٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 46 - من سورة البقرة - فحوى معاني العيد .


1996-02-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 ذكر الله أصل من أصول

الدعوة إلى الله فرض عين :

 أيها الأخوة الكرام؛ كلنا مقبل على عيد الفطر السعيد، أولاً: أيام العيد أيام عطلة، كل الأعمال تتعطل في العيد، العيد مناسبة للقاءات، للزيارات، فالشيء الذي ينبغي أن نعلمه هو أن أعظم عملٍ على الإطلاق أن تذكّر الناس بالله عز وجل:

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 آخر الآية:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

 أي كما هديتكم عليكم أنتم بدوركم أن تنقلوا الحق إلى غيركم.
 أول نقطة أريد أن أضعها بين أيديكم هي أن الدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل مسلم، فرض عين، كما أنك تصلي، كما أنك تصوم، كما أنك تحج البيت، كما أنك تؤدي زكاة مالك، الدعوة إلى الله فرض عين، وقد تتوهم، وتقول: أنا لست شيخاً، ولست داعيةً، أنا إنسان موظف، إنسان تاجر، صاحب عمل، صاحب مصلحة، عندي معمل، أقول لك: حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 ألم تر إلى أن التواصي بالحق هو أحد أركان النجاة الأربعة، النجاة ليست بالرقي، النجاة فقط من أجل أن تنجو من الخسارة، لذلك ينبغي أن تدعو إلى الله.
 مرةً قرأت في مجلة، تصدر في بلد أجنبي، ومترجمة، مشهورة كثيراً، أحياناً تنتهي المقالة في نصف صفحة، تكتب حكمة لملء النصف الباقي، حكمةٌ قرأتها منذ ثلاثين عاماً، لا أنساها مدى حياتي، إذا أردت أن تكون سعيداً فأسعد الآخرين، أنت حينما تنطلق لإسعاد الآخرين، لتعريفهم بربهم، لحلّ مشكلاتهم، للأخذ بيدهم إلى الله، أنت أسعد الناس، وعندئذٍ يكافئك الله عز وجل على هذه الهمة العالية، بتيسير أمورك، وحلّ مشكلاتك، والمقولة المشهورة: هم في مساجدهم، والله في حوائجهم، يقول النبي اللهم صلِّ عليه:

(( من لم يجاهد أو من لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق ))

[ ورد في الأثر]

 إذا الشخص لم يخطر بباله أن يجاهد، وطبعاً الجهاد المتوافر الآن، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 المتاح الآن أمامنا هو الجهاد في طلب العلم، وتعليم العلم، طلبه جهاد، وتعليمه جهاد، الحياة معقدة جداً، والمكاسب قليلة، والوقت ضيق، والهموم كثيرة، والنفقات كبيرة، ومع ذلك الإنسان يأتي من بيته، وقت راحته، ليحضر مجلس علم، ليزداد علماً، أي أن هذا جهاد وسماه الله جهاداً كبيراً بالقرآن الكريم:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾

  والهاء تعود على القرآن:

﴿ جِهَاداً كَبِيراً﴾

 هذا هو الجهاد المتاح الآن، أن تتعلم، أن تطلب العلم، أن تعلم الناس.

تكليف كل إنسان بالدعوة إلى الله :

