٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 49 - من سورة البقرة والحشر - كيفية الخطاب التوجيهي بين الناس، وبين الذين آمنوا.


1996-02-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

مخاطبة المؤمنين بفروع الدين ومخاطبة عامة الناس بأصوله :

 أيها الأخوة الكرام؛ في القرآن الكرم آياتٌ تتوجه إلى الناس:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾

[ سورة البقرة : 21 ]

 وآياتٌ أخرى تتوجه إلى الذين آمنوا:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

[ سورة الحشر : 18 ]

 الفرق بين النموذجين التوجه إلى الناس، والتوجه إلى المؤمنين، أن الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الدين، ويخاطب المؤمنين بفوائده، أنت أيها الإنسان إذا آمنت بالله افعل كذا وكذا، أما لا يعقل أن تخاطب إنساناً بأمر تفصيلي ولم يؤمن بأصل الدين، وهذا درسٌ لنا، إن أردت أن تحدث إنساناً، لا ينبغي أن تبدأ بالتفاصيل، دخلت إلى بيت، ووجدت فيه صورة أخي حرام، صاحب البيت لا يصلي في الأصل، الدين ما أدخله في حساباته إطلاقاً، لا يوجد معنى إطلاقاً أن تقول: هذه الصورة حرام، وجدت بيده خاتماً من الذهب، أخي حرام، عرفه بالله أولاً، فإذا أردت أن تخاطب إنساناً شارداً خاطبه بأصول الدين، أما إن أردت أن تخاطب إنساناً مؤمناً بالله فخاطبه بفروع الدين، في الدين شيئان، الإيمان بالله وطاعته، فلابد من أن تؤمن بالأصل، وأن تتقرب لهذا الأصل بأمره، تؤمن بأصل الدين، وهو معرفة الله عز وجل، ثم تتقرب لأصل الدين بطاعته.

الإيمان بالله يدفع الإنسان إلى طاعته سبحانه :

 الآية هنا:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ﴾

  يا من آمنتم بي، يا من آمنتم أنني موجود، يا من آمنتم أنني كامل، يا من آمنتم أنني واحد، آمنتم بوجود الله، ووحدانيته، وكماله.
 النقطة الدقيقة أيها الأخوة أن الإنسان لمجرد أن يؤمن بالله عز وجل الإيمان الصحيح، الإيمان الذي أراده الله عز وجل، يندفع بشكلٍ غير معقول إلى طاعته.
 سؤال؛ عندنا قاعدة تقول: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الصلاة فرض، إلا أنها لا تتم إلا بالوضوء، فالوضوء فرض، فرضية الوضوء كفرضية الصلاة، لأن الصلاة التي هي فرض لا تتم إلا بالوضوء، إذاً إن قلت لك: أطع الله، هل تصدق أيها الأخ أن هناك فرضاً قبل أن تطيعه لا يقل عن فرضية الطاعة إطلاقاً؟ ما دمت أقول لك: أطع الله وطاعة الله عليك فرض، الحقيقة هناك فرض ينبثق من هذا الفرض، وهو معرفة الأمر، معرفة الله أطع الله، تقول: أين أمره حتى أطيعه؟
 الآن حينما يقول الله عز وجل:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 ينبثق من هذا الأمر فرض آخر هو معرفة أمر الله، ما لا تتم الطاعة إلا به فهي طاعة، ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، هل تتم طاعة الله من دون علم؟ إذاً معرفة أمر الله ونهيه فرضٌ عينيٌ على كل مسلم، معرفة أمر الله ونهيه فرضٌ عينيٌ على كل مسلم، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 هنا تنشأ قيمة الفقه، الفقه بعد الإيمان بالله، ليس هناك من علمٍ أشد خطورةً للمسلم من الفقه، الآن تجد مسلمين يصلون، ويصومون، ويردون المساجد، ويقعون بمخالفات كبيرة جداً، ثلاثة أرباع الشام كانت تضع أموالها عند شخص لأنه كان يعطي ثلاثة آلاف بالشهر على كل مئة ألف، هذا ربا، ربا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ما دام هناك ربح ثابت، ليس له علاقة بالحسابات وبالجرد هذا ربا، المشكلة أنه إذا أنت عرفت الله عز وجل، أهم علمٍ بعد معرفته أن تعلم أمره ونهيه، أي لم تستطع أن تطيعه إلا إذا عرفت أوامره ونواهيه، فمن قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 ينبثق فرض آخر هو معرفة أمر الله ونهيه.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 هناك معنى دقيق جداً في هذه الآية، أي أنت أطعت الله عز وجل، مثلاً غضضت البصر، هذا أمر، أمر بالقرآن، صدقت بلسانك، مثلاً كسبت المال الحلال، أنفقته في وجه مشروع، هنا نقطة ثانية، بعد أن تطيع الله

