٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 45 - حديث شريف - كفى بالمرء إثما........


1996-02-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الأبوة مسؤولية عظيمة :

 أيها الأخوة الكرام؛ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 ما منا شخص إلا وله أولاد، ومن واجباته أن يطعمهم، وأن يسقيهم، وأن يكسوهم، لكن الواجب الأكبر الذي يحاسب عليه الإنسان هو أن يربيهم تربيةً إسلامية، فلو أنك أطعمتهم، وسقيتهم، وأمنت لهم حاجاتهم الدنيوية، ولم تأمرهم بالصلاة، ولم تدعهم إلى الله عز وجل، فقد ضيعتهم، فكم من أب ضيّع أولاده وهو لا يدري، ينتظر لهم مستقبلاً دنيوياً، ويغيب عنه أنه إن لم يأمرهم بالصلاة، وإن لم يعرفهم بحقيقة هذا الدين، فقد ضيعهم، لهذا يكفي الآباء إثماً أن يضيعوا أولادهم، فالأبوة مسؤولية، والإنسان يحتاج إلى وقت لتربية أولاده، وإلى ضبط، وإلى متابعة، وإلى مراقبة، وإلى البحث في أصدقاء ولده، مع من يذهب، مع من يسهر، من يصاحب، لأن إهمال هذا الموضوع يشقي الآباء، الإنسان مهما حقق نجاحاً في حياته، مهما تألق في مجتمعه، إن لم يكن أولاده قرة عينٍ له فهو من أشقى الأشقياء، لهذا يقول عليه الصلاة و السلام:

(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

 وأحياناً لا يكون الانشغال بالعمل عذراً، لا يكون عذراً، لأن الولد هو الهدف، أنت تزوجت، أنجبت أولاداً، تجارتك، صناعتك، زراعتك، دخلك، وظيفتك، تفوقك، نجاحك خارج المنزل، هذا مهم جداً، أما أن يكون على حساب تربية أولادك فعندئذٍ لا قيمة لهذا العمل، إن لم يكن من صلبك من يؤدي حق الله عز وجل ويكون قرة عينٍ لك؟

تربية الأولاد تحتاج إلى صبر و متابعة :

 أخواننا الكرام؛ هناك شيء اسمه ثبات المادة، أنه لا يفنى شيء ولا يُخلق شيء، تحولات، فالإنسان عندما يرتاح من تربية أولاده، يتعب تعباً شديداً حينما يكبرون، وإذا بذل جهداً كبيراً في تربية أولاده حينما كانوا صغاراً، يرتاح راحةً كبرى حينما يكبرون، فالقضية متعادلة، أي تستبق الراحة فيؤجل التعب، تستبق التعب فتأتي الراحة، أي لا يوجد أب يرى ابنه صالحاً، مقيماً للصلاة، مطبقاً لشرع الله، عفيفاً، أميناً، صادقاً، متقناً لعمله، ذا سمعةٍ طيبةٍ حسنة، يدخل على قلب الأب من السرور ما لا يوصف، هذه بعض ثمار تربية ابنه حينما كان صغيراً، و لكن هذا يحتاج إلى صبر، إلى متابعة، أن يكون معك دائماً، طبعاً الإنسان قد يتخلى عن بعض حظوظ نفسه من أجل أولاده.
 مرةً ذكرت لكم حديثاً شريفاً، عن تلك المرأة التي كانت تنازع رسول الله في دخول الجنة، قال عليه الصلاة والسلام:

((أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأةٌ تنازعني، تريد أن تدخل الجنة قبلي قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))

 لأنها آثرت أولادها على حظها من الرجال، أحياناً يتوفى الأب بحادث، يترك زوجة في الثالثة والعشرين، في ريعان شبابها، ولها ولدان، أو أكثر، فأحياناً تؤثر أولادها على حظها من الرجال، ترفض الزواج، وتعكف على تربية أولادها، قال: هذه المرأة كما ورد في الحديث تنازع رسول الله دخول الجنة:

(( من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأةٌ مات زوجها، وترك لها أولاداً، فأبت الزواج من أجلهم ))

 فالإنسان عندما يبذل وقتاً، وجهداً، ومتابعة، ومراقبة، وتدقيقاً، وتمحيصاً، الإنسان أحياناً أريح له ألا يهتم بأولاده، لكن يدفع الثمن بعد أن يكبروا باهظاً، فلهذا:

(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

ضرورة التحقق من كل شيء تسمعه قبل نقله للآخرين :

 الآن :

(( كفى بالمرء إثماً أن يُحدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ ))

[ أخرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة ]

 كل شيء سمعته غير قابل للنقل ما لم تتحقق من صحته، أنت لست كالطبل أي ضربة يخرج صوت منه، عندك مراقبة، هذه قصة غير صحيحة، هذه لا تليق، هذه تسبب مشكلة، الآن أحياناً يكون هناك قصة ظاهرها ظلم شديد، ظلم شديد لا يحتمل، أنت غاب عنك فصول لا تعرفها، فإذا رويتها كما سمعتها أربكت الآخرين، أي الإنسان بشر، إن وجد الإنسان القوي، المنحرف، الفاجر، الفاسق، الكافر، الملحد هو المنتصر، والمؤمن الصائم، المصلي، حافظ كتاب الله هو المهزوم دائماً، قصة، اثنتان، ثلاث، أربع تعمل ردّ فعل سيئ عند الإنسان، مع أن كل قصة لها فصول، أنا لي ملاحظة، ممكن أن يكون لكل قصة عشرة فصول، ممكن تعرف أنت فصلاً واحداً، يجب ألا ترويها، تعرف فصلين، ثلاثة، أربعة، لو عرفت تسعة فصول، لا ينبغي أن ترويها، إلا إذا عرفت الفصل العاشر.
 أوضح مثل مرة كنت في أحد أسواق دمشق، فاستوقفني أخ، قال لي: هذا ما ذنبه؟ جاء بيته صباحاً إلى دكانه، تشاجر اثنان، فأطلق أحدهما النار على الآخر فجاءت رصاصةٌ في ظهر صاحب هذه الدكان، فشلته فوراً، جاءت في العمود الفقري، قال لي: ما ذنبه؟ هذا جاء ليفتح دكانه، جاء ليكسب قوت أولاده، أين الرحمة؟ أين العدالة؟ فأنا لا أعلم الخلفيات، قلت: والله لا أعلم، الله عز وجل قال:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 85]

 لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله، بعد عشرين يوماً أحد أخواننا الكرام، قال لي: سأروي لك هذه القصة، قلت له: تفضل، قال لي: لنا جار في الميدان، اغتصب أموال أولاد إخوته، رفعوا أمرهم إلى أحد علماء الميدان المشاهير، توفي رحمه الله، الشيخ حسين خطاب، رفع الأمر إليه، فجمع أولاد الأخ مع العم، وبدأ يقنع العم بأداء ما عليه من حقوقٍ لأولاد أخيه، رفض وتعنت، فقال لهم بالحرف الواحد: إياكم أن تشتكوا على عمكم، إنه عمكم، ولكن اشكوه إلى الله عز وجل، هو نفسه الذي فتح دكانه، فجاءته رصاصةٌ، فشلته فوراً، في اليوم التالي، اللقاء في الليل، الساعة الثامنة في اليوم التالي الساعة التاسعة كان مشلولاً، لأنه مبلغ ضخم، اغتصب أموال أولاد أخوته فقراء وأيتام.
 إذا القصة لست متأكداً منها لا تتكلم عنها، إذا لم تعرف الفصول كلها، وإن تكلمت بها، تعمل إرباكاً، سمعت عن شخص أنه رجل صالح جداً، لكن أنت لست متأكداً، لو أنك أثنيت عليه ثناء غير طبيعي، من دون تحفظ، سيدنا الصديق لما مدح سيدنا عمر تحفظ، قال: هذا علمي به، فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب، سيدنا الصديق عندما تكلم عن عملاق الإسلام تحفظ، فأنت تعطي مديحاً قطعياً، لو كان تارك صلاة، وشخص سمعك، يشك بكل ما تقوله، إذاً ليس كل شيء تسمعه يحكى، يجب أن تراجع نفسك، هناك قصة لا تليق، قصة مثيرة، قصة لا تحكى أمام صغار مثلاً، انظر من يجلس أمامك، قد يكونوا صغاراً، قضية بالعلاقات الزوجية، لا تحكى أمام الصغار مثلاً، قضية متعلقة بموضوع معين لا يحكى أمام إنسان معين، فالإنسان:

(( كفى بالمرء إثماً أن يُحدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ ))

