٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 39 - من سورة الحشر - تقوى الله في كل أمور الحياة، والتجمل في الطلب.


1996-02-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تقوى الله في كلّ أمور الحياة :

 أيها الأخوة الكرام؛ من أبرز الكلمات التي وردت في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة كلمة:

﴿ اتَّقُوا ﴾

[ سورة الحشر : 18 ]

 فهذه الكلمة وردت أكثر من ثلاثمئة مرة في كتاب الله، و

﴿ اتَّقُوا ﴾

 فعل أمر، أصل هذا الفعل: وقى، والوقاية لا تكون إلا من خطر، الإنسان يتقي النار، يتقي أن تحرقه، يتقي المادة السامة، يتقي الارتفاع الشاهق، يتقي أن يقع من هذا الارتفاع، فحيثما وردت كلمة

﴿ اتَّقُوا﴾

 معنى ذلك أن هناك خطراً علينا أن نتقيه، فإذا قلنا:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

[ سورة الحشر : 18 ]

﴿ اتَّقُوا ﴾

 عقابه،

﴿ اتَّقُوا ﴾

 ناره التي أعدها للكافرين،

﴿ اتَّقُوا ﴾

 سخطه،

﴿ اتَّقُوا﴾

 أن تعصوه،

﴿ اتَّقُوا ﴾

 أن تخرجوا عن منهجه، هذا معنى:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 إذاً

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 في الرحم، أي اتقِ أن تقطع الرحم ، اتقِ الله في أولادك، اتقِ ألا تعدل بينهم، فكل فعل

﴿ اتَّقُوا ﴾

 هناك معنى يلزمه، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اتقوا الله، واعْدِلُوا في أولادكم ))

[ البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن النعمان بن بشير ]

 إن لم تعدلوا يغضب عليكم:

(( اتقوا الله ، واعْدِلُوا في أولادكم، ثم قال : أَيَسُرُّكَ أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء؟))

[ البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن النعمان بن بشير ]

 ما من أبٍ على وجه الأرض إلا ويتمنى من أولاده أن يكونوا بررةً له، إن أردتهم بررة فاعدل بينهم، وهناك نقطة دقيقة جداً يغفل عنها بعض الآباء، لو أن لك ولداً صالحاً وآخر سيئاً، فأنت إذا انطلقت من أنك تكرم الصالح ليرتدع السيئ، هذا المنطلق غلط، إنك إن ميزت الصالح على السيئ، زدت السيئ سوءاً، اعدل بينه، وخلّ الصالح يتقرب إلى الله بخدمتك:

(( اتقوا الله، واعْدِلُوا في أولادكم ))

 أي أنا لا أتكلم هذا الكلام من فراغ، ترفع إليّ عشرات المشكلات، آلامٌ حتى العظم من الأبناء الذين ظُلموا من قبل آبائهم أو أمهاتهم.
 فالنبي عليه الصلاة والسلام جاءه النعمان بن البشير، قال:

(( إني نحلتُ ابني النعمان نُحلاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا بشير أَلَكَ وَلَد سِوَى هذا؟ قال: نعم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَفَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لهم مثل الذي وهَبْتَ لابنكَ هذا؟ قال: لا، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: فلا تُشْهِدْنِي إِذَنْ، فإِني لا أَشْهَدُ على جَور ))

[البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن النعمان بن بشير ]

(( اتقوا الله، واعْدِلُوا في أولادكم ))

 أي اتقوا أن تسخطوا الله بعدم العدل بين أولادكم.

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 1 ]

 أصلح نفسك، أصلحها بتزكيتها، أصلحها بتعريفها بربها، أصلحها بحملها على طاعتك، أصلح كل علاقةٍ بينك وبين الآخرين، علاقتك مع والدك، مع والدتك، مع إخوتك، مع زوجتك، مع جيرانك، مع أصحابك، مع شركائك، مع من يلوذ بك، مع من هم فوقك، مع من هم دونك،

﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

  ثم إن المؤمن مكلفٌ ليصلح أية علاقة بين شخصين.

(( اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ))

[ ابن ماجه وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 ليس في هذا العصر ملك اليمين، ولكن إنسان تحت سيطرتك، أنت صاحب متجر وهذا الإنسان موظف عندك، رزقه من خلالك، أنت تملكه، تملك أن تبقيه، أو أن تطرده، تملك أن تعطيه، أو أن تمنعه، تملك أن تعامله بالرحمة والإحسان، أو أن تقسو عليه، فهذا عندك مملوك.

(( اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ))

 أي إذا الله عز وجل رفع قدر الإنسان وجعله وصياً على بعض أشخاص، أحياناً يكون مديراً عاماً بدائرة، يكون رئيساً بدائرة، يكون مدير مدرسة، مدير مستشفى، فهذا الإنسان الذين يعملون معه، هؤلاء أمانة في عنقه، عليه أن يعدل بينهم، عليه أن يحسن إليهم، أن يعفو عن مسيئهم، أن يشجع محسنهم، قال:

(( اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ))

تطبيق نظام التكافل الاجتماعي :

(( والله الله في الضعيفين من النساء وما ملكت أيمانكم ))

[ الطبراني عن إسماعيل بن راشد ]

 المرأة ضعيفة، خلقت ضعيفةً من أجل أن تسكن إليها، فإذا استغليت ضعفها كي تقسو عليها فالله يغضب، أي لو شاء الله لجعلها أقوى منك، يوجد حالات نادرة المرأة أقوى من الرجل بكثير، في حالات نادرة حتى تتذكر القاعدة، هي خلقت في الأصل ضعيفة.

(( اتقوا الله في الضعيفين المرأة والصغير ))

 فالمرأة ضعيفة، لك أن تطلقها، ولك أن تظلمها، ولك أن تهجر البيت، ولك أن تأتي الساعة الثانية كل يوم، ولك أن تسبها، وأن تسب أهلها، بإمكانك هذا لأنها ضعيفة.

(( اتقوا الله في الضعيفين المرأة والصغير ))

(( اتَّقُوا الله، وصَلُّوا خمسَكم، وصوموا شهْرَكم، وأدُّوا زكاةَ أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا ذَا أمركم تدخلوا جَنَّةَ ربِّكم ))

.

[ الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ]

 هذه فرائض خمس، أديت الصلوات كما أراد الله، ثم صمت رمضان كما أراد الله، أديت الزكاة، ورأيتها مغنماً لا مغرماً، طابت بها نفسك، أطعت أولي الأمر فيما يرضي الله طبعاً:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 59 ]

 من هم

﴿ أُولِي الْأَمْرِ ﴾

 ؟ العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر:

(( اتقوا الله، وصلوا أرحامكم ))

[الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

 هذا نظام التكافل الاجتماعي، إذا كل إنسان تفقد أرحامه، إخوته، أخواته، خالاته، عماته، من يلوذ به، لا يوجد نظام أروع من هذا النظام، لذلك ربنا عز وجل أوحى إلى النبي الوحي غير المتلو، ألا تقبل زكاة أحدكم وفي أقربائه محاويج.
 أول شيء أقرباؤك، من يلوذون بك، لكن هذا التوجيه يفهمه أناسٌ فهماً ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، أي له قريب مستور، مكتف، يعطيه زكاة ماله ليرفهه، ليؤمن الحاجات الثانوية، لا، في هذه الحالة ينبغي أن تعطي الأفقر، تعطي الذي لا يجد قوت يومه، لا يجد طعاماً يأكله من المؤمنين، أحياناً ينحرف الناس من خلال هذا التوجيه، لتصب الزكاة على من يلوذون بهم، بقيت الزكاة في حلقةٍ مغلقة، لا، يجب أن توزع الزكاة على أكبر عدد ممكن، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ﴾

[ سورة التوبة : 60 ]

 جمع، ما قال: للفقير:

﴿ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾

[ سورة التوبة : 60 ]

 إذاً:

(( اتقوا الله، وصلوا أرحامكم ))

 أما إذا كان لك قريب فقير وأعطيته فالأجر مضاعف، هذه زكاةٌ وصلةٌ.

