٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 34 - من سورة فصلت - الولاية لمن تصح العلاقة معهم .


1996-02-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

التولي :

 أيها الأخوة؛ الإنسان إذا عرف الله، وعرف هدفه، وعرف الطريق الموصلة إلى الهدف، هناك شيءٌ يسرع حركته، وهناك شيءٌ يصرفه عن هدفه بعد أن عرف الله، وعرف هدفه، وعرف الطريق المؤدي إلى هذا الهدف، هناك شيءٌ يسرع حركته إلى هدفه، وهناك شيءٌ يصرفه، هذا الشيء ورد في القرآن في أماكن كثيرة، ورد اليوم في القراءة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة فصلت:30-31 ]

 موضوع التولي، الإنسان إذا تولى الله ورسوله والمؤمنين، هذا التولي يسرع خطاه إليه، أما إذا تولى غير المؤمنين فإنهم يصرفونه عن هدفه، الإنسان ضعيف، ولأنه ضعيف يحتاج إلى مرجع يرجع إليه، إما مرجع علمي، أو مرجع قوي.
 الآن أحياناً أقرأ بالصحف أن رؤساء وزارات في الدول الأجنبية بساعات الحرج يرجعون إلى بعض المنجمين، إلى بعض العرافين، الإنسان ضعيف، هكذا خلقه الله، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، الأصل أنه ضعيف، يحتاج إلى مرجع، ولا يوجد إنسان مهما علا، مهما تألق نجمه، مهما كان ذكاؤه حاداً، يحتاج إلى مرجع، مرجع علمي ومرجع قوي يلجأ إليه.
 النقطة الدقيقة في هذا الدرس: من مرجعك؟ إن كان مرجعك الله ورسوله والمؤمنون، أي إذا كان مرجعك الله عدت إلى كتاب الله، فهو بين يديك، إن كان مرجعك رسول الله، عدت إلى سنته، ماذا فعلت في مثل هذه المواقف؟ أو عدت إلى المؤمنين تستشيرهم، أو تحتمي بهم، موضوع الولاية موضوع مهم جداً، الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾

[ سورة آل عمران:28]

 لمجرد أن تستشير كافراً، أو أن تركن إليه، أو يميل قلبك نحوه، أو أن تستعين به، أو أن تستقوي به فلست مؤمناً، الآن موضوع الولاية هدفك واضح، أنت مؤمن، وهدفك العمل الصالح، والجنة أمامك، والطرق واضحة، لكن في الطريق إلى الجنة مشكلات، عقبات، مخاوف، أنت ضعيف، تحتاج إلى مرجع يهديك سواء السبيل، تحتاج إلى مرجع تتقوى به، تحتاج إلى مرجع تستنير به، تستنير، أو تتقوى، هذا المرجع ينبغي أن يكون الله ورسوله والمؤمنين.

تأديب الله لمن يتخذ الكافر مرجعاً له :

 الشيء الثاني:

﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾

[ سورة النساء :139]

 الله عز وجل هو العزيز، وهو الذي يمنح العزة، فإذا ابتغيتها عند غير الله كمن يبتغي شيئاً في غير مظانه، أي إذا الإنسان أحبّ أن يأخذ الدكتوراه، أين يذهب؟ يذهب إلى الأسواق أم إلى الجامعة؟ الدكتوراه بالجامعة، والحاجات بالأسواق، فمن طلب العلم بالأسواق يكون أحمق، لأن العلم مظانه في الجامعات، والأسواق فيها بضائع، وحاجات:

﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾

[ سورة النساء :139]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 موضوع متكرر كثيراً حوالي خمس وثلاثين مرة، لأنه موضوع حيوي، وحساس:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

[ سورة النساء :144]

 فأنت عندما تتخذ كافراً ترجع إليه، تستشيره، تتقوى به، تحبه، انظر ترجع إليه استشارةً، ترجع إليه تقوياً، ترجع إليه ولاءً، لأنك تحبه، قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

