٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 40 - من سورة الحديد والحشر - كلٌ في كتاب مكتوب، يقدر الله ويشاء ثم يفعل.


1996-02-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

كتاب الأعمال الخاص بكل إنسان يبنى عليه العلاج الإلهي :

 أيها الأخوة الكرام؛ آيتان، الأولى في سورة الحديد، والثانية في سورة الحشر، والمسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى فهمهما الفهم الصحيح، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾

[ سورة الحديد : 22 ]

 الإنسان يبدو له أحياناً أن الأمور تجري بشكل عشوائي، وأن فلاناً أودت به شظيةٌ طائشة، وأن هذه الطائرة سقطت بسببٍ تافه، أن أحد ركابها أراد أن يشرب كأساً من الشاي، فأشعل الغاز، فأودى بأربعمئة وخمسين راكباً، يبدو للإنسان أحياناً القضية عشوائية؛ زلزال، فيضان، أما الحقيقة فعلى عكس ذلك، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي الدرداء ]

 شظية طائشة لا يوجد، هناك شظية مسومة، مصيبةٌ كبيرة بسببٍ تافة، هذا شيء غير صحيح، وغير موجود،

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

 كلمة

﴿ مِنْ ﴾

 لها معنى دقيق:

﴿ مِنْ ﴾

 تعني استغراق أفراد النوع.
 أنت إذا قلت لأحدهم: ما عندي مالٌ لهذا المشروع، المشروع يحتاج إلى خمسة ملايين، تقول: ما عندي مال لهذا المشروع، أما إذا قلت له: ما عندي من مالٍ، أي ولا ليرة سورية واحدة معك، إذا قلت: من فمن تفيد استغراق أفراد النوع.
 فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

 أية مصيبةٌ مهما بدت صغيرةً، مهما بدت تافهةً، مهما بدت طارئةً، مهما بدت عارضةً، مهما بدت عشوائيةً، مهما بدت أساسها الصدفة؟ لا،

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾

 أنا مضطر أن أضرب مثلاً يوضح هذه الكلمة: طبيب مرّ على مريض في المستشفى، طلب التحليل، وجد السكر مرتفعاً، منع الإدارة من إعطائه طعاماً فيه سكر، الضغط وجده مرتفعاً، منعه من الملح، الضغط منخفض أعطوه الملح، فقرار الطبيب مبني على التحليل، مبني على حالة المريض، مبني على واقع المريض.

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾

 كتاب أعمالكم، الحالة الراهنة، الوضع الدقيق لهذه النفس، مقبلة أم معرضة؟ مستقيمة أم منحرفة؟ شاكرة أم كافرة؟ منضبطة أم متفلتة؟ فكل إنسان له عند الله كتاب، نحن عندنا بالأرض يوجد لكل موظف إضبارة، نفتحها، حسناته، سيئاته، مكافآته، عقوباته، الحسميات، التقصيرات، التوجيهات، الكتب، إذا قرأت إضبارة موظف تقرأ فيها كل شيء.
 فهذا الكتاب، كتاب الأعمال يبنى عليه العلاج الإلهي، قال:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾

 لا يوجد مصيبة مرتجلة، لا يوجد مصيبة طارئة، لا يوجد مصيبة عشوائية، لا يوجد مصيبة لسبب تافه

﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾

.

 

لكلّ واقع حكمة :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا المعنى الدقيق لهذه الآية لا يبقي في نفس الإنسان ندماً ، ولا ألماً، ولا تحسراً، ولا تفطراً:

(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

 يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام من هنا قال:

(( لا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل، فإن لو تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 هذه الآية إذا عقلناها، ووعيناها، وفهمنا أبعادها، وصدقنا ربنا عز وجل فيها، لا تبقي في نفوسنا حسرةً، ولا ندماً، ولا ألماً، ولا تمزقاً، ولا ضياعاً، ولا تبعثراً،

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

 أية مصيبةٍ في الأرض، أو في النفوس من دون استثناء، أمطارٌ قليلة، إنتاج زراعي قليل، آفةٌ أصابت موسم القمح، آفةٌ أصابت موسم الزيتون، مرض انتشر، فقرٌ عم، عقباتٌ كأداء في الطريق إلى المصالح الأساسية، قال:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾

[ سورة الحديد : 22 ]