(( إِنَّ أَخْوَانَكم عِندنَا مَنْ طَلَبَ العمل ))

[ البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري ]

 أي هذه الولاية تعطى، لكن لا تطلب، من طلبها لم يكن أهلاً لها.

 

الحجر المغصوب في بنيان رهنٌ بخرابه :

 وقال أيضاً:

(( اتقوا الحجر الحرام في البنيان فإنه أساس الخراب ))

 بناء من عشرة طوابق، كله حلال، إلا أن هناك حجراً واحداً حراماً، حجر واحد في بناء حرام هذا الحجر رهنٌ بخراب البناء كله.

(( اتقوا الحجر الحرام في البنيان فإنه أساس الخراب ))

 طبعاً قس على هذا الشيء الكثير، أي شيء دخل في حرام، دخل في حق موقوف، دخل في ظلم، دخل في عدوان، هذا الشيء الصغير الذي ينطوي على ظلمٍ، أو عدوانٍ، أو حرام ربما سبب خراب البناء كله.
 سمعت قصةً حينما كنت في العمرة، رجل بدوي، له أرض في شمال جدة، فلما توسعت جدة طولاً، صار قطرها سبعين كيلو متراً، توسعت طولاً نحو الشمال، ذهب هذا البدوي ليبيع أرضه في أحد المكاتب التجارية، أصحاب هذا المكتب ثلاثة، اشتروا هذا المحضر بثمنٍ بخس، بخديعةٍ، واحتيالٍ، وإيهامٍ لصاحب الأرض، اُشتري هذا المحضر، وأُشيد عليه بناءٌ من اثني عشر طابقاً، أول شريك وقع من الطابق الأخير فلقي حتفه، الشريك الثاني مات بحادث سيارة، يبدو أن الشريك الثالث تنبه، وعرف أن هذا المال المغصوب من هذا الإنسان، أو الذي اغتصب عن طريق الاحتيال، والمراوغة هو السبب، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر إلى أن عثر عليه، ونقده الفرق، أن أرضك كان ثمنها مليونين، أعطيناك خمسمئة ألف، هذه ثلاثة أضعاف حصتي، فقال له هذا الإنسان- صاحب الأرض- باللغة البدوية: ترى أنت لحقت حالك، لحق نفسه.
 فالحجر المغصوب في بنيان، رهنٌ بخرابه، تجارة مبنية على ظلم، محل مغتصب، بيت مغتصب، هذا شيء مخيف، لأنه يقول العبد:

(( يا ربِّ يارب ومطْعمه حرام، ومشْرَبُهُ حرام، وملبَسَهُ حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجَاب لذلك؟))

[ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

(( ترك دانقٌ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد الإسلام ))

(( اتقوا الحجر الحرام في البنيان فإنه أساس الخراب ))

ضرورة التحري و التدقيق لاجتناب الكذب :

(( اتَّقُوا الحديثَ عني إلا ما عَلِمْتُم، فمن كَذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّدا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَده من النَّارِ ))

[ الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 الآن يقول أحدهم: أنا لا أكذب متعمداً، أنا أكذب سهواً، نقول له:

(( مَنّ حدّث عنِّي بحديث يُرى أنه كذِب فهو أحد الكاذبين ))

[ البخاري ومسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ]

 لو لم يعلم لِمَ لم يتحرَ؟ لِمَ لم يسأل؟ لِمَ لم يدقق؟ لِمَ لم يمحص؟ لِمَ لم يعتمد كتاباً صحيحاً؟ لِمَ لم يقل قولاً صحيحاً؟