  وإذا فعلتم ذلك الله عز وجل سيؤدبكم، وسيعالجكم، وسيكون له عليكم سلطان، سلطان المعالجة.
 أي إذا كان الأب رحيماً، ورأى أن ابنه في حالة مرض شديد، لأنه أب، ولأنه وليه، ولأنه عالم، صار لهذا الأب على ابنه سلطان، يمنعه من بعض الطعام، يعطيه تعليمات قاسية جداً، بحكم أنه أب، وبحكم أنه عالم، يملك الرحمة والعلم معاً، فإذا ابنه انحرفت صحته، صار لهذا الأب العالم الرحيم سلطانٌ على ابنه يمنعه أن يأكل، يمنعه أن يخرج.
 وعندما يتخذ الإنسان الكافرين:

﴿ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

  الله عز وجل صار له عليه سلطان، هنا سلطان التربية.
 الآن إذا كان الإنسان متفوقاً في دراسته، شاب، وأخلاقه عالية مهما كان أبوه قاسياً، لن يجعل هذا الابن لأبيه عليه سلطاناً، أما الجلاء فكله أصفار، أو فيه سوء سلوك، صار للأب على ابنه سلطان التأديب، الآية الرابعة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة المائدة :57]

 لا تتخذ إنساناً يتخذ دينك هزواً ولعباً، والآن لا تتخذ إنساناً لا يقدر فيك إيمانك، لا يقدر فيك إخلاصك، لا يقدر فيك ورعك، لا تتخذه مرجعاً لك، لا تتخذه مرجعاً استشارياً، أو مرجعاً تتقوى به، أو مرجعاً ولائياً.

ضرورة أن يكون للإنسان مرجع مؤمن يرجع إليه ويتعاون معه :

 لكن الشيء الدقيق:

﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة المائدة :81]

 أي إذا الإنسان على درجة عالية من الثقافة لا يحتمل أن يصاحب جاهلاً، فوق طاقته، فإذا صاحبه، وارتاح إليه، وسكن إليه، الدليل أن هذه الثقافة مزيفة، أنه ليس مثقفاً مثلاً لذلك:

﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة المائدة :81]

 والإنسان حينما يدير ظهره للدين، يجعل الله أولياءه شياطين، يدله على كل منكر، على كل حماقة، على كل أذى، الإنسان أحياناً يستغرب، يعجب، كيف أن إنساناً شغله الشاغل إيذاء الناس، دون أن ينتفع من هذا الإيذاء، كيف يفسر ذلك؟ أنا أفهم أن إنساناً يؤذي إنساناً ليأخذ ماله، يؤذيه ليرقى على أكتافه، على أنقاضه، أما أن تؤذي الناس دون أن ينالك شيء، معنى ذلك هناك شيطان يسيرك.

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾

[ سورة مريم :83]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[ سورة الأنفال :72]

 أي أنت مؤمن، يجب أن يكون المؤمن وليك، ترجع إليه، تستشيره، تتقوى به، تحبه، هذه الولاية، مرجعية استشارية، ومرجعية تستعين بها، ومرجعية تركن إليها، ترتاح.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾

[ سورة التوبة :23 ]

 الأب أب، يعامل بأعلى درجة من الإحسان، أما لو أن الأب ضال، لا يصلي، قد يشرب، بعيد عن الدين، هذا الأب يحسن إليه دون أن يطاع في معصية.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾

[ سورة التوبة :23 ]

 أدِّ ما عليك واطلب من الله الذي لك، أما أنه يجبرك على معصية، على سهرة مختلطة، على أكل مال حرام، على طريقة ربوية في التعامل، وتقول: أنا سأرضي والدي فلا:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾

[ سورة التوبة :23 ]

 هناك آباء- أنا لا أتكلم من فراغ، أتكلم من وقائع- يجبرون أولادهم على السهر في النوادي الليلية، هناك آباء يجبرون أبناءهم على شرب الخمر، هناك آباء يجبرون أبناءهم على التعامل الربوي:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾

[ سورة التوبة :23 ]

 قال:

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾

[ سورة التوبة :71 ]

 الإنسان له مرجع، مرجعه مؤمن، يستشيره، مرجعه مؤمن، يتعاون معه، مرجعه مؤمن، يحبه، يركن إليه، تسكن نفسه إليه.

