٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 43 - من سورة النساء - الاستعاذة من الشيطان تكون حصناً للإنسان من كل شيء.


1996-02-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الله تعالى وحده مصدر السعادة والطمأنينة والتوفيق :

 أيها الأخوة؛ ذكرت البارحة أن في الكون حقيقةً واحدة هي الله، وأن كل سعادتك بمعرفته، وكل سعادتك بطاعته، وكل سلامتك بالاستعاذة به.
 أيها الأخوة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو وحده مصدر السعادة، والطمأنينة، والتوفيق، والنصر، والتأييد، والفلاح، والنجاح، والفوز، لذلك:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء : 28]

 الآن دققوا فيما أقول: خلق ضعيفاً ليفتقر إلى الله بضعفه، فلو خلق قوياً لاستغنى عن الله بقوته، خلق ضعيفاً ليفتقر إلى الله بضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى عن الله بقدرته، فشقي باستغنائه، الإنسان خلق ليسعد، سعادته بالله، لذلك جعله ضعيفاً، لكن هذا الضعف له أيضاً أخطاره، الضعف البشري في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، رمم بالاستعاذة بالله، أنت ضعيف، لكن معك جهازاً يكشف لك الحقيقة، الإنسان جاهل، دله الله كيف يكون عالماً، الإنسان ضعيف، دله كيف يكون قوياً، الإنسان خائف، دله كيف يكون مطمئناً، لهذا قيل: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.

حضّ المؤمن على الاستعاذة بالله عز وجل :

 المشكلة أن الاستعاذة، كأن هذا الأمر الإلهي فقد مضمونه، فقد جدواه، لأنها لا تطبق وفق تعليمات الصانع، ما كل إنسان قال: أعوذ بالله، يعيذه الله عز وجل، لا تستطيع أن تستعيذ به إلا إذا كنت مطبقاً لأمره، ولا تستطيع أن تعوذ به إلا إذا كان قلبك حاضراً مع الاستعاذة.
 آلة قد تكون غالية جداً، وثمينة جداً، لكن تحتاج إلى تيار كهربائي، فإذا قطعت عنها التيار أصبحت لا جدوى منها، فالحياة كلها أخطار، الأخطار لا تعد ولا تحصى بدءاً من جسم الإنسان، إلى أهله، إلى أولاده، إلى عمله، إلى مستقبله، إلى طمأنينته، الأخطار كثيرة جداً، أحصيت الأحاديث الشريفة التي تحض المؤمن على أن يستعيذ بالله عز وجل، هي أكثر من ثمانين حديثاً، صحيحة، كلها تحض المؤمن على أن يستعيذ، يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 67]

الجهل أكبر خطر يمكن أن يسحق الإنسان :

 إذاً أكبر خطر يمكن أن يسحق الإنسان هو الجهل، الجاهل عدو نفسه، يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، فأول آيةٍ في كتاب الله تحضنا على أن تستعيذ بالله قول سيدنا موسى:

﴿ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

  لا يوجد مشكلة على الإطلاق إلا وراءها جهل، إلا وراءها معصية، وما من معصية على الإطلاق إلا وراءها جهل، جهل، معصية دمار، جهل، معصية، شقاء، جهل، معصية، إحباط، جهل، معصية، شقاء.

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾

[ سورة هود : 47 ]

 الإنسان لا يتألى على الله، ولا يتنطع، ولا يطلب من الله ما لا علم له به، فكلما زادت معرفتك بالله زاد أدبك، قال:

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴾

[ سورة المؤمنون : 97 ]

 الشيطان موجود.
 بالمناسبة أيها الأخوة؛ مسلمون كثيرون لا يدخلون الشيطان في حساباتهم إطلاقاً، الشيطان موجود، ويوسوس، ويدل على الشر، ويخوف، ويأمرك بالبخل، ويوقع بينك وبين أخيك العداوة، والبغضاء، ويعدك، ويمنيك.

﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة النساء : 120]

 الشيطان موجود، أنت إذا تجاهلته فعل فعله فيك، وهو مرتاح، أما إذا حسبت له حساباً، واستعذت بالله منه، نجاك منه، تجد مثقفاً، موضوع الشيطان لم يقبضه، الشيطان موجود، يتحرك لإيذاء نفسه، وإيذاء من حوله بوسوسة الشيطان وهو لا يدري، فالإنسان أمر أن يستعيذ من همزات الشيطان:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ* مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾

[ سورة الفلق : 1 - 2 ]

 يوجد مخلوقات شريرة بالحياة، أحياناً الإنسان ينام في خيمة، هناك عقرب، وحية، إذا الإنسان قرأ المعوذتين، ينام مطمئناً، لأن الله سبحانه وتعالى يحرسه بعينه التي لا تنام:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾

[ سورة الناس : 1 ]

 فهناك أمر إلهي، أي الإنسان إذا ما فهم كتاب الله فهماً عميقاً، الله عز وجل كما أمرك أن تصلي، والصلاة فرض، كما أمرك أن تصوم، والصيام فرض، كما أمرك أن تحج والحج فرض، كما أمرك أن تزكي، والزكاة فرض، أمرك أن تستعيذ به:

﴿ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾

 الشيطان موجود، يوقع بين المؤمنين العداوة، والبغضاء، يحرش بينهم، يأمر بالمعصية، يأمر بالمنكر، يعد، ويمني، وما يعد:

﴿ إِلَّا غُرُوراً ﴾

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 22 ]

علاج الشيطان أن تستعيذ بالله بقلب خاشع منيب :

 الحقيقة أيها الأخوة؛ تجاهل الشيء لا يلغي وجوده، إن تجاهلت الشيطان تجاهله لا يوجد مانع، لكن تجاهلك له لا يلغي وجوده، الشيطان موجود، أما الذي يلغي وجود الشيطان فأن تستعيذ بالله منه، هذا يلغي وجوده، بكلمة، إلا أن هذه الاستعاذة إذا لم يكن بها حرارة، لم يكن بها خشوع، لم يكنبها حضور قلب، لا تجدي، ما كل من استعاذ بالله أعاذه الله، إن استعاذ بلسانه، وكان قلبه غافلاً، ساهياً، لاهياً، الله لا يعيذه، إذاً الشيطان موجود، وله أهداف شريرة، كثيرة جداً، أقلها أنه يخوفك، أقلها أنه يأمرك بالبخل، أقلها أنه يوقع بينك وبين أخيك العداوة والبغضاء، أقلها أنه يخوف الإنسان إذا أطاع الله عز وجل، علاج الشيطان أن تستعيذ بالله، الاستعاذة لا تقبل، ولا تجدي إلا إذا كنت مع الله، وكان قلبك منيباً إليه، وخاشعاً له، فالآلة من دون طاقة لا تعمل، موجودة، تحتاج إلى طاقة، إلى حرارة.

الغضب أكبر خطر يتهدد الإنسان :

 الآن قال: إذا اضطجعت فقل:

(( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 أحياناً الإنسان يكون بأوج نجاحه، فجأةً يصاب بمصيبةٍ تسحقه حتى آخره، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اللهم إني أعوذ بك من فجاءة نقمتك ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]

 فجأة، العذاب قد يأتي بغتة:

(( من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وجميع سخطِك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]

 المؤمن بطاعته لله يدخل في سلام، في سلامٍ مع ربه، وسلامٍ مع نفسه، وسلامٍ مع من حوله، علاقات كلها متوازنة، هادئة، نامية، متطورة، أما الإنسان إذا كان في سخط الله، أموره كانت كما يتمنى، ويشتهي، فالعقاب يأتي فجأةً، قال: إذا غضب الرجل فقال:

(( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه غضبه ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

 من باب الطرفة، لو أردنا أن نتحرى، أو أن نستقرئ الطلاق في عام، تجد أن تسعين بالمئة من حالات الطلاق سبقها غضبٌ أرعن، غضب شديد، حالات كثيرة من فك الشركة غضب، الحروب أحياناً أساسها الغضب، غضب أعمى، فالغضب أكبر خطر يتهدد الإنسان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول إذا غضب الرجل فقال:

(( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه غضبه ))

 أحياناً الإنسان بساعة غضب يرتكب حماقة، يدفع ثمنها باهظاً جداً، تكون شركة ناجحة، ولها دخل كبير، وهناك حساسية مع شريكه، ساعة غضب، الشيطان دخل، ألهمه كلمة قاسية، انتهت بفك الشركة، ثم أفلست الشركة، بساعة غضب يطلق، له خمسة أولاد، بيت مستقر، دخل جيد، زوجة جيدة، ساعة غضب شيطاني طلق، ودمر نفسه، وانتهت هذه الأسرة، والأطفال تشردوا، وانحرفوا، والزوجة انحرفت، لأنه غضب غضباً شديد، قال: إذا غضب أحدكم فقال:

(( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه غضبه ))

ضرورة إدخال موضوع الاستعاذة بالله في برنامجنا اليومي :

 أنا أريد أيها الأخوة؛ موضوع الاستعاذة بالله أن تدخل في برنامجكم اليومي، الشيطان موجود، وإذا تجاهلت وجوده لا يعني هذا أنه غير موجود، هو موجود، وله فعل كبير، لكن فعله منوطٌ بغفلة الإنسان عن الله.

﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 155 ]

 غفلتهم جعلتهم ينحرفون، ويتبعون الشيطان، أما:

﴿ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

[ سورة الإسراء : 65 ]

 قال: إذا نزل أحكم منزلاً، فليقل:

(( أعوذ بكلماتِ الله التاماتِ من شرِّ ما خَلَقَ، لم يَضُرَّهُ شيءٌ حتى يَرتَحِلَ من منزله ذلك ))

[ أخرجه مسلم والترمذي ومالك عن خولة بنت حكيم ]

 أحياناً إنسان يتورط بمكان، يكون بريئاً، يتهم بتهمة ظالمة، أحياناً عدوٌ له يوقع به الأذى، فأينما نزلت، وأينما حللت، قل:

(( أعوذ بكلماتِ الله التاماتِ ))

 في هذا المكان، هذا المكان عندئذٍ يخلو من أي شيءٍ مزعج، أو مدمر.

الاستعاذة بالله من علم لا ينفع :

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

[ أخرجه النسائي وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 الحياة محدودة، والعمر قصير، وما يطبع كل يومٍ لا يكفي أعواماً، بعضهم قال: مئة عام، ما يطبع كل يوم في العالم، إذا أردت أن تقرأه تحتاج إلى مئة عام، إذاً ماذا ينبغي عليك أن تفعل؟ أن تختار، أن تختار الكتاب المقرر، أن تختار المنهج المفضل، أن تختار ما ينفعك بعد موتك، لذلك هناك علم لا ينفع.

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

 مرة دخل النبي إلى المسجد، فرأى أناساً تحلقوا حول رجل، هو يعرفه، ولكن أراد أن يُعلم، قال: من هذا الرجل؟ قالوا: هو نسابة، قال: وما نسابة؟ قال: يعلم أنساب العرب، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ذاك علمٌ لا ينفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به ))

