٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 37 - تفسير الأحزاب والإسراء والذاريات - الفرق بين القدر والسعي، أنواع السعي في الحياة.


1996-02-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإنسان هو المخلوق الأول المكرم و المكلف :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان هو المخلوق الأول في الكون، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 والإنسان هو المخلوق المكرم:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 70 ]

 والإنسان هو المخلوق المكلف:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56 ]

 إلا أن هذا الإنسان زوده الله بعقلٍ يستطيع هذا العقل أن يوصله إلى الله، وسخر له الكون تسخير تعريف، ليكون دليلاً على وجود الله، ووحدانيته، وكماله، وفطره فطرةً عالية تكشف له خطأه، منحه حرية الاختيار، أعطاه قوةً فيما يبدو، أودع فيه الشهوات، ثم أعطاه منهجاً يسير عليه، كائن متفوق.

 

امتلاك كل إنسان دوافع الحركة و إمكانية الحركة :

 يوجد شيئان دقيقان؛ الأول: إمكانية الحركة، والثاني: دوافع الحركة، إمكانية الحركة ودوافع الحركة، لو وضعنا محرك مركبة على مكعب إسمنتي، لا تمشي، الآن مركبة لها عجلات، لكن لا يوجد محرك، هذا الإنسان يستطيع أن يتحرك و عنده دوافع الحركة، دوافع الحركة مع إمكانية الحركة، القرآن عبر عنها بكلمة يسعى، الله عز وجل قال:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4 ]

 الحركة متنوعة، حركةٌ نحو كسب المال، حركةٌ نحو تحقيق الأمجاد، حركةٌ نحو الانغماس في الملذات، حركةٌ نحو إيقاع الأذى بالناس، كل إنسان يتحرك، ولهذه الحركة هدف قد يبدو، وقد لا يبدو، أما لابد من هدف، ما دام الإنسان يملك عقلاً، عقله يجعل حركته هادفةً، الهدف قد يبدو واضحاً، صارخاً، وقد يختفي، أما إن كان برأس الإنسان عقل فهذا العقل يجعل أعماله هادفة.
 أول شيء: الله عز وجل بين لنا أن الإنسان له حركة في الحياة، هذه الحركة مهمة جداً، هو عنده إمكانية الحركة، وعنده دوافع الحركة، هذه الحركة بإمكاناتها ودوافعها سماها القرآن سعياً، قال:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 متفرق، أي أنت قف على شرفة، مطلة على طريق مزدحم بالناس، كل إنسان بذهنه هدف، هذا ليكسب مالاً، هذا ليحقق مغنماً، هذا ليقضي وطراً، هذا ليوقع أذى، هذا ليتعرف، هذا ليزداد علماً، حركة، ولا سيما وقت الازدحام، في أوقات الذروة، كل إنسان يتحرك نحو هدف، قال:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 أما الآية الدقيقة فتقول:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم : 39 ]

 لا تملك إلا هذا المسعى، هذا المسعى وحده تملكه، وما سوى ذلك المسعى لا تملكه.

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾

[ سورة النجم :39-41 ]

 فالواحد ينظر إلى حركته في الحياة، يتحرك إلى أين؟ ما الأهداف التي يتحرك نحوها؟ ما الدوافع التي تحركه؟ الآن كلما ارتقى علم الإنسان ارتقت أهدافه، وسمت دوافعه كلما ارتقى، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

[ سورة طه : 15 ]

علة الحياة الدنيا أن تسعى و علة الآخرة أن تُجزى :

 علة الآخرة الحياة الأبدية، علتها أن

﴿ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

  علة الحياة الدنيا أن تسعى، علة الآخرة أن تُجزى، فأنت الآن في دار سعي، وسوف تنتقل إلى دار جزاء وهذا ملخص الملخص:

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ ﴾

 لا محالة:

﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

  ويقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

[ سورة الإسراء : 19 ]

 الآخرة لها سعي خاص، أي كأن نقول: لكلية الطب علاماتها، ما كل طالبٍ نجح في الشهادة الثانوية يحق له أن يكون أحد طلاب كلية الطب، لها علاماتها الخاصة، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

[ سورة الإسراء : 19 ]

 هذا المسعى نحو الله، نحو الدار الآخرة، نحو معرفة الله، نحو معرفة منهجه، نحو التقرب إليه، نحو نيل سعادة الدنيا والآخرة.