حاجة المؤمن إلى بيئة صالحة تسرع خطاه إلى الله :

 ثم إن الله سبحانه وتعالى يطمئننا، يقول:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس :62]

 أي كلمة:

﴿ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ﴾

 أي جعل هذا الكتاب منهجه، طبق أحكامه، أحلّ حلاله، وحرم حرامه، كلمة: أولياء لرسول الله، أي طبق سنته، طبقها في حياته، كلمة: اتخذ المؤمن ولياً له، أي ركن إليه، سهر معه، عندنا علاقتان؛ عندنا علاقات عمل، وعندنا علاقات حميمة، علاقات العمل لك أن تتعامل مع أي إنسان، ولو كان ملحداً، علاقة عمل، ليس فيها شيء، هذه لا تضيرك كمؤمن، أما العلاقات الحميمة، سهرة، رحلة، سفرة، شراكة، فالعلاقة الحميمة لا يمكن أن تكون إلا مع المؤمن، لأنه يصير هناك مداخلات، لو شاركت إنساناً كافراً سيحملك على أكل المال الحرام، على التعامل الربوي، لو أقمت علاقةٍ حميمة مع إنسان غير منضبط، لأجبرك أن تجلس مع زوجته، فلذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾

[ سورة التوبة :23 ]

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس :62]

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾

[ سورة هود:113 ]

 الظالم بمظهره أنيق، قد يكون غنياً، وقد يكون متعطراً، أما في أعماقه فنارٌ مضطرمة، نار البعد، نار الجفوة، نار اللعن، فإذا الإنسان أحبّ كافراً، وركن إليه، انتقلت هذه الحالة المخيفة إلى نفس المؤمن:

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾

[ سورة هود:113 ]

 من هنا قال عليه الصلاة والسلام: " اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر "، إنه إن أحسن إليك أحببته، فإن أحببته انتقلت أحواله التي لا تحتمل إليك، وبالعكس إن أحببت مؤمناً، أحواله العالية تنتقل إليك، يقول لك: أولياء أمتي:

(( الذين إذا رؤوا ذكر الله ))

[البزار عن عبد الله بن عباس ]

 و:

(( يا رسول الله نكون عندك تُذكِّرُنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعاتِ، ونَسينا كثيراً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تَدومُونَ على ما تكونون عندي، وفي الذِّكرِ، لصافَحَتْكم الملائكة على فُرُشِكُم، وفي طُرُقِكم ))

[مسلم عن حنظلة بن الربيع ]

 معنى ذلك الإنسان يحتاج إلى بيئة صالحة، كي تسرع خطاه إلى الله، وليجتنب بيئةً سيئةً، تقطعه عن الله عز وجل، البيئة الصالحة تسرع، والسيئة تقطع:

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[ سورة هود: 113]

من يعتمد على غير الله كمن يعتمد على بيت عنكبوت :

 ثم إن الله سبحانه وتعالى يقنعنا، قال: هذا الذي اتخذته ولياً، ترجع إليه، هو جاهل لأنه ما عرفني، عرف الدنيا فقط، هذا الذي اتخذته ولياً، تتقوى به، هو ضعيف، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، هذا الذي اتخذته ولياً تحبه، هو منقطع عني، فإن أحببته انتقلت أحواله الملتهبة إليك.