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 بعد أن آمنت بالله، وبعد أن عرفت الأمر والنهي، الآن طبقت الأمر والنهي.

طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كلّ مسلم :

 وهناك مهمة ثانية:

﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

[ سورة الحشر : 18 ]

 هذا العمل الصالح، الاستقامة سلبية، ما أكلت مالاً حراماً، ما كذبت، ما خنت، ما غششت، كله ما، لكن ماذا فعلت؟
 الآن طالب مثلاً، ما كذب جيد، ما تأخر جيد، ما كان رث الثياب جيد، ما كان غير نظيف جيد، لكن لم يدرس، نريد شيئاً إيجابياً الآن، أنت تلافيت الأخطار بالطاعة، لكن الآن تحتاج إلى تقدم، فهناك نقطة دقيقة بالدين، في الدين أوامر ونواه، وعطاء، وقرب من الله، فالإنسان إن لم يكن له عمل هو فقير، فقير بكل معنى الكلمة، سيدنا موسى عندما سقى لابنتي سيدنا شعيب:

﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص : 24]

 فبعد أن تعرف الله - كما قلت البارحة - من خلال آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، بعد أن تعرفه، أنت بالكون تعرفه، بأفعاله تعرفه، بكلامه تعرفه، الآن بالشرع تعبده، لهذا ورد في الحديث الشريف:

(( طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم ))