 

الإفساد هو الهدف الرئيس من المسعى الشيطاني :

 لكن هناك سعياً آخر، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾

[ سورة البقرة : 205 ]

 يوجد مسعى شيطاني، الهدف الإفساد، الإفساد إخراج الشيء عن طبيعته، فالأخلاق تفسد، والعلاقات تفسد، والجو يفسد، والماء يفسد، والنبات يفسد، والتربة تفسد، والبحار تفسد، والنفوس البشرية تفسد، هناك شخصٌ يسعى إلى إفساد الحياة، أحياناً إفساد العلاقات، أي مؤتمرات عقدت في بقاع الأرض من أجل أن يحل السفاح محل النكاح، من أجل أن تكون العلاقة بين رجلين، وامرأتين، وامرأةٍ ورجل، هياكل، هياكل جديدة للأسرة، أساسها الانحراف، فكل إنسان يسعى لإفساد العلاقة الإنسانية، يسعى لإفساد العلاقة بين الزوجين عن طريق إشاعة الفواحش، والموبقات، يسعى لإفساد العلاقة بين المجتمع عن طريق تجميع الأموال بأيدٍ قليلة وحرمان الكثرة الكثيرة منها، كلمة فساد واسعة جداً، أي الله عز وجل صمم الحياة على نحوٍ معين، الذي هو الكمال المطلق، وكل مسعى لتغيير هذا النموذج، ولإخراج الإنسان عن سرّ وجوده هو الفساد.
 أي المرأة خلقت لتكون زوجةً، أو لتكون أماً، أو لتكون ابنةً، أو أختاً، هذه المرأة، زوجة، أخت، بنت، أم، خالة، عمة، أما أن تكون امرأةٌ تبيع جسدها للمتعة، هذا فساد، هذه فسدت، فلما زوى جمالها ألقيت على قارعة الطريق، أما التصميم الإلهي فأن تكون هذه زوجة، تنجب أولاداً، الأولاد يرعون أمهم حينما يكبرون.
 فموضوع الفساد أيّ إخراجٍ لأي جانبٍ من جوانب الحياة عن الهدف الذي رسم له وعن الطريق الذي خطط له هو فساد، قال:

﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾

[ سورة البقرة : 205 ]

 والله سبحانه وتعالى يقول أيضاً:

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 114]

 إذاً هناك مسعى لإضلال البشر، هناك مسعى لإفساد البشر، المؤمن إذا اتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123 ]

من اتبع منهج الله لا يضل عقله و لا تشقى نفسه :

 بالمقابل تطبيق منهج الله يعني ألا يضل العقل، ولا تشقى النفس، مسعى الشيطان لإضلال البشر، ولإفساد البشر، إضلالهم عقلياً، وإفسادهم خلقياً:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه : 124 ]

 والشيء الدقيق جداً هو أن الإنسان يوم القيامة:

﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾

[ سورة النازعات : 35 ]

 هذا المسعى قرين الإنسان، قرينه عمله، فماذا نستنبط من هذه الحقائق وتلك الآيات وهذه التسلسلات والمقدمات والنتائج؟ نستنبط أنه على كل إنسان أن يتفحص سعيه، ما نوع السعي الذي يسعاه؟ له حركة بالحياة، أنتم أتيتم إلى المسجد، هذه حركة، الآن عدتم إلى البيت حركة، ذهبتم إلى أعمالكم حركة، وأنت في العمل ماذا فعلت؟ هناك صدق؟ كذب؟ نصيحة؟ غش؟ استقامة؟ انحراف؟ كسب مال حلال؟ كسب مال حرام؟ إطلاق العينين؟ غض البصر؟ إطلاق الأذن؟ منع ما لا يرضي الله أن تسمعه؟ هناك حديث، الحديث فيه كذب؟ فيه صدق؟ فيه غيبة؟ فيه نميمة؟ فيه استهزاء؟ فيه سخرية؟ فيه نصيحة؟ فيه ذكر؟ فيه دعوة إلى الله؟ هناك آلاف الأنشطة التي يقوم بها اللسان، بعضها يرضي الله، وبعضها لا يرضي الله، فأنت أولاً الله عز وجل زودك بإمكانية الحركة، تستطيع أن تمشي، وأن تتكلم، وأن تبطش، وأن تعطي، وأن تأخذ، وأن تصل، وأن تقطع.
 فالإنسان له سعي شاء أم أبى، لأنه إنسان، هذا المسعى أولاً: ما نوعه؟ ثانيا:ً ما هدفه؟ ثالثاً: ما الوسائل التي يتخذها لهدفه؟