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

[ سورة الرعد 16 ]

 وهذا تعبير فيه بلاغة رائعة، إذا كان الولي الذي اتخذته ولياً من دون الله، لا يملك لنفسه

﴿ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

 فلأن لا يملك لغيره من باب أولى.
 إذا قلت لشخص: أريد لابني عملاً، ماذا يقول لك؟ يقول لك: لا يوجد، والله صعب، أما إذا قال لك: أنا ابني بلا عمل، لا أجد له مكاناً أضعه فيه، إذاً أنا لا أقدر أن أؤمن لابني عملاً، من باب أولى لا يوجد إمكان أن أؤمن لك عملاً.
 فإذا كان الإنسان هذا الولي لا يملك لنفسه

﴿ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

 فلأن لا يملك لغيره من باب أولى، الآن هذا الذي تتخذه ولياً من دون الله، بالتعبير الدقيق ليس شيئاً إطلاقاً، هو في قبضة الله، ضعيف، مفتقر إلى الله مثلك، الإنسان يتقوى بقوي، يتقوى بغني، يتقوى بعالم، الله هو القوي:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 41]

 طبعاً للكلام معنيان، بيت العنكبوت أي خيوط ضعيفة، بحركة تمزقها، أما بيت العنكبوت فأسرياً منهدم، لأنه دائماً المرأة الأنثى تأكل الذكر، العلاقة سيئة جداً فيما بين هذه الأسرة، فمنهدم اجتماعياً، ومنهدم مادياً، فمن اعتمد على غير الله كمن يعتمد على بيت عنكبوت.

اتخاذ الله عز وجل ولياً :

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ﴾

[ سورة الشورى :9 ]

 لماذا؟ قال:

﴿ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة الشورى :9 ]

 من ينبغي أن تتخذه ولياً؟ من حياتك بيده، ومن رزقك بيده، أهم شيء الحياة والرزق، الرزق والحياة لا يملكهما أحدٌ إلا الله، فاتخذ الله ولياً، لكن الله سبحانه وتعالى يبين الحقيقة الواقعة، قال:

﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الجاثية :19 ]

 الظلام يتعاونون، والكفار أيضاً:

﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنفال:73 ]

 إذا وجدت هناك تعاوناً بين الكفار، وتفاهماً، وتنسيقاً، فمن أولى أن يتعاون من هؤلاء؟ المؤمنون، فالكفار يتعاونون على الباطل، يتعاونون على فعل المنكرات، يتعاونون على إشاعة الفساد، يتعاونون على تحطيم القيم، يتعاونون على بناء مجدهم على أنقاض الآخرين، يتعاونون على ابتزاز أموال الناس، يتعاونون على تكريس الطبقية، أما المؤمنون فيتعاونون على الخير، على العطاء.

تمني الموت علامة أن الله وليك :

 ثم يقول تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

[ سورة الجمعة : 6]

 علامة أن الله وليك تتمنى الموت، لأنك تنقلب إليه.

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 157]

 أما حينما تخاف الموت خوفاً غير معقول، فهذا دليل أنك بعيدٌ عن الله عز وجل ولست ولياً له، علامة ولايتك لله عز وجل أنك لا تخشى الموت، مرحباً بالموت كما قال أحد الصحابة: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
 مرة هذه زلة قدم من سيدنا حاطب بن بلتعة، اجتهد اجتهاداً، لكنه أخطأ خطأً شديداً، حينما أرسل كتاباً إلى قريش، أعلمهم فيه أن محمداً سيغزوهم فخذوا حذركم، جاء الوحي إلى النبي وأبلغه بما وقع، أرسل أحد الصحابة إلى المرأة التي حملت الكتاب أدركوها في الطريق وأخذوا منها الكتاب، وجاؤوا به إلى النبي، فإذا فيه: من حاطب بن بلتعة إلى قريش، إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، سيدنا النبي استدعى حاطب بن بلتعة وقال: يا حاطب- قبل أن يقول له عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر إنه شهد بدراً- ما حملك على ما فعلت؟ قال: والله ما كفرت، ولا ارتددت، ولكن لم أكن لصيقاً بقريش- هو بعيد العلاقة معهم- أردت أن يكون هذا لي عندهم صنيعاً أحمي به أهلي ومالي في المستقبل، فقال عليه الصلاة والسلام: إني صدقته فصدقوه، لكن نزل قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة الممتحنة : 1]