 أنت الآن أمام ثلاثة أيام في العيد، لقاءات، زيارات، مقابلات، سهرات، إلى آخره، هذه الموضوعات التي تتداول في هذه اللقاءات، إن لم تكن متعلقةً بذكر الله عز وجل فهي مضيعةٌ للوقت، ومكسبةٌ للإثم.
 فلذلك الدعوة إلى الله أحد أركان النجاة، وكل مؤمنٍ مكلفٌ بالدعوة إلى الله، ولكن سؤالكم وجيه، الدعوة إلى الله بالمعنى العميق، أي إنه إنسان متبحر بالعلم، متقن للعقيدة، متقن لأصول الفقه، متقن للتفسير، متقن للحديث، مثل هذا الإنسان فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 منكم، هؤلاء الدعاة الكبار الذين يحسنون الإجابة عن أي سؤال، الذين يملكون الدليل التفصيلي، هذه المرتبة فرض كفاية، أي أن تنقل للناس ما تعلمته، لي كلمة أرددها كثيراً: في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، أخ كريم له أقرباء، لا يعرفون الدين إلا من خلاله، يسألونه، يستفتونه، يتبركون به، فالذين لا يعرفون الدين إلا من خلالك، أنت محاسبٌ عنهم، سأقول لك هاتين الكلمتين: في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، أقرب الناس إليك، عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة، أيوجد إنسان ليس عنده أخوات؟ إخوة؟ أولاد أخ؟ أولاد أخت؟ أصهار؟ أولاد عم؟ أولاد خالة؟ لا يوجد إنسان مقطوع من شجرة، فهذه المجموعة الخاصة بك، هذه أنت مسؤول عنها، النبي الكريم قال:

(( لا تقبل زكاة مالٍ، وفي أحدكم محاويج ))

[ ورد في الأثر]

 أي فقراء، فالزكاة ينبغي أن تدفع لمن حولك، لمن يلوذ بك، الآن علمك لمن؟

تسجيل المعلومات سبيل لحفظها :

 هناك سؤال أحبّ أن أطرحه أمامكم، أحد منكم يأتي إلى المسجد منذ عشر سنوات، منذ خمس سنوات، منذ سنتين، منذ خمس عشرة سنة، منذ عشرين سنة، أخواننا متفاوتون في مدة بقائهم في المسجد، هل من المعقول إنسان يدرس أربع سنوات، يعطونه لسانس يصبح مدرساً؟ ست سنوات طب يصبح طبيباً؟ حقوق يصبح محامياً؟ هل من المعقول إنسان يدرس طب أسنان لا يفتح عيادة؟ يتعلم طب القلب لا يكون عنده عيادة؟ فليس هناك إنسان يطلب علم إلا وعليه أن يعلم.
 فالذي نريد أن نقوله: إن حديث الدنيا متفرق، تضيق منه الصدور، تجعل المستقبل أحياناً غير مشرق، أما أحاديث الدين فتجمع ولا تفرق، ترفع المعنويات ولا تخفضها، فنحن في العيد إذا كل شخص التزم فيما سمعه في رمضان، جميل أن يكون مع الإنسان دفتر صغير في المسجد، وعند عودته إلى المنزل، اليوم ما الذي قيل؟ قال آية، قال حديثاً، قال قضية، حقيقة، فكرة بالعقيدة، إذا سجلهم، إذا تذكر وسجل حفظ، إذا أردت أن تحفظ فاكتب، و ليكن عندك دفتراً صغيراً، بكل لقاء، بكل سهرة، بمناسبة، بزيارة، بسفرة، أنت معك معلومات دقيقة تكلم، وجدت إنساناً فيه خير، تفاعل معك، اعتنِ به زيادة، اهتم به، زره، أعطِه شريطاً، أعطه كتاباً، أعطه شيئاً، لأنك إذا أخذت بيد الناس إلى الله عز وجل أنت أسعد الناس، وأنت أغلاهم على الله عز وجل، لأن الله شكور.

تربية الأولاد أهم عمل في الإسلام :

 الآن أنت تصور هناك أب من أرقى الناس، عنده ابن شارد، عاق، شرس، جاهل، منحرف، جاء إنسان روّضه، ليّنه، أعانه على الطاعة، جاء به لوالده مستقيماً، منيباً، باراً، أعتقد أن الأب يقول له: صنعت لي معروفاً، لن أنساه للموت، أليس كذلك؟ هذا إنسان عادي إذا كان له ابن شارد عنه، بعيد، ضال، عاق، وجاء إنسان أقنعه، بيّن له قيمة والده، وردّه لوالده، يقول هذا الأب: فعلت معي شيئاً لن أنساه ما حييت، لكن الله عز وجل شكور أكثر، فأنا مرة استنبطت استنباطاً من هذه المرأة التي مات زوجها فتركت الزواج من أجل أولادها، قال:

(( إنها تنازع النبي لدخول الجنة، قال: من هذه يا جبريل؟ ))

 الحديث أقوله لكم دائماً، لكن القصة أن هذا الطفل الصغير غال على الله، هذه الأم آثرت تربيته على حظ نفسها فكانت في أعلى مرتبة في الجنة.