 هذا الطبل أي ضربة يخرج صوت منه، أما الإنسان فيسمع، يمحص، يحلل، يدقق، يوازن، يطلب أدلة، بعد ذلك يتكلم الكلام الصحيح، فالإنسان كلامه مدانٌ به، المرء مؤاخذٌ بأقواله.
 أحياناً يقرأ مقالة، يقول لك: والله اخترعوا دواء يؤخر الموت خمسين سنة، هذه من سخافات الصحافة أحياناً، لا يوجد حقل إلا وفيه سخافات، في الصحف يسمونه سبقاً إعلامياً، أي قصة ليس لها أصل، تروج، والناس يقبلون على هذه الجريدة، أو هذه المجلة، فما كل شيء مكتوب بالصحيفة صحيح، طبعاً صفحة الوفيات صحيحة، النعوات صحيحة كلها، فيجب أن تلاحظ أن هناك شيئاً لا يحكى، وشيئاً لا ينقل، وشيئاً ينقل:

(( وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ))

السعيد من وفق في دينه و دنياه :

 قال:

(( كفى بالمرء سعادة أن يوفق في دينه ))

[ أخرجه ابن أبي عمر عن أنس بن مالك ]

 إذا أنت ملكت ثقة الناس في أمر دينك ودنياك، هذه أكبر سعادة، هذه أكبر ثروة أيها الأخوة، إذا الإنسان موثوق في أمانته، في خبرته، مصدق في أقواله، مؤتمن على أموال الناس، مؤتمن على أعراضهم، خبير في الدنيا، خبير في الآخرة، إذا إنسان بلغ هذه الدرجة، هذه أكبر ثروة يملكها الإنسان، وهي ثروة حقيقية، إن هذه الثقة تجلب له الثروة، الناس إذا وثقوا به أعطوه أموالهم، اشتروا من عنده أثاثاً، فإذا الإنسان ربى ثقة ووثق الناس به، هذه الثقة أخواننا الكرام تنعكس على العلاقات الإنسانية.
 يوجد نقطة دقيقة، أن مئة تصرف ذكي جداً يشد الناس لك، وتصرف واحد أحمق، يصرفهم عنك.
 أحياناً يأتي إنسان بأخ للمسجد، يعتني به، يكرمه، يزوره، يقدم له هدية، يقنعه، يجلس معه جلسة محاورات، يعطيه شريطاً، يعطيه كتاباً، هذه تصرفات ذكية جداً، شدّه للمسجد، أما لو أنه أخلف موعده معه مثلاً، لو تكلم كلمة غير لائقة معه، يقول لك: هذا الدين؟! عشرة تصرفات، خمسون، مئة، يشدون الناس للمسجد، تصرف واحد أحمق يبعدهم عن المسجد.
 أنا مرة لفت نظري، زرت طبيباً مصوراً تصويراً شعاعياً، فلما عرف أنني أخطب في هذا المسجد، قال لي: والله أنا كنت أحضر عندكم العديد من الخطب، وكنت مسروراً جداً، لكن الذي منعني من المجيء إلى المسجد مرة صلى أمامي شخص رائحة جواربه كريهة جداً فنفرت، قلت: سبحان الله! دعوة طويلة عريضة، إذا الإنسان لم يغسل جواربه يقطع إنساناً عن المسجد؟ أنت محاسب، قال لي: أنا تأثرت تأثراً بالغاً ببعض الخطب، لكن منعني أني لم أجده هذا المستوى اللائق، الشخص يجب أن يكون دقيقاً جداً، لطيفاً، نظيفاً، معطراً، هكذا النبي علمنا.

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾

[ سورة الأعراف : 31 ]

 لأن هناك أخاً بجانبك:

(( كفى بالمرء سعادة أن يوفق في دينه ودنياه ))

ضرورة طاعة الله و عدم معصيته :

 و:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْماً أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، كفى بالمرء جهلاً أن يعصيه ))

[أخرجه الدرامي عن مسروق]

 أي أنت إذا أطعت الله أنت عالم، ولو أنك أمي، هذا كلام دقيق وخطير، أنت معلوماتك الدنيوية محدودة، لكن عرفت أن لك إلهاً عظيماً يجب أن تطيعه، معنى هذا أنك عالم:

(( وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعصيه ))

 لمجرد أن تعصي الله أنت جاهل، ولو كنت تحمل أعلى شهادة، هذه الشهادة حرفة من الحرف، أنت ذكيٌ في هذه الشهادة ونيلك لها، ولست عاقلاً، ما كل ذكي عاقل، العقل شيء والذكاء شيء، كل إنسان باختصاصه متفوق، أما إن لم يعرف ربه فهو أحمق، فهو غبي، فهو جاهل:

(( وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعصيه ))

الجاهل من يتكلم كلاماً خلاف كتاب الله عز وجل :

 و:

(( كفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 إذا كان له رأي مخالف للشرع، ومعجب به، هذا جاهل:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب : 36 ]

 أي إذا أنت لك رأي معين بموضوع القرآن، بت به، قال لك: أنا أنظر لكن لا أتأثر، أنا أتأمل الجمال الذي وهبه الله لهذه الحسناوات، أنا أسبح الله، أنت تتكلم كلاماً خلاف القرآن، فالإنسان حينما يتكلم كلاماً خلاف كتاب الله عز وجل فهو جاهل، فكر، كلامك يجب أن يوافق القرآن، وإلا فالإنسان جاهل:

(( وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه ))

 إن كان له رأي مخالف للشرع معجب به.