 

الحذر من الدنيا و النساء :

(( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء ))

 هناك نقطة دقيقة، غالبية المسلمين، أي رواد المساجد مثلاً، طلاب العلم، هؤلاء بعيدون جداً عن أن يقعوا بالزنا، أو بالخمر، أو بالقتل، أو بالسرقة، لكن المرأة إذا لم تتقِ الله فيها قد تفتن، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن إبليس طلاعٌ، رصاد، وما هو بشيءٍ من فخوخه بأوثق في صيده للأتقياء من النساء ))

 لم يدخل في البرنامج أن تأكل مالاً حراماً، لم يدخلك في البرنامج اليومي أن تقتل، ولا أن تسرق، ولا أن تشرب الخمر، لكن إن كان هناك اختلاط ونظرت، هذه النظرة جرت من معصية إلى أكبر إلى أن تقطعك عن الله عز وجل.
 إذاً كل مؤمن عنده نقطة ضعف خطيرة، موضوع المرأة، المرأة كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن إبليس طلاعٌ، رصاد، وما هو بشيءٍ من فخوخه بأوثق في صيده للأتقياء من النساء ))

 لذلك المرأة لا تتقى إلا في البعد عنها، لأنه:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

[ سورة الإسراء : 32 ]

 في خطوات البداية سهلة، أما النهاية فحتمية، كالصخرة التي تزحزح من مكانها، حينما تزحزح لا تستقر إلا في قعر الوادي، لذلك:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 32]

الشّح مرض خطير علينا تجنبه :

 و :

(( اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ ))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله ]

 البخل:

(( فإن الشحّ أهلك من كان قبلِكم ))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله ]

 المال أحياناً يرافقه مرض الشح، أقرب الناس إلى صاحب المال يتمنى موته، وكيف يعيش الإنسان بين أناسٍ يتمنون موته؟ أما إذا كان كريماً فيتمنى أبعد الناس عنه حياته، فالشح مرض خطير.
 قال إنسان فقير لآخر غني: والله أتمنى أن أكون غنياً مثلك، ما الطريق الذي سلكته إلى الغنى؟ دلني، لم يكن هناك كهرباء، كان هناك شمع، قال له الغني: والله قصة طويلة، إذا حدثتك إياها أنفقنا هذه الشمعة جزافاً، سنطفئها، وأتحدث لك عن سبب الغنى، قال له: فهمت كل شيء، ما من حاجة لأن تكمل، فهمت لماذا أنت غني، من الشح.

(( اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ، فإن الشحّ أهلك من كان قبلِكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم ))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله ]

الكلمة الطيبة تقي الإنسان من النار :

(( اتَّقُوا النارَ ولو بِشِقِّ تَمْرَة ))

[ البخاري ومسلم والنسائي عن عدي بن حاتم ]

 أحياناً يتساءل الإنسان: ما الحكمة من صدقة الفطر؟ الصدقة معروفة، أما صدقة الفطر فتجب على الفقير والغني، تجب على الصغير والكبير، على المرأة والرجل، على العبد والحر، بل إنها يستحسن أن تنفق على الجنين في بطن أمه، إذاً من هو الذي تجب عليه صدقة الفطر؟ الذي يملك وجبة طعامٍ واحدة في بيته، قوت يومه- بيضتان مثلاً - الذي يملك وجبة طعام صغيرة تجب عليه صدقة الفطر، قال: لماذا؟ قال: ليذوق الفقير في العام كله مرةً طعم الإنفاق، الإنفاق له طعم طيب، ليذيق الله الفقير المحروم مرةً في العام طعم الإنفاق، العطاء، طبعاً الفقير له أن يأخذ الصدقة أيضاً، إلا في حالة واحدة، حالة واحدة يفعلها بعضهم وهذه تبطل الصدقة، يأتي اثنان يتفقان، أعطيك زكاة فطري، وتعطيني زكاة فطرك، معنى هذا أنه ما دفع شيئاً، إذا اتفق رجلان على أن يتبادلا صدقة الفطر كأنهما ما دفعا شيئاً إطلاقاً، أنت ادفع، والله عز وجل يلهم الآخرين أن يعطوك.

(( اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيِّبة ))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله ]

 كل إنسان يعلم كيف يتكلم كلاماً طيباً مع من حوله، أي كلمة إلقاء السلام بوجه باش، اعتذار لطيف، شكر لطيف، هذه تلين القلوب.

 

سقوط دعوة العالم إن تكلم بكلام غير صحيح :

(( اتقوا زلة العالم ))

 النبي معصوم، أما غير النبي فغير معصوم، فإذا أنت سمعت من عالم أشياء رائعة جداً، وجدت فيها خطأ، هذا الخطأ يبقى خطأ، خطأ العالم خير من صواب المريد، لا، هذه غير واردة، الخطأ خطأ، فأنت خذ الذي رأيته صواباً، وهذه التمس له عذراً بها، أو اسأله، أو تفهم القضية، أو اعذره لكنه ليس معصوماً.
 لذلك الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه رأى طفلاً على جانب حفرةٍ قال: إياك يا غلام أن تسقط، قال: بل إياك أنت يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم.

(( اتقوا زلة العالم ))

 أحياناً إنسان بمكان عليّ فإذا تكلم كلاماً غير صحيح، غير منطقي، غير مقبول، تكلم بغير قناعته، يقول لك: أنا مضغوط مثلاً، هكذا قيل لي، عندئذٍ هذه الدعوة تسقط، أو تجرح.

 

دعوة المظلوم ليس بينها و بين الله حجاب :

(( اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ))

[ الطبراني عن خزيمة بن ثابت ]

 شخص موظف في الجمرك، بعد أوقات الدوام رأى شخصاً يحمل حديداً- هو صاحب سيارة، هو ناقل فقط- قال له: لمن هذا؟ قال له: والله من عند فلان، فانطلق معه إليه، فلما رأى صاحب الحديد موظف الجمرك، قال له: هذا ليس لي، من هو المسؤول هنا؟ الناقل، الآن هكذا النظام، فهذا حلف له إيماناً مغلظة أن الحديد ليس لي، نقلته بأجر محدود، وعندي اثنا عشر طفلاً من المكان الفلاني إلى المكان الفلاني، وأنا لا أفقه بالقوانين، ما رضي منه إلا وصادر السيارة، وقع على رجليه يقبلهما، أنه أنا ليس لي علاقة، أنا ناقل، أنا فقير، نقلت من فلان إلى فلان، السيارة صودرت، وذهبت، هذا الذي أوقع به هذه العقوبة ظلماً، بعد ثلاثين يوماً كان يمشي وراء سيارة حديد، والطريق فيه بترول، فدخل بالسيارة، الحديد خارج من السيارة فدخل بالبلور فقطع رأسه تماماً، وألقي في المقعد الخلفي، ولا تزال السيارة إلى الآن موجودة في حرم الجمرك، أي:

(( اتَّقِ دعوةَ المَظْلومِ، فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ ))

[ البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]

 يوجد مجموعة أحاديث:

(( اتقوا دعوات المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار ))

[ ابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمر ]

((اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً ليس دونها حجاب ))

[ الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]

(( اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ))

[ الطبراني عن خزيمة بن ثابت ]

تجنب الظلم لأن الله هو المنتقم :

(( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ))

[ ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]

 لأن المؤمن عزيز النفس، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه:

(( فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا ))

[ ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]