الولاء للمؤمنين و البراء من الكافرين :

 ملخص هذا الدرس: موضوع البيئة التي تمضي بها وقت فراغك، العلاقات الاجتماعية، علاقات خارج العمل، موضوع الولاية، من وليك؟ من أصدقاؤك؟ من أحبابك؟ مع من تسهر؟ مع من تجلس؟ مع من تسافر؟ من تدعو إلى بيتك؟ تأكل مع من؟ تستشير من؟ تحب من؟ ترجع إلى من؟ تتقوى بمن؟ المؤمن ينبغي أن يكون المؤمنون أولياءه، وغير المؤمن ينبغي أن يكون الكفار أولياءه، الكفار:

﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

 على باطلهم، والمؤمنون ينبغي أن يكونوا متعاونين وإن لم يتعاونوا كانت:

﴿ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 73]

 والله أكثر شيء يدعو إلى العجب، تجد الإنسان الغير ملتزم على باطل، على معصية، على انحراف، يفكر، ويخطط، ويتعاون، ويضع نفسه في سبيل ما يسعى إليه، بينما المؤمنون الذين هم على حق، والذين هم عرفوا الله، وعرفوا اليوم الآخر يتنافسون ولا يتعاونون، يتدابرون ولا يلتقون، هذه مشكلة كبيرة جداً، إذا كنا كذلك لا نستحق النصر من الله، إذا كنا كذلك نسقط من عين الله، إذا كنا كذلك نحن لسنا جديرين بأن يأخذ الله بيدنا إليه أبداً، أي مؤمن مسلم لا تعاونه؟ لا تلتمس له العذر؟ لا تغض الطرف عن بعض أغلاطه؟ تشهر به وأنت مؤمن؟! وأما الكافر فتحبه وتواليه وتتغاضى عن أخطائه وتثني عليه وترجع إليه وتسأله وتستشيره وتتقوى به؟ والله هذه مشكلة كبيرة جداً، إن كنا كذلك لا نستحق من الله النصر أبداً، نسقط من عينه جميعاً، المؤمنون إن لم يفعلوا الإيواء، والنصر، والمعاونة، والبذل، والسخاء تكن:

﴿ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 73]

 الآن لو إنسان عرف الله، وعرف الطريق إليه، وهو في الطريق مع أشخاص، أنت بالطريق لست لوحدك تمشي وهناك أناس معك، يجب أن تختار في طريقك إلى الله المؤمنين، هؤلاء إذا نسيت ذكروك، إذا غفلت نبهوك، إذا وقعت أقالوك، إذا تضايقت طمأنوك.

(( الجماعة رحمة والفرقة عذاب ))

[ الطبراني والبزار عن النعمان بن بشير]

(( فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ ))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمر ]

 أنت تحتاج إلى أن تفعل شيئاً، ابحث عن مؤمن يعاونك، ابحث عن صاحب مصلحة مؤمن، إنك إن تعاملت معه، واغتنى من خلالك سيدفع زكاة ماله، وسينفق هذا المال في وجوهٍ مشروعة، أما إذا أغنيت كافراً فستقويه على المعصية، يرتاد الملاهي، ينفق المال على معاصي الله عز وجل، فينبغي أن يكون ولاؤك للمؤمنين.

العناية بالبيئة لأنها الطريق السالك إلى الله :