أخسر الخاسرين من يسعى لكسب شيء محدود و يضيع الباقي :

 و قال:

(( بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

 أي الشهرة مزلة قدم، أي:

(( الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا ))

[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]

 أما المشهور جداً فالشهرة أحياناً تقتضي أن تخالف الشرع، تخاف على هذه المكانة التي حصّلتها، هناك مواقف محرجة كثيرة، فمن أجل الحفاظ على هذه المكانة، وهذه الصلة مع فلان، ومع فلان، ومع فلان، وأنت حريص على بقاء هذه المكانة، فتزل القدم، وتعصي الله، فالشهرة، والتألق، وأن يسطع نجمك في المجتمع، هذه لها ضريبة كبيرة جداً، طبعاً إذا كان يمشي بالحق فلابأس، أما إن لم تكن تمشي بالحق فسوف تدفع ثمن هذه الشهرة دينك، فأنت من أخسر الخاسرين، أنك كسبت شيئاً محدوداً، فانياً، وضيعت الباقي.

كلّ إنسان مأمور بالعدل و الإحسان :

 و النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى))

 فالمشاحنة، والتدقيق إلى درجة متعبة، نوع من الشح.

(( وكفى بالمرء من الشح أن يقول: آخذ حقي لا أترك منه شيئاً ))

[ أخرجه الحاكم عن أبي أمامة ]

 أحياناً إذا عفوت عن مبلغ بسيط تكسب أخاك، ولأن تربح إنساناً أعظم من أن تربح الدنيا بأكملها، أحياناً تربح المال وتخسر إنساناً، أحياناً تربح إنساناً، وتخسر المال، الإنسان أغلى.
 أضرب لكم مثلاً واقعياً، أحياناً يكون الإنسان بالبدايات، لو فرضنا هناك قضية، خصومة مالية على مبلغ بسيط، على خمسة آلاف فرضاً، إذا أنت تمسكت، وأخذت هذا المبلغ منه قهراً، وكان هذا سبب تركه المسجد، فأنت محاسب، أما إذا تسامحت معه، واحتسبت هذا عند الله عز وجل فكسبته أنت، إذا كسبت هذا الإنسان لعل الخير يعود عليك أضعافاً مضاعفة، ما كل ربح ربح مادي، أحياناً شيء من التسامح، شيء من التساهل، شيء من العفو، لكن هناك نقطة دقيقة جداً أنت مأمور بالعدل، ومأمور بالإحسان:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل : 90 ]

 القضية إن لم يسعها العدل، يسعها الإحسان:

(( كفى بك إِثماً ألا تزالَ مُخاصِماً ))

[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 النفس الطويل بالخصومة، الحقد هذا إثم، مثلاً مشكلة وقعت، وانتهت، العفو من شيم الكرام.

(( كفى بك إِثماً ألا تزالَ مُخاصِماً ))

أكبر نصر أن تنتصر على نفسك :

 قال:

(( وكفى بالمرء نصراً على عدوه أن يكون في معصية الله ))

 لو كنت ضعيفاً، وعدوك أقوى منك، إذا كان غارقاً في المعاصي والآثام، فأنت المنتصر، أكبر نصر أن تنتصر على نفسك، إن انتصرت عليها فأنت المنتصر، لأن عدوك غارق في المعاصي والآثام، وهذه مؤداها إلى الهلاك في الدنيا والآخرة، فالعدو العاصي اتركه لوحده، سوف يسقط وحده، وسوف يؤدب وحده، وسوف يهلك، إذا كان عدوك في المعاصي فأنت المنتصر، أما إذا كان عدوك مستقيماً فأنت المنحرف، العبرة لا تسمى منتصراً إلا إذا كان عدوك في المعاصي والآثام.

