص يزداد، ترتقي النية؛ أنت الآن إذا علمت يقيناً أن هذه الدائرة الحكومية فيها أربعة طوابق، وفي كل طابق مئة موظف، وأن مشكلتك لا يحلها إلا المدير العام، وأي موظف آخر ليس من صلاحيته توقيع الموافقة فهل تسأل غير المدير العام؟ هل تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ إطلاقاً، هذا في حياتك الدنيا، وأنت حينما توقن أن الأمر بيد الله وحده، وأن حياتك ورزقك وسعادتك ورقيك وعطاءك ومنعك وزوجتك وأولادك ومن حولك ومن فوقك ومن تحتك وأعضاءك الداخلية وصمام القلب وتوسع الأوعية والشريان التاجي بيد من هذا عندما يضيق تصبح حياة الإنسان جحيماً؟ كل إمكانيتك وشطارتك وكل ذكائك منوط بأن تبقى الشرايين التاجية التي تغذي القلب واسعة؛ إذا ضاقت تحتاج إلى قسطرة، ومن ثم إلى عملية، وهناك احتمال بعد العملية أن يدفع أربعمئة ألف ثم يعطون القلب صعقة فلا يعمل، كل إنسان منجزاته منوطة بفتحة شرايين القلب؛ معنى هذا أنه كله بيد الله عز وجل، لذلك النية الطيبة تأتي من الإخلاص، والإخلاص يأتي من التوحيد، فكلما نما توحيدك نما إخلاصك وارتقت نيتك .

وجوب مصاحبة النية الطيبة للعمل و أن تكون شرطاً له :

 أولاً: إنما الأعمال بالنيات؛ إنما تفيد الحصر أي قيمة العمل منوطة حصراً بنيته، لذلك الأعمال العظيمة بنوايا سيئة قال تعالى:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[سورة الفرقان :23]

 والله عز وجل قال:

﴿ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الطور:16]

 ويوجد آية ثانية توضحها تماماً قال تعالى:

﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الصافات : 39]

 إنما تفيد ما زائد الاستثناء، لم يحضر إلا خالد، هذا تركيب ما والاستثناء بمعنى إنما الذي حضر خالد، فالمعنى نفسه، فإنما تفيد الحصر.
 النقطة الدقيقة سأوضحها لكم بعد قليل، قال: النية يجب أن تسبق العمل، ويجب أن ترافقه، المعنى الأول أن تكون شرطاً له، والمعنى الثاني أن تصاحبه، أنت تقول: الله أكبر، تكبيرة الإحرام ركن أم شرط؟ وما الفرق بين الركن والشرط؟ شرط الصلاة الصحيحة استقبال القبلة، فالاستقبال يجب أن يستمر طوال الصلاة؛ شرط الصلاة الصحيحة الوضوء يجب أن تبقى متوضئاً طوال الصلاة، شرط صحة الصلاة طهارة المكان والثياب والبدن، ويجب أن تكون هذه الثلاثة طاهرة طوال الصلاة، هذا هو الشرط؛ يستمر، أما الركن فتفعله مرة واحدة وينتهي، ركعت وانتهى الركوع، فالعلماء بعضهم قال: تكبيرة الإحرام شرط أي يجب أن تستحضر عظمة الله عز وجل طوال الصلاة، وبعضهم قال: هي ركن تؤديها وتنتقل إلى ركن آخر؛ النية العلماء قالوا هي شرط لكل عمل، أو ركن له، شرط يجب أن تصاحب العمل من أوله إلى آخره، والدليل قال تعالى:

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾

[سورة الإسراء :80]

 لماذا لم يقل: ربي اجعلني صادقاً؟ لأنه يمكن أن تدخل إلى عمل بنية طيبة وفي وسطه تأتيك مغانم كثيرة فتتشبث بهذه المغانم، وتحرص على تنميتها، وتنسى نيتك الطيبة، ممكن إنسان يصاب بالجلطة من فاتورة المستشفى وليس من مشاكل أخرى، والمستشفى عمل إنساني، ممكن أن ندخل دخولاً طيباً لكن لا نخرج خروجاً طيباً .

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾

[سورة الإسراء :80]

 إذاً النية الطيبة يجب أن تصاحب العمل طوال العمل، ويجب أن تكون شرطاً له، أي أن تنطلق منه .
 شخص أخذ من شخص آخر مبلغاً، بعد أن أخذه قال له: سوف أحسبه من الزكاة؛ يجب أن تكون نية الزكاة سابقة للعمل؛ ليس كلما وقعت في مشكلة تقول: سأحسب هذا من مال الزكاة؛ هنا لم تعد شرطاً، والشرط يجب أن تبدأ به .
 إذاً العلماء قالوا: يجب ألا تتخلف النية عن أول العمل لتكون شرطاً، وأن تصاحبه لتكون من علامات صحته .

النية هي القصد و هي الدين كله :

 النية هي القصد، وهي عزيمة القلب، وركن في أول العمل، وشرط مصاحبته طوال العمل.
 إنما الأعمال بالنيات، أخواننا المتخصصون في اللغة أين تعلق باء الجار والمجرور، يوجد فعل محذوف يتعلق به الجار والمجرور، قال: إنما الأعمال بالنيات تصح، أو إنما الأعمال بالنيات تقبل، أو إنما الأعمال بالنيات تكمل، أو إنما الأعمال بالنيات تعتبر، فلابد من فعل تعلق به الجار والمجرور، وإنما الأعمال بالنيات تصح .
 التعريف العام للنية: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالاً أو مآلاً .
 التعريف الشرعي: الإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء مرضاة الله وامتثال حكمه.
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " لا عمل إلا بنية" ليس معنى هذا أنه نفى العمل لكن نفى صحة العمل أو نفى كماله؛ العمل فعل الجوارح حتى اللسان.
 أخواننا الكرام أقوالك من أفعالك، والعلماء أجمعوا على أن القول من العمل، فالعمل فعل الجوارح حتى اللسان، وبعضهم أدخل بالعمل الترك، رجل غض بصره هذا عمل؛ ضبط لسانه هذا عمل؛ فالضبط عمل، والقول عمل، والحركة عمل .
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " لا عمل إلا بنية" النبي لم ينف أصل العمل؛ نفى صحته وكماله .
 أيها الأخوة؛ النية موضوع طويل جداً هي الدين كله، أو هي نصف الدين، أرجو الله سبحانه وتعالى في وقت آخر أن يتاح لنا متابعة هذا الموضوع .
 الحديث الشريف:

((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))

[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018