٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 33 - من سورة غافر - الإضلال الجزائي مبني على ضلال اختياري .


1996-02-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أنواع الإضلال :

 أيها الأخوة الكرام؛ يقول عليه الصلاة والسلام:

((حسن الظن بالله ثمن الجنة))

 فإن وردت في القرآن الكريم آياتٌ يبدو من ظاهر معناها أن الله يضل الناس، يضل من يشاء، فينبغي أن نقف عندها وقفةً متأنيةً، لنعلم حقيقة الضلال إذا عزي إلى الله.
 مرت اليوم آية توضح حقيقة الإضلال إذا عزي إلى الله، يقول الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ* فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ* ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة غافر: 70-73 ]

 أين الشركاء الذين عبدتموهم في الدنيا من دون الله؟ الذين ألهتموهم؟ عظمتموهم؟ عصيتم ربكم وأرضيتموهم؟:

﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ﴾

[ سورة غافر: 73-74 ]

 ما وجدناهم:

﴿ بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً ﴾

[ سورة غافر: 73-74 ]

 ثبت لهم أن هؤلاء الشركاء ليسوا شيئاً على الإطلاق، يقول الله عز وجل:

﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة غافر:74 ]

 فالله سبحانه وتعالى يضل الكافرين عن ماذا؟ عن ذاته أم عن شركائه؟ عن شركائه، معنى ذلك أن الإنسان في الدنيا لمجرد أن يضع الأمل في إنسان، أو أن يعلق عليه أحلامه، أو أن يطيعه، ويعصي الله، أو أن يعتقد أن الخير كله بيده، وأن الشر كله بيده، وأنه يعطي ويمنع، ويرفع ويخفض، إن اعتقدت مثل هذا الاعتقاد بإنسانٍ في الدنيا فالله سبحانه وتعالى كفيلٌ أن يضلك عنه، أو أن يضله عنك، لأنك إذا لم تشعر بالإحباط لا تعود إلى الله عز وجل.
 أحياناً الإنسان يدعو غير الله، فإن لباه، وأكرمه، واستجاب له، هذا الشرك يعمق في النفس، من أجل ألا يعمق الشرك في النفس، إذا اعتقدت أن غير الله ينفعك خيب الله ظنك، يضلك عنه ويضله عنك، فالإضلال إذا عزي إلى الله عز وجل، فالله جل جلاله من خلال هذه الآية يضل عن شركائه رحمةً بعبده، وتنبيهاً له، ومحاولة لفته إليه، هذا معنى.
 وقد يعزى الإضلال إلى الله كما كنت أقول لكم دائماً: هو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، وقد يعزى الإضلال إلى الله حكماً، بمعنى أنك إذا رفضت أصل الدين لن تستطيع أن تستفيد من تفاصيله، إذا رفضت دخول الجامعة لن تستفيد من مكتبتها، ولا من بطاقة الطالب فيها، ولا من المطعم المخفض الأسعار، كل هذه الميزات لن تستفيد منها، تضل عنك إذا رفضت دخول الجامعة مثلاً، فأحد أنواع الإضلال أن يضلك عن شركائه، وأحد أنواع الإضلال هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، وأحد أنواع الإضلال الإضلال الحكمي.
 إنك إن كنت في طريق، وافترق الطريق إلى طريقين، ورأيت رجلاً تسأله، قال لك: من هنا غايتك، فإن كذبته، معه معلومات كثيرة جداً، حينما سفهته وكذبته لن يعطيك من التفاصيل شيئاً، هو كأنه أضلك، لكنك رفضت دلالته كلياً، هذا نوعٌ من أنواع الإضلال، لذلك:

((حسن الظن بالله ثمن الجنة))

 الآيات التي يشم منها رائحة أن الله هو الذي أضلّ الإنسان، يجب أن تؤول تأويلاً يليق بكمالات الله عز وجل، وبأسمائه الحسنى.

 

الله عز وجل نسب العباد إلى ذاته تشريفاً لهم وتكريماً :

 ذكرت لكم من قبل أن كلمة عباد تعني جمع عبدٍ عرف الله، وتقرب إليه، فالعبد الذي جمعه عباد هو عبد الشكر، وأما العبد الذي جمعه عبيد فهو عبد القهر، ففي القرآن الكريم بضع عشرة آية وردت فيها كلمة عبادي، العباد معروفة، أما إذا قال الله: عبادي، أي نسب العباد إلى ذاته تشريفاً لهم، وتكريماً، فأنت حينما تقرأ في كتاب الله كلمة عبادي:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

 هذه الكلمة ينبغي أن تفعل في نفسك فعلاً عظيماً، يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 هو ينتظرك، ينتظر أن تدعوه، ينتظر أن تلجأ إليه، ينتظر أن تذكره:

(( لو يعلم المعرضون حبي لهم، وشوقي إليهم، وانتظاري بترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي في المعرضين فيف إرادتي في المقبلين؟))

[ حديث قدسي]

 شيء آخر:

﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ ﴾

[ سورة إبراهيم: 31 ]

 أنت أحياناً من إنسان تحبه، وتعظمه إذا جاءك منه أمر، تقول له: على العين والرأس، حاضر، أمرك، المحبة تدعوك إلى الطاعة، فالله سبحانه وتعالى يتودد إليك، وينسبك إلى ذاته تكريماً، وتشريفاً لك.