الموت أكبر واعظ للإنسان :

 و:

(( كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى ))

[ أخرجه الطبراني عن عمار ]

 الموت أكبر واعظ، هل يوجد إنسان عزى أهل ميت؟ تجد البيت فخماً جداً، أين صاحبه؟ في مقبرة الباب الصغير، البيت أربعمئة متر، انظر الرخام، انظر التزيينات، انظر الجبسين، انظر الأثاث، الألوان المتناسبة، الزوايا الرائعة، التحف، أين صاحبه الآن؟ تحت التراب، بربكم لو أن لك بيتاً تملكه في أطراف المدينة، ليس له أبواب، ولا نوافذ، ولا كهرباء، ولا بلاط، ولا ماء، كله مهمل، خراب، وتسكن بيتاً مستأجراً، ولو كنت في بلدٍ نظامه الاستئجار، أن مالك البيت يضعك خارج البيت في أي ثانية، بلا إنذار، ولك دخل كبير، هل يعقل أن هذا الدخل الكبير تنفقه على تزيين البيت المستأجر؟ هذا البيت ليس لك، في أي لحظة يضعك خارجاً، فالبطولة والذكاء أن تزين ذلك البيت الذي تملكه فعلاً، والذي مصيرك إليه، أما أن تنفق المال في تزيين بيت مستأجر، لا تملك منه شيئاً، فهذا حمق بالإنسان.

من كان معافى في بدنه آمناً في سربه حاز على الدنيا كلها :

 وقال:

(( وكفى بالمرء شراً أن يحتقر ما قُرب إليه ))

[ أخرجه أبو يعلى والطبراني والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ]

 إنسان قُدم له طعام خشن، نعمة، ما قولك الإنسان تتعطل كليتيه عن العمل، والله مرة قال لي أحدهم كلمة أنا خفت عليه- القصة بالسبعينات- أنا معلوماتي عنه أنه يحصّل مليونين ربحاً في السنة، بالسنة يربح مليونين، كان الدولار بثلاث ليرات وثمانين قرشاً، كان ثمن البيت خمسة وعشرين ألف ليرة بالمهاجرين، قال لي: لا يعاش بهذا البلد، السوق مسموم، وكشّر، وغيّر وجهه، أعوذ بالله مرض مرضاً شديداً، أصابه مرض عضال، زرته، ماذا قال؟ قال لي: الإنسان يكفيه ألف ليرة بالشهر، هو أراد أن يقول: يا رب تعافيني، ويكفيني ألف ليرة بالشهر، لم يكفه مليونا ليرة والأمور كانت رخيصة جداً، تمنى ألف ليرة فقط في الشهر وأن يعافى، فالطعام ساخن، بارد، ملحه قليل.

(( وكفى بالمرء شراً أن يحتقر ما قُرب إليه ))

 أي إذا كان الإنسان أجهزته سليمة، معافى في بدنه، آمن في سربه، عنده قوت يومه، على الدنيا السلام.

الدعوة إلى التواضع :

 كان النبي متواضعاً جداً قال:

(( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراع لأجَبتُ ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

 أحدهم كان معزوماً على مُقدم لكن ليس بالمدينة، تعال اخرج وكله بالضمير مثلاً، معقول أن تركب للضمير حتى تأكل مُقدماً، هكذا النبي علمنا التواضع:

(( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))

العاقل من عوّد نفسه على الطعام الخشن :

 والنبي قال:

(( اخشوشنوا، وتمعددوا ))

 الإنسان يعود نفسه على الأكل الخشن، لأنه أحياناً يقل دخله، فحتى لا ينافق، ولا يأكل مالاً حراماً، ولا يقع بالآثام، وطن نفسك على خفض المصروف، فكل إنسان عاقل يهيئ نفسه أن ينزل مصروفه للنصف، إذا كان صاحب مبدأ، ووجد دخله قلّ، لا ينافق، أما الإنسان إذا تعود على الرفاه، فهو مستعد أن يبيع دينه من أجل أن يبقى في المستوى الذي تعود عليه، فالمترف أحياناً يكفر، وهو لا يشعر، فالنبي قال:

(( اخشوشنوا، وتمعددوا فإن النعم لا تدوم ))

 وقال:

(( كفى بالموت مزهداً في الدنيا، مرغباً في الآخرة ))

الاهتداء بسنة النبي و العودة إليها دائماً :

 هذه بعض الأحاديث الشريفة التي بدأت بكلمة كفى، والإنسان هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام إليه، هذا الكلام يجب أن تعود إليه لأنه متفق عليه عند العلماء، فالسنة وحيٌّ غير متلو، و النبي عليه الصلاة والسلام لا:

﴿ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3 - 4]

 فهذه الموضوعات يجب أن تكون بين أيدينا، ويجب أن نهتدي بها في حياتنا اليومية.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018