 

ارتباط السعي بالاختيار :

 نحن في الإسلام ليس عندنا وسيلةٌ قذرة لهدفٍ نبيل، أبداً، الوسائل من جنس الأهداف، الأهداف النبيلة لا يتوصل إليها إلا بوسائل نبيلة، فالإنسان عليه أن يتفحص مسعاه، طبيعة عمله، إنسان يسعى لكسب المال، هذا هدف مشروع، لكن كيف يكسب المال، من طريقٍ مشروع أم غير مشروع؟ لابد من وقفة.
فالكلمة الدقيقة جداً:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾

  أحياناً امرأة تسعى في تربية بناتها، إلى أن تزوجهن، وتطمئن عليهن، مسعاها هذا راق جداً، تستحق الجنة بهذا المسعى، أحياناً أب ينجب أولاداً، يربيهم تربية صحيحة، ينفق عليهم، يزوجهم، ثم يموت، هذا السعي يقوده إلى الجنة، أحياناً إنسان يختار مهنة من مهن الحياة، يخلص في هذه المهنة، ينفع بها المسلمين، يرحمهم، يأخذ بيدهم، ثم يموت، إتقان هذه الحرفة وتوظيفها في سبيل الحق هذا مسعى، أحياناً إنسان يطلب العلم، ويعلم الناس العلم، أحياناً يكسب المال، وينفقه في سبيل الله، أحياناً ينشر علماً معيناً، فكل إنسان يسأل نفسه، ما نوع سعيه؟ وما الهدف الذي يسعى إليه؟ وما الدافع الذي يحركه؟ هذا السؤال مهم جداً، لأن القرآن الكريم يقول لك: لا تملك في الدنيا إلا هذا السعي، ما سوى ذلك لا تملكه، أي شخص له شكل، طويل، قصير، أبيض، أسمر، صحيح، مريض، هذا لا علاقة له فيه، هذا قدره، أما صدق أو كذب، هذا سعيه، أحسن أو أساء، سعيه، استقام أو انحرف، سعيه، غش أم نصح، سعيه، طويل قصير، ليس سعيه، هذا قدره، فرق بين القدر والسعي، القدر لست محاسباً عنه، ولا دخل لك به، ولا تحاسب، أما السعي فتحاسب عنه، لأن السعي أساسه الاختيار.
 أيها الأخوة الكرام؛ السعي مربوط بالاختيار، لو لم يكن هناك اختيار لما كان هناك مسعى تثاب عليه، ولا مسعى تعاقب عليه، ولا كان هناك جنة، ولا نار، ولا جزاء، ولا عقاب، فالسعي مجمل العمل.
 أحياناً إنسان يؤسس مشروعاً ضخماً، هدفه الوحيد كسب المال، يظهر في هذا المشروع أعلى مستوى من التخطيط، أعلى مستوى من الذكاء، أعلى مستوى من الأناقة والجمال، الهدف الوحيد كسب المال، وهناك إنسان يتقن عمله، ويكسب المال، هدفه الوحيد معاونة المسلمين، هذا المال يكسبه لينفقه في سبيل الحق، فكل واحد يسأل نفسه: أنا أسعى لماذا؟ لماذا أنا في المسجد؟ لماذا أصلي؟ لماذا أصوم؟ لماذا أنفق المال؟ لماذا أغض البصر؟ ما الهدف؟ أحياناً الإنسان يُستهلك، يُستهلك من قبل المجتمع، يعيش بمجتمع فيه تقاليد، و عادات، وتراث، وعبادات مع الناس، لكن أهدافه غير واضحة، أما ربنا عز وجل فأرادنا أن نسعى نحو هدفٍ نبيل، وأن نتعرف إلى ذواتنا، من عرف نفسه عرف ربه.