 

المسارعة إلى التوبة و الاستغفار :

 يقول لك:

﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

[ سورة إبراهيم: 31 ]

 أي سارعوا، كل شيء له أوان، فعل العمل الصالح بعد فوات الأوان لا قيمة له، والله سبحانه وتعالى لمحبته لنا، وحفظه إيانا، ينبئنا تطميناً لنا، قال:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾

[ سورة الحجر: 42 ]

 إذا كنت عبداً لله عز وجل لن يستطيع أي شيطانٍ على وجه الأرض، ولن تستطيع شياطين الجن جميعاً، ولا شياطين الإنس جميعاً أن يصلوا إليك:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾

[ سورة الحجر: 42 ]

 الذي يتبعك لك عليه سلطان، الإنسان إذا زلت قدمه ربنا سبحانه وتعالى يفتح له أبواب رحمته، قال:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الحجر:49 ]

 نبئهم، إذا أنبأتهم، يا رب ما القصد من ذلك؟ أن يسارعوا إلى التوبة، وإلى الاستغفار:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾

[ سورة نوح:10-12 ]

العداوة والبغضاء أساسهما الكلمات النابية :

 أيضاً:

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة الإسراء : 53 ]

 كلما ارتقى إيمانك تنتقي أجمل كلمة تقولها لأخيك، لذلك المؤمن لا يمكن أن يكون فحاشاً، ولا لعاناً، ولا طعاناً، ولا بذيئاً، ولا قاسياً في كلمته، وأحسن اسم تفضيل أي إذا كان هناك مئة كلمة حسنة، أنت مأمور أن تنتقي من هذه الكلمات المئة أحسنها، وألطفها، وأرقها، وألينها.

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الإسراء : 53 ]

 أي كلمة نابية، كلمة قاسية، كلمة شاردة، كلمة غير مدروسة، كلمة فيها استهزاء، كلمة تحجيم، كلمة فيها سخرية، كلمة فيها استعلاء، هذه الكلمات تسمح للشيطان أن يوقع بين المؤمنين، تقوم بمناقشته، ولا تفهم شيئاً، لا يجوز هذا، أدل بالحجة، وبين له خطأ فكرته، من دون أن تسبه، فالكلمة القاسية تعطي الشيطان فرصة ذهبية كي يوقع بينه وبين إخوانه العداوة والبغضاء، العداوة والبغضاء أساسها الكلمات النابية.

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الإسراء : 53 ]

 ثم إن الأمور تدور، وتدور، يصعد أناس، ويهبط أناس، ويغتني أناس، ويفتقر أناس، النهاية لا تستقر إلا على حقيقةٍ واحدة.
 ائتِ بكرة وضع في داخلها في أحد جوانبها قطعة رصاص، ودحرجها، مهما تدحرجت كيف تستقر وقطعة الرصاص في الأسفل؟ أحياناً يوجد كرات مجوفة، ضع في داخلها قطعة رصاص، ودحرجها، دحرجها، واضربها بقدمك، وحركها كيفما تشاء، لا تستقر إلا وقطعة الرصاص في أسفلها نحو الأرض.

 

عبادة الله علة وجود الإنسان في الدنيا :

 لذلك:

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء:105 ]

 الباطل له جولات، لكن هذه الجولات تضمحل، الباطل كما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

[ سورة الإسراء: 81 ]

 زهوق: صيغة مبالغة لاسم الفاعل، أي كثير الزهوق، وصيغ مبالغة اسم الفاعل لها معنيان، إما معنى نوعي، أو عددي، أي مليون باطل، المليون سوف تزهق، وأكبر باطل سوف يزهق، إن نوعاً أو كماً:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

  المؤمنون قال:

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ* فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ* إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 109-111]

 إذاً لا تتألم، ولا تعتب على من يسخر منك، لأنك التزمت طريق الحق، هؤلاء بله، إن كنت في نظر البله أبلهاً فأنت الذكي، وأنت العاقل، ولأن الله سبحانه وتعالى جاء بك إلى الدنيا لتعبده، فعلة وجودك على وجه الأرض عبادته، فإذا حال بينك وبين أن تعبده شيء، ينبغي أن تترك الأرض التي حيل بينك وبين عبادته، قال تعالى:

﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة العنكبوت:56 ]

 ليس لك عذر، أي يجب أن تكون في بلدٍ تستطيع أن تعبد الله فيه، أما من أجل المال، من أجل مكاسب تذهب أنت وأولادك وزوجتك إلى بلدٍ لا تستطيع أن تقيم الشعائر، الأولاد ينشؤون نشأةً منحطةً منحلة، فهذا ليس من الحكمة في شيء، الأصل أن تعبد الله، ابحث عن مكانٍ تستطيع أن تعبد الله فيه.

 

باب التوبة مفتوح دائماً :

 آخر آيةٍ وقد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:" إنها أرجى آيةٍ في كتاب الله":

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

(( عبدي لو جئتني بقراب الأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم جئتني تائباً غفرتها لك ولا أبالي ))

 إذا قال العبد: يا رب وهو عاص، قال الله: لبيك ثم لبيك ثم لبيك، باب التوبة مفتوح، والله ينتظرك، وحينما تتوب إليه، والله أيها الأخوة تنزاح عنك هموم كالجبال، كوابيس الشهوة ثقيلة على الإنسان، المعصية محطمة للإنسان، حينما تتوب تشعر بالحرية، وتشعر بالطلاقة، وتشعر بالكرامة، وتشعر بالطمأنينة، وتشعر بالتوازن:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018