 تاجر لا يعلم أحكام البيع والشراء، سيأكل الربا شاء أم أبى، طبيب لا يعلم أحكام الجعالة، لأن أجره أجر جعالة، وليس أجر معاوضة، الطبيب، المحامي، المدرس له أحكامه الخاصة، إنسان يتعاطى مهنة معينة، ولها بالفقه أحكام كثيرة جداً، لا يعلمها، يجهلها، إذاً كيف يعبد الله عز وجل؟ وما قيمة معرفة الله من دون أن تعبده؟ لا شيء إطلاقاً، إذاً الأصل هو العبادة، لأنها أساس الدين كله، معرفة، عبادة، سعادة، السعادة مبنية على الطاعة، والطاعة على المعرفة، فإن عرفت ولم تطع لم تستفد شيئاً.
 إذاً:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 أي أطيعوا الله، إذاً كل أمر في كتاب الله يأمرك أن تطيعه ينطوي على أمرٍ باطن، أن تعرف أمره ونهيه، لذلك قالوا: نحن في رمضان، إذا إنسان دخل إلى مسجد، وقرأ كتاب فقهٍ فهو معتكف، إذا إنسان اقتنى كتاب فقه بالبيت، فقه مبسط، و هناك قضية متعلقة بالصلاة، بالصيام، بالبيع، بالشراء، بالرهن، بالحوالة، بالكفالة، بالإيجار، بالمضاربة، الآن مثلاً، يدخل اثنان في شراكة، إنسان بماله، وإنسان بجهده، يصابان بالخسارة، الخسارة على من؟ على صاحب المال، لأن المضارب خسر جهده، عمل سنة بالمجان، ما أخذ شيئاً، طبعاً إن لم يكن هناك عدوان أو تقصير، فلابد من أن تعرف أحكام المضاربة، إذا كنت تأخذ أموالاً وتقوم بتشغيلها، إذا كنت تضع مالك عند إنسان، لابد من أن تعرف أحكام المضاربة، إنسان يشغل مالاً، يقول لك: أنا لا أخسر، أنت كتلة جهل، إذاً أنت تأكل ربا، لا أخسر، لماذا لا تخسر؟ الذي يأخذ ويمد يده للربح، يجب أن يدفع خسارة، إذا كان هناك ظروف طارئة، ظرف طارئ، شيء كان استيراده ممنوعاً، له سعره، سُمح به هبط سعره، عندما هبط صار هناك خسارة محققة، هذا أمر ليس للإنسان علاقة به، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فتجد بالتجارة، بالمضاربة، بالبيع، بالشراء، بالحوالة، بالكفالة، أحياناً يقول لك: وضعت عندك أمانة، تلفت، أريدها، أنت ضامن، لا لست ضامناً إن وضعت هذه الأمانة في حرز مثله، لست ضامناً إن وضعت عند إنسان عشرة آلاف، وضعهم في صندوق حديد، إلى جانب ماله، صار هناك سرقة، الصندوق كله سرق، أما لو كان مالك بالصندوق، ومال الأمانة هذا بالدرج، فأنت ضامن، يجب أن تضع المال في حرز مثله، فبعد أن يعرف الإنسان الله عز وجل، بعد أن فكر بالكون وعرف أن له خالقاً عظيماً، رحيماً، حيّاً، قيوماً، غفوراً، رحيماً، علام الغيوب، بعد أن تعرفه أعظم علم ينبغي أن تنطلق إليه الأمر والنهي، الفقه، أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده.

أبواب العمل الصالح لا تعد و لا تحصى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 أي أطيعوا الله، لكن لا يكفي أن تطيعه وليس لك عمل صالح، أخوان كثر يطرحون عليّ هذا السؤال دائماً: نحن أول ما مشينا بالطريق تألقنا تألقاً لا يصدق، بعد حين ألفنا، أحوالنا ضاعت، صار أداؤنا للدين أداء شكلياً، فما الحل؟ وما السبب؟ أو ما العلة؟ الجواب واضح الله عز وجل قال:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 هي تماماً الاستقامة، هناك طريق إلى الله، كل معصية عقبة، الآن شخص يركب سيارة، وجد في الطريق مكعب إسمنت، بقي مسافة لا تكفي للسيارة، هذه مشكلة، كل معصية عقبة في سيرك إلى الله، أزحنا هذه العقبة، أزحنا هذه، أزحنا هذه، استطعنا أن نزيح كل العقبات، فالإنسان صار مستقيماً، لأنه كلما أزاح عقبة صار مستقيماً، الآن تفضل امش، ما مشى، قال لك: تفضل امش، أي اعمل عملاً صالحاً، فالعمل الصالح حركة، والاستقامة أن تزيل العقبات، استقامتك تعني أزلت كل عقبة في الطريق إلى الله، إطلاق البصر عقبة، يوجد حجاب، المال الحرام عقبة، الكذب عقبة، كل معصية من معاصي الشرع تعد عقبةً بينك وبين الله، فإذا أزلتها بالاستقامة، بقيت الحركة، الحركة هي العمل الصالح، فالآية جاءت:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

[ سورة الحشر : 18 ]

 هذا سؤال خطير ينبغي أن يسأله كل مؤمن، ما حجم عملي عند الله؟ أنت ماذا تعمل؟ هناك أعمال لا ترضي الله، وأعمال أصلها صحيح، والممارسة غلط، التجارة مشروعة لكن هناك مليون باب، مليون أسلوب بالتجارة حرام، أحياناً هناك عمل أصله حرام، إذا كان العمل مبنياً على إيقاع الأذى بالناس فأصله حرام، العمل أصله حلال، لكن الممارسة حرام، فلا يكفي أن تستقيم، ينبغي أن يكون لك عمل صالح، قال له:

(( يا بشر، لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة ))

[أخرجه الحاكم عن بشير بن معبد المعروف بابن الخصاصية ]

 من باب بعض الشواهد، شخص قال لك: أنا طبيب، طبيب جراح، أي إنسان مريض، فقير أجري له عملية مجاناً، هذا قدم بين يديه عملاً صالحاً، هذا إنسان ميسور الأحوال، قدم جزءاً من ماله تقرباً إلى الله عز وجل، هذا محام يقول لك: ابعث لي أي إنسان فقير لا يملك أجور المحاماة، أنا أدافع عنه لوجه الله، إذا لم يكن لك عمل صالح لا تبتغي به لا ديناراً، ولا درهماً، ولا سمعةً، ولا مكانةً، ولا مديحاً، ولا ثناءً، كيف ترقى إلى الله؟

(( يا بشر، لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة ))

 وكل إنسان يجب أن ينظر إلى عمله، وأنا لا أكتمكم أن أبواب العمل الصالح، والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن أن تكون محدودة، هي واسعة جداً.
 مثل بسيط، امرأةٌ أصيبت بورم خبيث في الدماغ، والله سبحانه وتعالى شفاها من هذا المرض، فلما شفيت، هي فقيرة لا تملك من الدنيا شيئاً، فما السبيل إلى التقرب إلى الله عز وجل؟ لمع في ذهنها فكرة، أن تطبخ الطبخ النفيس لأهل اليسار، أي للأغنياء، هؤلاء يحتاجون لطبخ من مستوى عال، بيتي، تطبخ لهم، وتأخذ الربح تدفعه للفقراء، عملت تقريب عشرين أو ثلاثين عملية لأمراض قلب بهذا الأجر، عملت بيتاً صغيراً تصنع هذا الطعام النفيس، هي لا تملك إلا القدرة على الطبخ، هذه إمكانيتها، هذه القدرة وظفت في الآخرة، ممكن.
 لا يوجد إنسان لا يملك إمكانات غير محدودة للعمل الصالح، لكل إنسان باختصاصه، أنا كتبت عبارة، قلت: أسرة جامع النابلسي، لو المسلمون كانوا كأسرة واحدة، كل إنسان قدم لهذه الأسرة من اختصاصه شيئاً، هذا بماله، هذا بعلمه، هذا بخبرته، هذا محام، هذا طبيب، هذا مهندس، هذا تاجر، بائع، تاجر عمار، إذا كنا نحن أسرة، وكل إنسان قدم لأفراد الأسرة من اختصاصه شيئاً لوجه الله لكنا في حال غير هذا الحال.

من نسي ربه نسي مهمته الأساسية في الحياة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

 إنسانة لا تملك من الدنيا إلا مهارة في الطبخ، وظفت هذه المهارة في الحق، فصار هناك دخل كبير جداً، كل هذا الدخل أنفقته في إجراء عمليات جراحية مستعصية، ارتقت عند الله عز وجل، قال:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 18 ]

 الآن اتقوا أن تعصونه، واتقوا أن تأتوه بلا عملٍ صالح، يوجد أمران بالتقوى؛ الأول منصب على الطاعة، والثاني منصب على العمل الصالح.

﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ* وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ﴾

[ سورة الحشر: 18-19 ]

 الله لا ينسى أحداً، لكن بعضهم قال: نسوا الله فأنساهم نسيان الله أنفسهم، إذا الإنسان نسي الله، نسي مهمته بالحياة، لأنك تعرف مهمتك من معرفة الله عز وجل، إن عرفت الله عرفت لماذا أنت في الدنيا، فإن جهلت أصل الدين، جهلت فرع الدين.