 آلاف الموضوعات، والعلوم، لا تنفعك إطلاقاً لا في دنياك ولا في دينك، وتستهلك وقتاً وجهداً في معرفتها، فالعلوم التي لا تنفعك، ولا تتصل لا بعملك، ولا بآخرتك، ولا بمستقبلك، هذه أبعدها عن حياتك، وانجُ من انشغال الوقت بها، لأنها غير مجدية، طبعاً العلم أن تقرأ كتاب الله، أن تقرأ سنة رسول الله، هذا متعلق بخير الدنيا والآخرة.
 أحياناً إنسان يدخل جامعة، من الدرجات العلمية العالية، اختار موضوعاً، ليس له علاقة لا بالدنيا، ولا بالدين، أي شاعر جاهلي، عاش قبل ألف وخمسمئة عام، لا أحد يعرفه، مجهول، هو نقب عن ديوانه، وحقق ديوانه، ووجد أن هذا الشاعر كان عنده غزل، كان عنده هجاء، ووصل إلى أعماق أعماق نفسه، هذا الشاعر عاش قبل ألف وخمسمئة عام، موضوعات شعره كلها باطلة، لا علاقة لها بالدين، فأنت حينما تضيع سبع سنوات من حياتك، في دراسة مثل هذا الشاعر الجاهلي، البعيد عن أصول الدين، ماذا فعلت أنت؟ ما فعلت شيئاً، أما عندما تجعل موضوع أطروحتك متعلقاً بأمور الدنيا النافعة أو الآخرة فهذه الدراسة أثمرت نفعاً.
 أنا أقول: كل علمٍ ممتع، لكن هناك علماً ممتعاً غير نافع، وهناك علماً ممتعاً ونافعاً، فابحث عن علمٍ ينفعك، ثم إن هذا النفع قد يكون في الدنيا فقط، ابحث عن علمٍ ممتعٍ، نافع مسعد، إذاً هناك موضوعات إن شغلت نفسك بها عادت عليك بالخيرات بعد الممات، حينما تهتم بأمور الدين، هذا يعود عليك بعد الممات، فلذلك من أراد أن يبحث، أن يدرس، أن يدقق، أن يحقق، أن ينقب فليجعل موضوعه إسلامياً، لأن هذا يعود عليه بالخير العميم.
 مثلاً: هوميروس ألّف قصيدة الإلياذة بالعصر الإغريقي، ترجمناها، ودرسنا مضامينها، وأبعادها، وخصائصها، عاش هذا الشاعر في عصر الوثنية، وكان لكل شيء إله، الموضوعات جملةً وتفصيلاً لا تعنينا، فالنبي قال:

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

 أحياناً ترى قصة، خمسة عشر يوماً، ثمانمئة صفحة، ملخصها كلمة واحدة: الإنسان أقوى من كل عقبةٍ توضع أمامه، تتابع تفاصيل القصة، وأحداثها، وسردها، ووصفها، وعقدتها، هذه القصة كل ملخصها كلمة واحدة.
 الآن عندنا شيء اسمه: ترشيد الاستهلاك، ممكن أن تستهلك الكهرباء بالبيت استهلاكاً معقولاً، ممكن أن يكون الاستهلاك غير معقول، فأنت حينما تستهلك الوقت استهلاكاً رشيداً، الوقت ثمين.
 أنا أقول: لو فرضنا شخصاً - وهذه حالة نادرة - أمر بمغادرة القطر فرضاً، إنسان غير سوري فرضاً، مقيم، إقامته غير مشروعة، فأعطي القرار بالمغادرة خلال أربع وعشرين ساعة، وهو مؤسس بيتاً، فيه أشكال، وألوان، وأثاث، ولوحات، وأجهزة، وأدوات، ولا يستطيع أن يأخذ معه فقط إلا حمل مسافر، عشرون كيلو فرضاً، ممكن أن يأخذ بهذه العشرين كيلو طاولة معه؟ لا، يأخذ الذهب، يأخذ الأجهزة الصغيرة الغالية، فأنت عندما تريد أن تختار تأخذ أغلى الأشياء، وأقلها وزناً، هذا المنطق.

العاقل من يصطفي من الدنيا ما يقربه من الله عز وجل :