 

الدنيا تنقطع وتنقضي والموت ينهي كل شيء :

 مرة أخيرة:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 تنوع السعي،

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾

 أنت في دار عمل، وسوف تنتقل إلى دار جزاء.

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

 أما أهل الدنيا العصاة، الكفار، المنحرفون، الفجار:

﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾

  مسعى المؤمن لطلب العلم، ولتطبيق المنهج، مسعى الكافر لإضلال العقل، ولإفساد الروح، أول إنسان:

﴿ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾

 والثاني:

﴿ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾

  فإما أن تقرب الناس من الله، وإما أن تبعدهم عنه، إما أن تسهم في إسعادهم، أو في شقائهم، المؤمن يسهم في تقريب الحقيقة إلى الناس، وتقريبهم من الله، وإسعادهم، والكافر والفاجر يسعى لإضلالهم، ثم يسعى إلى أن يشقوا بالمعاصي، والمفاسد.
 أيها الأخوة الكرام؛ الدنيا تنقطع وتنقضي، والموت ينهي كل شيء، لا يبقى لك إلا سعيك، الآن يموت الشخص، يترك غرفة نومه، غرفة الصالون، الضيوف، مثلاً الطعام، زوجته، أولاده، مقتنياته، خزانته الخاصة، له مكتبة خاصة، له أشياء ثمينة، مركبته، مكتبه التجاري يتركه، أما أهله فيتبعونه، البيت تركه بمكانه، الأثاث، أموال منقولة، وغير منقولة تركها، الجنازة مشت، تبعه أهله، أولاده، أقاربه، إخوته، جيرانه، وصل القبر نزل وحده، وعادوا جميعاً إلى بيوتهم، وهو في القبر ماذا يرافقه؟ عمله، سعيه.

(( يا قييس، إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك ))

 فالقضية مصيرية، قضية خطيرة، نوع عملك، عمل مبني على معصية، إذاً ماذا نفعل؟ هكذا ألهمنا الله، كلام فيه دجل، هناك عمل مبني على إيذاء الناس، مبني على أخذ ما عند الناس، لك عندي اليوم مئة مداهمة مثلاً، هناك مسعى أساسه إيقاع الأذى، ومسعى أساسه إشاعة الفضيلة، ومسعى أساسه نشر الحق، ومسعى أساسه نشر الضلال، ومسعى أساسه إسعاد البشر، ومسعى أساسه إفساد البشر.
 فالقضية تتجاوز موضوع أننا أدينا الصلوات الخمس، وصمنا رمضان، وانتهى الأمر، لا، نريد أن نرى نوع السعي، ما هوية هذا المسعى؟ ماذا تعمل في الدنيا؟ ما وظيفتك في الدنيا؟
 لذلك آخر كلمة أقولها: إذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر فيم استعملك؟ انظر إلى مجمل سعيك يرضي الله أم لا يرضي الله؟ هل حركتك في سخط الله أم في رضوان الله؟ هناك مهن مربحة كثيراً، يفتح أحدهم ملهى، مربحه خلال أشهر بالملايين، إذاً هذا الملهى مبني على الفساد، وشرب الخمر، والرقص، وما إلى ذلك، إذاً الإنسان حركته بالحياة في سخط الله أم في رضوان الله؟ هناك تجارة مشروعة، وتجارة محرمة، وكسب غير مشروع، وكسب مشروع، وعلاقات مع النساء مشروعة، زواج، وعلاقات غير مشروعة.
 فالقصة أن يكون مسعاك في رضوان الله، لأنك الآن في دار السعي، ثم تنتقل إلى دار جزاء السعي، هنا السعي، وفي الآخرة جزاء السعي،

﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018