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 19 ]

 انظر الربط، لما فسق نسي الله، لما نسي الله فسق، هذه يسمونها علاقة ترابطية، فسق لأنه نسي، ونسي لأنه فسق، أي كل معصية تجر إلى غفلة، وكل غفلة تجر لمعصية، نسي ففسق، فسق فنسي، علاقةٌ ترابطية:

﴿ ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾

[ سورة الحشر : 19-20 ]

 أي ممكن أن توازن بين إنسان ساكن ببيت فخم جداً، بموقع مرتفع، مطل على منظر جميل، حول البيت حديقة غنّاء، في البيت كل ما لذّ من الطعام والشراب، مكيف، مدفأ، فيه أثاث، وأجهزة كهربائية، وإطلالة رائعة، وإنسان يجلس في سرداب، ينال من العذاب ما لا يطاق

﴿ لَا يَسْتَوِي ﴾

 بالدنيا، الآن بالدنيا مثلاً توازن بين إنسان بائع متجول بالمطر، بالحر، بالبرد، وإنسان بفاكس يقول لك: حققت مليونين، بفاكس واحد مثلاً، لا يستوي هذا التاجر وذاك البائع، تساوي جندياً غراً مع رئيس أركان؟ ممرضاً مع جراح؟

﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾

.
 الآن أوضح، وازن بين قطعة لحم متفسخة لها رائحة تخرج بها من جلدك لبعد مئة متر، وبين قطعة لحم مشوية، طازجة، الاثنتان لحم، هذه القطعة يسيل لها اللعاب، وتلك من شدة رائحتها تخرج من جلدك، والاثنتان قطعة لحم، لكن واحدة متفسخة، والثانية طازجة.

﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 20 ]

الفوز بطاعة الله ينسي كل متاعب الحياة :

 أخواننا الكرام، الشعور بالفوز شعور مسعد جداً، الفوز، التفوق، النجاح، الفلاح، أنت عندما توقن أنك فزت بطاعة الله، برحمة الله، هذا الشعور ينسيك كل متاعب الحياة:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحشر : 21 ]

 أي النبات يسبح، الحيوان يسبح، الجماد يسبح، وأنت لا تسبح؟ جبل، صخر أصم، لو أنزل عليه القرآن لتصدع من خشية الله، وأنت إنسان، مثقف بعقلك، بوعيك.
 والله مرة لي صديق، كنت أنا وإياه على مقعد دراسة واحد، وصل إلى منصب في الجامعة رفيع جداً، عميد كلية، توفي رجل، يجب أن نخرج بجنازته، فأنا سرت في الجنازة، فلما وصلنا إلى المسجد دخلت لأصلي، وبقي هو خارج المسجد، بقيت يومين أو ثلاثة أقول: يا رب، عمره حوالي ستين سنة، خمس وخمسون سنة، هو أكبر من أن يصلي؟! يحمل دكتوراه، عميد كلية، هو أكبر من أن يسجد لله عز وجل الذي خلقه من عدم؟ انظر الإنسان عندما يكون في غفلة، لا يصلي فرض صلاة، وإذا صلى هل هو مدان عند الناس؟ لا أبداً، أنا أصلي لله، كل الناس يصلون، فأي إنسان بالخامسة والخمسين لا يصلي هذا شيء كبير.

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

 مرة قال لي أخ: جاء من أوروبا إلى الشام برمضان، كوني مسافراً أنا مفطر، فلما وزعوا الطعام أكلت، وجد إلى جانبه إنساناً سويسرياً لم يأكل، فسأله، قال له: أنا صائم، إذاً ما الذي جاء بك إلى الشام؟ قال له: جئت في العشر الأخير لأتبارك بدمشق، قال لي: أنا صغرت، صغرت، وأنا مسلم، وأنا آكل برمضان، وهذا جاء أجنبي، جاء من سويسرا للشام حتى يمضي العشر الأخير، وصائم، وهو في الطائرة، إذا إنسان وازن نفسه مع إنسان طائع يصغر.

﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ* لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 20 -21 ]

 أيها الأخوة الكرام؛ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيده عليكم، ونحن في أتمّ الصحة، والسعادة، والقرب من الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018