 ما دام هناك مغادرة للآخرة، والعمل هو رفيق الإنسان في قبره، ما دام هناك مغادرة، اختر من الدنيا أثمنه، وأشرفه، وأقربه إلى الله عز وجل، فأنت بحاجة إلى اصطفاء، من دون اصطفاء القضية صعبة جداً، يجب أن تختار أصحابك، تختار أصدقاءك، تختار جيرانك، تختار إن تزوجت أفضل زوجة إيمانياً، أن تختار ما تقرأ، ما كل شيء يقرأ، تشتري مجلة، مثلاً مقالات عن ساسة غربيين، والخصومات بينهم، وخلفيات الخصومات، وأبعاد الخصومات، الموضوع لا يعنيك لا من قريب، ولا من بعيد، اقرأ مقالة تعنيك من قريب، اقرأ مقالة متعلقة بإيمانك بالله عز وجل، أحياناً موضوع علمي، تزداد قرباً من الله به، أحياناً موضوع فقهي، يعلمك أمور دينك، موضوع مثلاً من السنة، يعرفك برسولك، فأنت بحاجة إلى اصطفاء، لأن الوقت قصير، والخيارات لا تعد ولا تحصى، الخيارات كثيرة جداً، أحياناً تشتري مجلة، تجد فيها مقالتين يفيدونك، مقالة علمية، ومقالة دينية، اقرأهما بعنايةٍ ودع الباقي، وابحث عن شيء مفيد، أما هذا الذي يختار كل شيء من دون اصطفاء فهو إنسان عقله معطل، يستهلك وقته بأشياء كثيرة، إما قصص، أو مقالات، أو متابعة تفاصيل، لا تقدم ولا تؤخر.

الاستعاذة من عمل لا يرفع وقول لا يسمع :

 إذاً النبي استعاذ:

(( من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع ))

[ أخرجه لنسائي وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 الإنسان لضعف توحيده، وضعف إخلاصه لله عز وجل، تضعف نواياه العالية، وتصبح نواياه أرضية، يهمه أن يظهر بأعلى مظهر، يعمل ولائم، يعمل تزيينات، يعمل ترتيبات، الهدف الوحيد أن يظهر، يقول لك: كسرت عينه مثلاً، النبي قال:

(( المتباريان لا يجابان ))

 يريد أن يعمل عزيمة، الهدف فقط الاستعلاء بها، والبذخ، والترف، وأن يظهر على أنه في أعلى مستوى، هذا الداعي لا يلبى، أما إذا دعاك ليؤلف قلبك، لتزيد المودة معه، فهذه دعوة خالصة لله عز وجل.

(( وعمل لا يرفع، وقول لا يسمع ))

[ أخرجه النسائي وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 أحياناً مثلاً بالقضاء، تقدم دعوى، تكون مخالفة لحيثيات شروط الدعوى فتشطب قبل أن تقرأ، تشطب هذه الدعوى لمخالفتها للقوانين، فدعاء ما رافقه طاعة لله، هذا مشطوب، لا يسمع، دعاء أساسه العدوان على الآخرين، مشطوب لا يسمع، فالنبي استعاذ:

(( من علم لا ينفع وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، وقول لا يسمع ))

[ أخرجه النسائي وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان، عن، أنس بن مالك ]

الاستعاذة من جار السوء و إمام السوء و من شرّ الأعمال :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة ))

[ أخرجه النسائي وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ]

 إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، أحياناً الجار بلاء من الله، لا يريحك، ولا يرتاح، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه.

(( اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر ))

 استعاذ النبي الكريم من جار السوء، ومن إمام السوء، ومن استعاذات النبي عليه الصلاة والسلام، أنه استعاذ:

(( من شر ما عمِلتُ، ومِن شر ما لم أعمل ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]

 أحياناً يكون له عمل سيئ، استحق العلاج الإلهي، أحياناً يكون ضابطاً أموره تماماً، أما إن نسي أن يستعيذ بالله عز وجل من شيء لم يعمله، يُلبس تهمةً هو بريءٌ منها، هناك الكثير من الورطات في الحياة، هو بريء منها، ما فعلها إطلاقاً، تأتي المشكلات، فالنبي الكريم استعاذ بالله:

(( من شر ما عمِلتُ، ومِن شر ما لم أعمل ))

 أحياناً الإنسان يكون عنده سفر، يبحث عن الأخطار، يغطيها كلها، لكن اعتبر أن هذا السعي، وهذا البحث هو خلق النجاة، وخلق التوفيق، فكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من:

(( مما أهمني، ومما لا أهتم له ))

 أحياناً خطأ طفيف يسبب مشكلة كبيرة، أحياناً بمركبتك خطأ طفيف، يؤخرك عشرة أيام، بآلاتك، بتعاملك مع الآخرين، كلمة، فالإنسان يستعيذ بالله مما يهتم له، ومما لا يهتم له من الأشياء الكبيرة، والصغيرة.