 حول موضوع الظلم سمعت قصة قبل يومين، تركت في نفسي أثراً كبيراً، موظف لكن بيده الأمور، يستطيع أن يؤذي الناس- القصة من ثلاثين سنة- يأتي لعنده المواطن فيعذبه يومين، ثلاثة، أربعة، أسبوع حتى يوافق له، وله كلمة مشهورة، يقول لك: استوى، إذا استوى يوافق له، وهذه الموافقة تتم بثانية، وطلبه محق، لكنه إنسان سادي، هكذا يسمونه بعلم النفس، أي يتلذذ بتعذيب الآخرين، حتى يستوي، آتِ بهذه، اذهب، تعال غداً، بعد غد، قد يكون مثلاً من حلب، من دير الزور، طالع نازل بالباصات، بالفنادق، حتى يستوي تماماً مثل الشوندر، يقول لك: الآن سأوافق لك على هذه المعاملة، فالله عز وجل جعله مُقعداً حوالي عشرين سنة، وبأسوأ حال، وبأسوأ وضع، فالإنسان الذي يتلذذ بتعذيب الآخرين والله مشكلة كبيرة جداً، هؤلاء عباد الله وربهم كبير، وهو مطلع، بصير، فالإنسان قبل أن يقدم على تعذيب إنسان، أو على إيذاء إنسان، أو على إيقاع الضرر بإنسان يجب أن يعد للمليون، لأن الله منتقم، ما معنى منتقم؟ أي ينتقم للمظلوم من الظالم، للمعذب من الذي يعذبه.

(( أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُم ))

[ ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]

 يقول لك شخص: لابد من أن آخذ بالطريقة الربوية، لا، انتظر قليلاً، إذا رآك الله مصراً على طاعته يسر لك من طريق مشروع، أما إذا أنت سددت الطريق، سددت الباب، الباب مفتوح، لكن انتظر قليلاً.

 

الفرق بين إضاعة الصلاة و بين تركها :

 كان آخرَ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( الصلاةَ، الصلاةَ ))

[ أبو داود عن علي بن أبي طالب ]

 سيدنا عمر رضي الله عنه حينما طعنه الذي طعنه قبيل وفاته عندما صحا من ألمه ماذا قال؟ شخص مطعون، وعلى وشك الموت، ماذا قال؟ لا أحد يصدق، قال: هل صلى المسلمون الفجر؟ همه صلاة المسلمين، هل صلى المسلمون الفجر؟ أي الصلاة شيء مهم جداً:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

[ سورة مريم : 59 ]

 معنى

﴿ أَضَاعُوا ﴾

 تركوا؟ لا، ليس تركوا، ترك الصلاة شيء وإضاعتها شيء آخر، تركها ألا تصلي، أما إضاعتها فألا تستقيم قبلها، إن لم تستقم قبلها ضيعتها، أصبحت الصلاة طقوساً، حركات، وسكنات لا معنى لها، إن أضعتها أي إن خرجت عن منهج الله، لو فرضنا إنساناً بائعاً، كل نهاره يتحدث مع النساء الكاسيات العاريات، ومزح، وتأمل، فهذا ملأ عينيه من الحرام، أذن الظهر، ذهب ليصلي، هذا السلوك قبل الصلاة لا تتناسب مع الصلاة، سهر للساعة الثانية عشرة على مسلسل، قام ليصلي الفجر، هذه غير هذه، لا يتناسبون، إضاعة الصلاة ألا تستقيم قبل الصلاة، إن لم تستقم قبل الصلاة أضعتها، تقف كأنك:

﴿ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون : 4 ]

 فترك الصلاة شيء، وإضاعتها شيءٌ آخر، كان آخر كلامه:

(( الصلاةَ، الصلاةَ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ))

[ أبو داود عن علي بن أبي طالب ]

 هذه بعض الأحاديث الشريفة المتعلقة بكلمة:

﴿ اتَّقُوا ﴾

  والتقوى وردت في كتاب الله أكثر من ثلاثمئة مرة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 أن تتقي الله

﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

 أن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه، معنى

﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

  أن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره، وأنه تطيعه فلا تعصيه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018