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾

 المصيبة، المصيبة جاءت، أحياناً إنسان يُشم أن له انحرافاً في وظيفته، الأخبار تتناقل يشيع عنه أنه يعمل عملاً غير صحيح، تؤلف لجنة للتحقيق، يحقق معه، يطالب بأدلة، تقدم له الأدلة على انحرافه، يرفع التقرير إلى من هو أعلى من هذه اللجنة، تذاكر اللجنة في حيثيات التقرير، يرجأ الأمر إلى وقت آخر، تؤلف لجنة ثانية، يدرس تقرير الثانية، تجتمع اللجنتان، يرجح بين تقريريهما، ثم يتخذ قرار بكف يده، يكتب القرار على المسودة، يطبع على الآلة الكاتبة، ترفع المبيضة إلى المدير ليوقعها ثم يبلغ الموظف، أي إلى أن نفذت هذه العقوبة تمت دراسات، وتحقيقات، ولجان، ومداولات، ومناقشات، وفي نهاية المطاف اتخذ قرارٌ بكف يد الموظف، فهل قرار كف اليد جاء عشوائياً؟ جاء طارئاً؟ جاء صدفةً؟ جاء لسببٍ تافه؟ لا، يجب أن تقتنع أن الذي وقع وراءه حكمةٌ ما بعدها حكمة.
 لذلك قال بعض العلماء: لكل واقعٍ حكمة، قد يكون الذي أوقعه ليس حكيماً، لكن الله بقدرةٍ عجيبة يوظف كل الشر للخير المطلق، لكل واقعٍ حكمة، أحياناً إنسان يتجنى على إنسان، الذي تجنى سيحاسب، ولكن الذي جُني عليه، هناك حكمةٌ بالغة من هذا التجني، فهذه الآية إن فهمناها وعقلناها أدخلت على قلبنا الطمأنينة، والفرح، والسرور:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

[ سورة الحديد : 22 ]

 من أجل ماذا هذا الكلام؟ قال:

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾

[ سورة الحديد : 23 ]

 لئلا تندم، لئلا تقول لو، لو فعلت كذا لكان كذا، لو اخترت كذا لكان كذا، لو لم أعقد هذه الصفقة لما أفلست، لو لم أصاحب هذا الإنسان لما سُجنت، لو لم أشارك هذا الإنسان لما تراجعت.

(( لا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل، فإن لو تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))

التوحيد يملأ النفس أمناً و طمأنينة :

 المؤمن أيها الأخوة عنده استسلام لله عز وجل، عنده يقين، عنده رضا بقضاء الله وقدره، هذا الشيء يفتقر له معظم الناس.
 أنا أضرب مثلاً بسيطاً نموذجياً: صاحب محل تجاري في دمشق، عنده موظف، اختلف معه فطرده، هذا الموظف أرسل تقريراً إلى جهات مسؤولة عن البضائع، أنه يوجد عنده بضائع غير نظامية، فجاءت هذه الجهة وضبطت المستودع، وكلفت هذا التاجر - والقصة قبل عشرين سنة- بستمئة ألف ليرة، أي البيت كان ثمنه خمسين ألفاً، ثلاثين ألفاً، فهذا التاجر من شده ألمه من هذا الموظف أطلق عليه النار، وقتله، فحكم ثلاثين عاماً، أنا قلت: لو أن هذا الإنسان رأى هذه المصيبة من الله ما حقد على هذا الإنسان، والله عز وجل يعوض عليه أضعافاً مضاعفة.
 إذا الإنسان لا يوجد عنده توحيد فمشكلته كبيرة جداً، يمتلئ قلبه حقداً، يمتلئ تمزقاً، يمتلئ ندماً، أما إذا وحدت فترى أن الله وحده هو المتصرف، قد تتألم من هذا الإنسان، قد تعاقبه وأنت متوازن، أما أن تفقد السيطرة على نفسك، وأن تودي بنفسك إلى الهلاك الطويل فهذا من ضعف التوحيد.
 أخواننا الكرام؛ معظم مشكلات الناس من ضعف التوحيد، ضعف التوحيد يؤدي إلى النفاق، ضعف التوحيد يؤدي إلى الطمع، ضعف التوحيد يؤدي إلى المجاملة الشيطانية، ضعف التوحيد يؤدي إلى الخوف، ضعف التوحيد يؤدي إلى القلق، فهذه الآية تلقي على قلب الناس طمأنينةً، وبرداً، وسلاماً:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[ سورة الحديد : 22-23 ]

ثقة المؤمن بالله عالية جداً :

 الآية الثانية والأخيرة، يقول الله عز وجل في سورة الحشر:

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾

[ سورة الحشر : 2 ]

 أحياناً الإنسان يظن أن هناك قوة بالعالم لا يستطيع أحدٌ أن يغلبها، وهذا المعنى يكرس، وإذا كرس هذا المعنى ضعُفت نفسية الإنسان، وخنع، واستخزى، قال:

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾

 أنتم يا مؤمنون، يا أصحاب محمد أنتم:

﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ﴾

[ سورة الحشر : 2 ]

 وهم:

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾

[ سورة الحشر : 2 ]

 أي لا يوجد إلا الله، مهما بدا عدوك قوياً، فالله أقوى منه، ومهما ظننت أنك ضعيفٌ فالله هو القوي، وهو يقويك، فالله عز وجل ما طالبك بالقوة المكافئة، طالبك بالقوة المتاحة، وفرقٌ بينهما كبير، ما طالبك بالقوة المكافئة التي قد تكون مستحيلة، أي هناك تقدم بين الشعوب الإسلامية والشعوب الأخرى، تقدم حضاري كبير جداً، مهما ركض هؤلاء لا يحصلونه، الله لم يطالبك بالقوة المكافئة، طالبك بالقوة المتاحة، بديل قوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 والباقي على الله عز وجل، وهناك أدلة كثيرة، وقصص كثيرة، ومعجزات بهذا العصر، قلعةٌ من قلاع الكفر لا يظن أحدٌ لمئة عام قادمة أن تتداعى، تداعت كبيت العنكبوت، أليس كذلك؟
 فهذه الآية دقيقة جداً:

﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ﴾

 وهم

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾

 أنا كنت ألاحظ أن هدم البناء بالطرق التقليدية، يصعد الأشخاص، ومعهم المطارق الكبيرة، ويهدمون طابقاً طابقاً، الهدم يحتاج إلى أشهرٍ كثيرة، الآن من قواعد البناء أربع قنابل مدروسة، وعياراتها متوازية ومنظمة، فهذا البناء بثوان معدودة يتداعى إلى الداخل، إنسان اخترع طريقة يهدم بناء بثوان، لو أردت أن تهدم البناء بالمطرقة تحتاج إلى عشرة أشهر، تهدم طابقاً طابقاً، عضاضة عضاضة، سقفاً سقفاً، الآن يهدمون بالخليج أبنية كثيرة من أجل عمارات شاهقة، فبثوان معدودة، أربع قنابل، لكن مدروسة بأماكن معددة، الله ماذا قال؟ قال:

﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾

[ سورة النحل : 26 ]

 فربنا يهدم إنساناً بأساليب لا تخطر في البال، من أتفه الأسباب تجده انهار، فالمؤمن ينبغي أن يكون واثقاً من نصر الله له:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 الله عز وجل لا يريدنا خانعين, ولا متخاذلين، ولا يائسين:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 139 ]

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 146 ]

 فالمؤمن معنوياته عالية.

 

انعدام اليأس و القنوط بالإسلام :

 آخر شيء؛ النبي الكريم بالطائف كذبوه، وسخروا منه، وضربوه، قال له سيدنا زيد: يا رسول الله كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك؟ دمه فيها مهدور، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله ناصر نبيه ))

 بالهجرة دمه مهدور، مئة ناقةٍ لمن يأتي به حياً أو ميتاً، لقيه سراقة قال له:

(( يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟))

 معنى هذا أن النبي مصمم، وواثق أنه سيصل، وسيؤسس دولة، وسيحارب الفرس، وسينتصر عليهم، وسيؤتى بتاج كسرى وسواريه إلى المدينة، وهذا وقع، أي لا يوجد إلا الله عز وجل، أما أنت فبحسب استقامتك، وطاعتك له ينصرك، يؤيدك، ويقويك، بالإسلام لا يوجد يأس، اليأس يعني الكفر، والقنوط يعني الكفر، أما المؤمن فلا يرى إلا الله:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح : 10 ]

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

[ سورة الأنفال : 17 ]

الأمر كله بيد الله عز وجل :

 أيها الأخوة؛ نحن بحاجة إلى هاتين الآيتين، آية نفهم منها أنه لا يوجد مصيبة عشوائية، لا يوجد شظية طائشة، كل شيء مدروس بدقة، لأنه إله، لأنه يقول لك:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 كلام واضح كالشمس.

﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود : 123 ]

 لو أن الأمر بيد غيره معك الحجة أنت أن تعبد غيره، يقول لك:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود : 123 ]

 فنحن بحاجة إلى أول آية كي نفهم المصائب لا على أنها أشياء طائشة، عشوائية، على أنها مدروسة، يوجد كتاب، وعلينا أن نفهم أن الأمر بيد الله، فإذا كنا معه كان معنا، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018