الدعوة إلى الله في جميع المناسبات :

 إذاً لكم أعمال كثيرة، ونشاطات، ودراسات، ومهن، وحرف، وتجارة، وزراعة، وبيع، وشراء، لكن البطولة أن تكون جندياً للحق، أن تقنع الناس بالحق، أن تحملهم على طاعة الله، أن تأخذ بيدهم إلى الله، أن تحببهم بذكر الله، والعيد مناسبة لهذا، نحن أعيادنا أعياد طاعة، وأعمال صالحة، وبر، وصلة رحم، فإذا شخص منكم حضر ثلاثين يوماً برمضان، هل من المعقول ألا يعلق بذهنه شيء من هذه الثلاثين يوماً بالقرآن الكريم؟ بالسنة؟ بالأحاديث؟ فإذا كتب الإنسان، وحفظ حتى صار عنده شيء يتكلم به بطلاقة، من دون ورقة، يكون هذا قد وصل لشيء من العلم، فنحن بالعيد المفروض أن نجعل أعيادنا دعوة إلى الله، والله حتى في هذه البلدة في مناسبات الوفاة لا يوجد تعزية إلا وفيها كلمة تلقى كل يوم، لا يوجد احتفال بعقد قران إلا و يوجد كلمتان، ثلاث، أربع، نحن عقود القرآن دعوة إلى الله بكل معنى الكلمة، لا يوجد عقد في الشام يقع إلا و فيه كلمة، أو اثنتان، أو ثلاث، هناك شخص سرقت سيارته من أخوتنا، فلما عثر عليها أقام مولداً، ودعا العلماء، ألقوا كلمات، أي حتى هذه المناسبة أصبحت دعوة لله عز وجل، وأعيادنا دعوة لله عز وجل، نحن بالعيد يجب أن نلتقي مع أخواننا، مع أقربائنا، نسمعهم شريطاً، نعطيهم كتاباً، نقنعهم، نكلمهم، أي أن الإنسان لابد أن يكون له مجلس علم يحضره، هكذا يكون الإنسان قد أدى شيئاً مما عليه تجاه الله عز وجل، لأنه:

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 151-152 ]

مداومة الإنسان على صلة رحمه :

 مرة أخرى: صلة الرحم يوجد عنها ثلاثون حديثاً صحيحاً، مرة كان موضوع خطبة مهمة جداً عن صلة الرحم، فهي تزيد في الأرزاق، حيث تزيد في الأعمار نوعاً، وفي الأرزاق كماً، والصلة زيارة، والصلة مساعدة، والصلة دعوة لله عز وجل، كل واحد يضع لنفسه قائمة، أنا لي ابن عم، ابن خالة، لي أخ، لي ابن أخ، لي قريب، لي جار، هؤلاء الله يحاسبني عنهم، فأتفقدهم، وأزورهم، وأبلغهم، أعطيهم كتاباً، أعطيهم شريطاً، أناقشهم، أدعوهم لدرس جمعة، لخطبة جمعة، أتلطف معهم، أكون لطيفاً معهم، أخدمهم في دنياهم، حتى يميل قلبهم، فالإنسان حجمه عند الله بحجم أعماله الصالحة، ما قولكم بقوله تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النحل: 120 ]

﴿ أُمَّةً ﴾

 الآن أنت مثلاً تذهب إلى الصين، ألف مليون، فيها مئة مليون مسلم، إلى أندونيسيا، مئة وخمسون مليوناً، مجموع المسلمين مليار ومئتا مليون بالعالم، كلهم في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا عمل، أما أنت فلم يأت من طرفك أحد، ما أقنعت أي إنسان بالحق، فالأولى أن تجعل من العيد مناسبةً للعمل الطيب.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018