٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 50 - حديث شريف - فرحة الصائم.


1996-02-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

بطولة الإنسان أن يصل إلى القمة و أن يبقى فيها :

 أيها الأخوة الكرام؛ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( للصائم فرحتان فرحة حين يفطر، وفرحة عند لقاء ربه ))

[ أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

 الصيام انتهى بقي الأجر، الأعباء انتهت، القيام انتهى، ترك الطعام والشراب انتهى، ترك البعال انتهى، بقي الأجر، والثواب، والرقي عند الله، لذلك:

(( للصائم فرحتان فرحة حين يفطر، وفرحة عند لقاء ربه ))

 لهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطريق فنادوا: اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة ))

[ أخرجه الطبراني عن أوس الأنصاري ]

 أي أنت برمضان أتيح لك أن تفتح مع الله صفحةً جديدة، أن تعود من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، فأنت بإمكانك أن تصل إلى القمة، لكن البطولة أن تبقى فيها، بإمكانك أن تحقق إنجازاً في رمضان، لكن البطولة أن تحافظ على هذا الإنجاز، بإمكانك أن تصوم رمضان، ولكن البطولة أن تصوم جوارحك بعد رمضان عن كل معصية، بإمكانك أن تصلي الفجر في جماعة في رمضان، ولكن البطولة أن تحافظ عل صلاة الجماعة بعد رمضان، بإمكانك أن تكون حازماً في غض بصرك في رمضان، ولكن البطولة أن تحافظ على غض البصر بعد رمضان، ليكون رمضان قفزة نوعية مستمرة، لا أن يكون رمضان قفزة ثم عودة ثم قفزة ثم عودة، يكون حال هذا الإنسان:

﴿ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ﴾

[ سورة النحل : 92 ]

 مكانك تحمدي أو تستريحي، تألق ثم انتكس، تألق ثم انتكس، ليس هذا هو الصيام الذي أراده الله عز وجل، أراد الله من الصائم أن يقفز قفزات نوعية متتابعة، متنامية، متعالية، أن يتابع الترقي، لا أن يدافع التدني.
 فغداً إن شاء الله هو يوم الجائزة، إنسان صلى، صام ثلاثين يوماً، وقام ثلاثين ليلة، وضبط لسانه ثلاثين يوماً، وضبط جوارحه ثلاثين يوماً، ما عليه إلا أنه كما ذاق طعم القرب في رمضان، أن يكون هذا القرب منسحباً على كل أشهر العام.

الحكمة من اصطفاء الله لشهر واحد و مكان واحد و إنسان واحد :

 ذكرت في أول خطبة إذاعية قبل رمضان بيومين أن الله حينما اصطفى رمضان من بين شهور العام، ما أراده شهراً للعبادة وحده، بل أراد أن ينسحب هذا الصفاء على كل أشهر العام، وعندما اصطفى بيته الحرام، أراد أن يكون هذا الصفاء في كل مكان، رمضان لكل زمان، والبيت الحرام لكل مكان، ولما اصطفى النبي العدنان، أراد هذا الاصطفاء أن ينتفع به كل إنسان، فهناك شهر اصطفي، ومكان اصطفي، وإنسان اصطفي، فالشهر ليعمم على كل الشهور، والمكان ليعمم عل كل الأمكنة، والنبي الكريم اصطفي ليكون نموذجاً لكل البشر، فالذي يصوم وينتكس مثله كمثل ناقةٍ عقلها أهلها، لا تدري لا لِمَ عقلت؟ ولا لِمَ أطلقت؟
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعتقنا من النار، وأن يتقبل صلاتنا، وصيامنا، وأعمالنا جميعاً، وأن نكون عند حسن ظن الله بنا، وأن نزداد تمسكاً بالحق، والتفافاً حول الحق، وأن نتعاون كما قال الله عز وجل:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة : 2 ]

من لوازم العيد لبس الجديد :

 يوجد لقطة لطيفة جداً، عن أحد أصحاب رسول الله، قال: كان لي حلة- حلة ثوب يبدو أنه جديد- فقال عمر: يا رسول الله، لو اشتريت هذه الحلة للوفد، وليوم العيد- انظر المؤمن يجب أن يكون له حلة جديدة، يلبسها في لقاء مهم، في عقد قران، في مناسبة، لأن المؤمن مكانته مكانة للمسلمين، هو سفير المسلمين- فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه الحلة للوفد إذا التقيت بالوفود، وليوم العيد- ففهم أن العيد من لوازمه أن تلبس الجديد، أن تعتني عناية زائدة بهندامك أنت، وأهلك، وأولادك، هذا من علامات البهجة في العيد، لبس الجديد، والمؤمن بالعيد مكلف أن يكون أكثر سخاءً على أهله من بقية الأيام، أنه يوم أكل، وشرب وجديد، ومرح.

العيد يوم برّ و إحسان و صلة رحم :

 الشيء المناسب إذا كان هناك أضغان، وأحقاد، وخصومات هذه كلها ينبغي أن تجمد، والعيد يوم العمل الطيب، يوم صلة الرحم، يوم البر والإحسان، يوم جبر الخواطر، يوم المسح على رأس اليتيم، هذا العيد عيد طاعة، المسلمون أعيادهم طاعات، وبر، وإحسان، وبعض غير المسلمين أعيادهم أعياد فسق، وفجور، وعصيان.

اتباع سنة النبي في العيد :

 كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، وكان يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً، ليلتقي مع أكبر عدد ممكن من المؤمنين، وكان إذا كان يوم العيد خالف الطريق، ذهب من طريق، وعاد من طريقٍ آخر، وكان لا يؤذن له في العيدين، صلاة العيد بلا أذان، والسنة أن تأكلوا شيئاً قبل صلاة العيد حتى نخالف الصيام، أن تأتوا إلى المسجد، وقد أكلتكم شيئاً ولو تمرة، هذه من السنة.
 والحمد لله رب العالمين
 وكل عامٍ وأنتم بخير

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018