الاستعاذة بالله من سخطه :

 و يقول أيضاً:

(( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك ))

 مرة زرت شخصاً - القصة قديمة - في دكانه، لفت نظري أنه يأكل علبة السردين من العلبة نفسها، أي لا يوجد صحن عنده، وينام على طاولة التفصيل، ويحيا حياةً من الخشونة بحيث لا تحتمل، ينام في الدكان، ويأكل السردين من العلبة، صحن لا يوجد عنده، هذا الشخص أقسم بالله أن بيته في بعض البلاد العربية مساحته ألف متر، والحديقة ألف متر، وعنده ثلاث مركبات، وما دخلت الحلويات إلى بيته إلا بالصواني، ولا دخلت الفواكه إلا بالعلب الكبيرة، يعيش حياةً من البذخ غير معقولة، كيف أنك تدهش من هذا العطاء، والله عز وجل إذا حاسب تدهش له، جعله ينقب بالقمامة، يذهب إلى سوق الهال، أحياناً يضعون في أحد أطرافه الخضر الفاسدة، والله كان يبحث فيها عن خسة متعفنة، كان ينقب بالقمامة، ويسكن في دكان، القصة طويلة طبعاً، لا علاقة لكم بتفاصيلها، لكن الله عز وجل إذا أعطى أدهش، وإذا أخذ أدهش:

(( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك ))

.
 أحياناً حبة يحكها تصير سرطاناً، شهر، شهران، تفاقم بعد ذلك مات، حبة عادية عندما حكها مرتين أو ثلاث بظفره، صار هناك تخرش، هذه المنطقة النسيجية نمت نمواً عشوائياً، وانتهت بموته، ممكن حبة تنهي الإنسان، إذا الإنسان كان بسخط الله مثلاً، طبعاً ليس كل إنسان يموت يكون بسخط الله، لكن إذا جعل هذا الشيء عقاباً، فجأةً تحولت العافية عنه، أياماً يخسر عمله، فجأةً بكلمة واحدة، بغلطة يخسر عمله، يخسر أحياناً زبائنه، يخسر أحياناً أحبابه.

الاستعاذة بالله من منكرات الأخلاق و الأهواء :

 و استعاذ أيضاً:

(( اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك من منكرات الأخلاق ))

[ أخرجه الترمذي عن قطبة بن مالك ]

 اللؤم مثلاً، القسوة، الكبر، العجرفة، العنجهية، هذه كلها منكرات الأخلاق، الاعتداد بالنفس، المبالغة:

(( من منكرات الأخلاق والأهواء والأعمال والأدواء ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن قطبة بن مالك ]

 هذه كلها منكرات.

(( اللَّهمَّ إِني أَعُوذ بك من العَجْز والكَسَل ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

 معنى العجز هنا الهمة الضعيفة، كل شيء لا أقدر، صعبة، هذه ليس لها حل، هناك إنسان يميل إلى الراحة، يكره عمله مثلاً، يشتغل يومين، امتلك المال، يتوقف عن العمل حتى يصرف المال، أميل إلى النوم، للراحة، حتى في أمور الآخرة، لا تعرف لعلي مكتوب من الأشقياء، يلغي كل سعيه، يظن شيئاً سيئاً ليس له أصل، فلذلك العجز والكسل متلازمان، يعجز لأنه كسول، وكسول لأن ظنه بالله سيئ، عاجز، فالعجز والكسل مرضان خطيران:

(( والجبن والبخل ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

 الجبان، والبخيل، الجبن، والبخل يلتقيان.