 مرة أخيرة؛ الولاء المرجعية أن ترجع إلى من إذا احترت بقضية، المؤمن يرجع إلى مؤمن، إما أن يرجع إلى الكتاب، أو إلى السنة، وإذا وقع في حيرة يرجع إلى مؤمن يعيش معه، يستنير بنوره، يهتدي بهديه، يسأله، يتقوى به، يعاونه، فينبغي أن يكون المؤمن وليك، وإلا فلست مؤمناً، هذا توجيه الله عز وجل، هذا الموضوع اليوم موضوع تربوي.
 الآن الطالب بالمدرسة، المدرسة فيها خمسمئة طالب، إن صاحب الطالب طالباً كسولاً، مقصراً، كثير الغياب، له انحرافات خطيرة، أخلاقية، ومالية، فهذا الطالب صرف عن هدفه، وسقط، وإن صاحب الطالب متفوقاً، أخلاقياً، هذا المتفوق سرع خطاه إلى هدفه، فالبيئة إما أنها مدمرة، وإما أنها مسرعة، إما أنها مسرعة إلى الله، وإما أنها مدمرة، فإن لم تكن لك بيئةٌ كاملة، المشكلة كبيرة جداً، وكم من إنسان صدقوني اغتالته أيادي الشياطين؟! قنعان، وفهيم، وذكي، وملتزم، لكن حينما اختار أصحاباً شريرين، اغتالوه، وسلكوا به الطريق المنحرف.
 أنا أعرف شخصاً صاحب معمل أقمشة، يشرب الخمر، تاب إلى الله وذهب إلى الحج، وعاد، جلس مع أصدقائه القدامى، فلما وضعوا الخمر ليشربوه، امتنع هو، فقال أحدهم: كم كلفتك حجتك؟ قال له: كلفتني خمسين ألفاً- القصة قديمة جداً- قال له: هذه خمسون ألفاً واشرب معنا، دفع له كلفة الحج، التوجيهات توجيهات شهوانية، الكلام كلام منحط، ليس لك مصلحة أبداً بصديق شرير.
 مرة كنت بدرس بالطاووسية، قام شخص انفعل أثناء الدرس، وعلى غير المألوف، وقف، وقال لي: يا أستاذ نقعد بالدرس فنحس حالنا بالجنة، نذهب إلى البيت فننسى كل هذه التوجيهات ونعيش مثل الناس، ما هذه القصة؟ هو تضايق، فأنا ألهمني الله جواباً مختصراً، قلت له: غيّر الطقم الخاص بك، يجب أن تغير الطقم خاصتك، ما دام الطقم القديم أصدقاء سوء، لا يوجد طريق، الطريق مغلق، كل الأصدقاء القدامى عليك أن تبتعد عنهم مرحلياً، إلى أن تتقوى، إذا تقويت ارجع، وخذ بيدهم واحداً واحداً، أما الآن أول التوبة، أول الصلح مع الله أنت بحاجة إلى بيئة عالية جداً.
 إذا كنا نريد البذرة الصغيرة، المزارعون يضعونها في تربة غنية بالمواد الأساسية، معقمة، وأهم شيء أنها معقمة، ثانياً غنية، فعندما يزرعون الخيار، يضعون البذرة بكأس صغيرة، يضعون لها تراباً مستورداً، غالياً جداً أغلى من القمح، أغلى من الطحين، هذا معقم، فيه مواد مغذية، فيه هرمونات، لأن البذرة ضعيفة جداً في البدايات، بهذه البيئة العالية جداً تنمو، بعد أن تنمو يضعونها في التراب العادي، لا يوجد مشكلة.
 فأنت أول الصلح مع الله بحاجة ماسة إلى بيئة عالية جداً، وإلا الشياطين يغتالونك، فقلت له: غيّر الطقم، لا يوجد طريق ثان، تغير الطقم، تجد نفسك تريد أصدقاء مؤمنين، إذا سهروا قرؤوا القرآن، ذكروك، أعانوك، أما هات لنلعب الطاولة فقد انتهيت.

(( من لعب النرد كأنما غمس يديه في لحم خنزير ))

[ ورد في الأثر ]

 الآن معظم الناس يسهرون على الطاولة، وعلى الشدة، وعلى أجهزة اللهو، وهذا الفيلم، وهذا الفيلم، أين بقيت الصلاة والإقبال والذكر الصباحي؟ كل هذا ذهب، إذا لم تغير الطقم الطريق إلى الله مسدود، يجب أن تختار أصدقاء من نوع جديد، أصدقاء مؤمنين، هذا موضوع الدرس اليوم، الولاية، يجب أن تتخذ المؤمنين أولياء لك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018