(( والقسوة والغفلة ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

 غافل عن الله، وقاس بتصرفاته:

(( وأعوذ بك من الفقر والكفر ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

 قالوا: ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا، وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل، محروم فقير، وكافر، تارك صلاة، تارك كل واجباته الدينية، ودنياه خشنة:

(( وأعوذ بك من الفسوق، والشقاق، والنفاق، والسمعة، والرياء، وأعوذ بك من الصم، والبكم، والجنون، والجذام، والبرص، وسيئ الأسقام ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

 هناك أمراض محتملة الإنسان يتعايش معها، لكن هناك أمراضاً تفسد حياته كلها، أحياناً مرض جلدي يضطرك أن تجلس في البيت، ظهر بالوجه العديد من الحبوب، فأحياناً الإنسان بلطف الله يعيش.

(( اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك من الجُوع، فإِنه بِئْسَ الضْجيعُ ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

 أي الإنسان إذا لم يكن معه ثمن طعام، شيء لا يحتمل، شيء صعب على الإنسان ألا يملك ثمن طعامه، لو كان خشناً لا يوجد مانع، أما إن لم يكن معه ثمن طعام إطلاقاً فهنا المصيبة.

(( وأعوذ بك من الخِيانة، فإِنها بِئْسَتِ البِطانةُ ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

 إنسان قريب منك، يعمل معك، يخونك، يضحك عليك، يقول لك كلاماً خاطئاً، يحدثك بحديثٍ أنت له به مصدق، وهو لك به كاذب، هذه بطانة سيئة جداً.

(( ومن الكسل والبخل والجبن ومن الهرم ومن أن أرد إلى أرذل العمر ))

[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن مسعود ]

خيركم مَن طال عمره وحَسُنَ عمله :

 الإنسان أحياناً يرى المؤمن المتقدم بالسن، تشتهي الكبر عليه، ذاكرة قوية، صحة طيبة، نشاط، سمع مرهف، بصر حاد، علم، ذكر.

(( خيركم مَن طال عمره، وحَسُنَ عمله ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي بكرة ]

 أحياناً شخص بالخمسينات، تجده خرّف، لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، قال:

(( ومن أن أرد إلى أرذل العمر ))

 الحقيقة البطولة في خريف العمر، لا في فتوة الإنسان، كل الشباب أقوياء، أصحاء، لكن خريف العمر هو المتعلق بطاعة الإنسان في الدنيا، كان هناك رجل من الأتقياء، أسس مدرسة، علّم فيها ثمانين سنة، كان يقول لتلاميذه: أنت يا بني تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، طبعاً كان التعليم شرعياً، كان في السادسة والتسعين وهو متمتعٌ بأعلى أنواع الصحة، قامةٌ مديدة، منتصبة، ليست منحنية، مديدة ومنتصبة، سمعٌ مرهف، بصرٌ حاد، أسنانه في فمه، ذاكرته قوية، يقال له: يا سيدي ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
الدين يا أخوان صحة بالمفهوم المادي لأن المسلم معتدل، اعتداله في كل شيء، الاعتدال هو سبب الصحة:

(( ومن فتنة الدجال وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ))

[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن مسعود ]

ضرورة معرفة حقيقة الشيطان :

 هذه بعض الأدعية، الأدعية كثيرة جداً، أكثر من سبعين حديثاً فيه استعاذة من الشيطان، من موضوعاتٍ لا تعد، ولا تحصى، وإن شاء الله في دروس قادمة سآتي عليها واحداً واحداً، لأن الإنسان ضعيف، ليسعد في ضعفه، من لوازم الضعف أن تستعيذ بالله، والشيطان موجود، وله أخطار، فنحن كمؤمنين ينبغي أن نعرف حقيقة الشيطان، وكيف أن الطلاق أحياناً يكون بسببه، الشركات المنفصلة بسببه، العداوات بين الأقرباء بسببه، تجد إنساناً داخل فيه شيطان كل كلامه سيئ، كل كلامه فيه أذى، يدخل إلى بيت أخته مثلاً، يقول لها: ماذا أحضر لك زوجك على العيد؟ جاء لك بإسوارة؟ تقول له: لا، حولها عن زوجها، هذه العلاقة بينهما تضعضعت بكلمة قالها هو، فأحياناً الإنسان يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً.

(( إِنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يَهْوِي بها سبعين خريفا في النار ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018