٠02رمضان 1416 هـ - نظرات في آيات الله
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

نظرات في آيات الله - الدرس : 31 - من سورة ص - مفهوم الهوى، وكيفية إتباعه.


1996-02-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية السادسة والعشرون من سورة ص، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾

.

[ سورة ص : 26]

 الهوى الميل، الهوى الشهوة، الهوى مما اختص به الإنسان.

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 هذه الشهوات أودعها الله فينا في أصل خلقنا، لكن ما أودعها فينا إلا لنصل بها إليه، لنرقى إليه، ما أودعها فينا إلا لتكون سبباً لدخول الجنة، ما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسموات، أوضح مثال، أودع حبّ النساء في نفوس البشر جميعاً، يوجد طريقان: هناك قناةٌ نظيفة هي الزواج، وهناك انحرافٌ عن هذه القناة، فلك أن ترقى إلى الله بهذه الشهوة مرتين، مرةً إذا سلكت بها الطرق المشروعة، ومرةً إذا ابتعدت عن الطرق غير المشروعة، إذاً الهوى سلم نرقى به، تغض بصرك عن محارم الله فترقى، تتزوج فتملأ عينيك من التي أحلّ الله لك فترقى، ترقى في الأولى صابراً، وفي الثانية شاكراً، لذلك الطريق الوحيد للوصول إلى الله أن تطبق منهج الله، افعل ولا تفعل، انظر وغض البصر، هذا المال الحلال خذه، هذا المال دعه، فأساس الدين، أساس الجنة أن هناك هوى، هناك ميلاً، لا تنكر قلبك إذا مال، ولكن أنكر قلبك إذا انحرف، إذا سلكت الطريق التي رسمها الله لا شيء عليك.

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 المعنى المخالف لأصول الفقه من اتبع هداه وفق هدى الله لا شيء عليه.

 

اتباع الهوى أحد فخوخ الشيطان التي لا تخيب :

 لذلك موضوع الهوى موضوع دقيق، الآن هذه الطاولة لا تهوى، إذاً لا ترقى أما أنت تهوى فترقى، الحب، الميل، الهوى، الغريزة كلمات لها مؤدى واحد، إن طبقت منهج الله في الهوى، فعلت ما أمر، وتركت ما نهى عنه وزجر، ارتقيت، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

((أخوف ما أخاف على أمتي الهوى، وطول الأمل))

 طبعاً المقصود اتباع الهوى بغير منهج الله، المؤمن إنسان ضبط أموره، ضبط أهواءه وفق منهج الله، هذا المؤمن:

((الكَيِّس مَنْ دانَ))

 ضبط:

((نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت))

[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]

 قال: إن للشيطان فخوخاً، الشيطان عنده فخوخ، من أهم هذه الفخاخ اتباع الهوى، الهوى أحد فخوخ الشيطان التي لا تخيب.

(( أوحى الله تعالى إلى داود أنه ما من عبدٍ يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بيت ذلك مخرجاً))

 تكيده أهل السموات والأرض، هو يعتصم بالله، يقول: يا رب ليس لي إلا أنت.

((وما من عبدٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه))

[حديث قدسي]

 هذا هو التوحيد، أن تقول: يا رب ليس لي إلا أنت، وأن تستغني عن الناس، لو أن الأرض كلها كادت لك، جعل الله لك من بين ذلك مخرجاً، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إياكم والهوى، فإن الهوى يصم، ويعمي))

 إذا الإنسان اتبع هواه، يصبح أعمى، وأصمّ، لأن الشهوة قوة دافعة كبيرة جداً، أنا أشبه الشهوة مثل المحرك، منطلق بسرعة مئتين، إذا لم يكن هناك مقود دقيق، المقود هو الشرع، لن تبقى على الطريق، تنزل في الوادي، لو أنك واقف لا يوجد مشكلة، أما الهوى فتحرك، الهوى حركة، الآن هناك نمط سكوني، ونمط متحرك، الإنسان متحرك، ما الذي يحركه؟ الهوى، لولا الهوى لسكن، لا يوجد مشكلة إطلاقاً، لكن الهوى محرك، المحرك يحتاج إلى مقود، المقود هو الشرع، فالشرع مقود، والهوى الغريزة المحرك، الآن مقود بلا محرك لا قيمة له، مقود درجة أولى لكن لا يوجد متحرك، أو محرك بلا مقود دمار، مقود بلا محرك موت، سكون، أما محرك بلا مقود فدمار وهلاك، لذلك:

((إياكم والهوى، فإن الهوى يصم، ويعمي))

النهي عن طلب الدنيا من خلال الدين :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد سها ولها ونسي المبدأ والمنتهى، بئس العبد عبد بغى وعتا، ونسي المقابر والبلى، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين))

[ أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس ]

 أي يصل إلى الدنيا بالدين:

((يَخْتِل))

 يتوصل إلى الدنيا عن طريق الدين، مثل هذا الإنسان يقصمه الله عز وجل، إياك أن تلعب بدين الله، إياك أن تتخذ الدين مطيةً إلى الدنيا، دع الدين في السماء، اطلب الدنيا من مظانها، لا تطلب الدنيا من خلال الدين.

((بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات))

[ أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس ]

 أي هذه فيها فتوى، وهذه بلوى عامة، وهذه فيها رأي ضعيف أنا متمسك به، أي شهواته تدفعه إلى الوقوع في الشبهات:

((بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه))

[ أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس ]

ثلاث منجيات و ثلاث مهلكات :

 ويقول عليه الصلاة والسلام في موضوع الهوى:

((ثلاثٌ منجيات خشية الله في السر))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أي الإخلاص، لا أحد يطلع عليك، لكنك تقول: إني أخاف الله رب العالمين، الخشية في العلانية مشوبة بالخوف على السمعة، من يخشى الله أمام الناس، لا ندري ما إذ كان هذا يخشى أم يحفظ سمعته أمام الناس، لكن الذي يؤكد لك إخلاصك أن تخشاه وأنت وحدك، في خلوتك، لذلك: من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله:

((والعدل في الغضب والرضا))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أكثر الناس إذا غضبوا يتكلمون بأشياء غير معقولة، وإذا أحبوا يرفعون محبوبهم إلى أوج الصديقين، كن موضوعياً:

((أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

((والقصد في الفقر والغنى))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 لا يوجد إنسان إلا في ساعة الشدة يقول: يا رب، لكن بطولتك أن تقول: يا رب وأنت في الرخاء، في البحبوحة، لأن التجاءك إلى الله وأنت في الشدة حاجة، اضطرار، لكن التجاءك إلى الله وأنت في الرخاء معرفة، وإقرار، وشتان بين الحالتين، وقال عليه الصلاة والسلام:

((فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه:

((حتى إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعا، وهوى مُتَّبَعا، ودُنيا مُؤثَرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي فالزم بيتك، وانسك لسانك، فخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

 أي أخوانك المؤمنون:

((ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

النهي عن مقاطعة الأقرباء و الأخوان إلا بحالات نادرة :

 ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( الصرم ))

[ أخرجه الطبراني والبزار عن سعيد بن يربوع ]

 القطيعة:

(( قد ذهب ))

[ أخرجه الطبراني والبزار عن سعيد بن يربوع ]

 هذه عادة جاهلية، أن تقاطع أقرباءك، أن تقاطع إخوانك، تقاطع من يلوذ بك، هذه عادةٌ جاهليةٌ أبطلها الشرع.

((الصرم قد ذهب))

 طبعاً هناك حالات نادرة، إنسان مبتدع، يأتي بعقيدةٍ زائغة، يأتي بشيءٍ ما أقره الله عز وجل، ولا رسوله، إن صرمته ينبغي ألا ينتج عن هذه القطيعة فتنةٌ أكبر، نحن عندنا قاعدة في النهي عن المنكر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يحتاج إلى حكمة، فإذا نتج عن النهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تنهى عنه فلا كان هذا النهيُّ، الإنسان عنده موازين أحياناً تنهى عن منكر، فينشأ عن هذا النهي منكر أشدّ منه.

 

القضاة ثلاثة :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( القضاة ثلاثة؛ واحد ناج واثنان في النار ))

 أما القاضي الذي في النار:

((قاض قضى بالهوى فهو في النار))

 مع مصالحه، الطرف الأول أغراه بعطاء كبير، فقضى له، فهو في النار:

((وقاض قضى بغير علم))

 لا يوجد عنده رغبة ليدقق، لا يوجد عنده هوى، مشغول، لم يدرس القضية دراسة مستفيضة:

((قضى بغير علم))

 أو لم يطلع على القوانين، أو ليس متبحراً بالشرع :

((قضى بغير علم فهو في النار))

 قال:

((وقاض قضى بالحق فهو في الجنة))

 هناك رجل - هكذا من باب الدعابة- عدل سمع هذا الحديث فقال: في آخر الزمان قاضيان في النار، وقاضي في جهنم.

 

من هوي الكفرة حشر معهم :

 يقول عليه الصلاة والسلام:

((كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً))

[ أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

 أحياناً الإنسان يسافر إلى أوروبا، يرجع، يملأ الدنيا مديحاً، النظام، توافر الحاجات، الانضباط الذاتي، المنشآت، الجسور، الحدائق، المحلات، وينسى زنا المحارم، وينسى تفشي مرض الإيدز، وينسى تفكك الأسرة.
 قلت لكم قبل أسبوع: رئيس أميركا عمل تصريحاً قال: هناك ثلاث تحديات تنتظر العالم الغربي، التحدي الأول: تفكك الأسرة، والتحدي الثاني: انحلال الأخلاق، والتحدي الثالث: تفشي الجريمة، هم يرون أنفسهم في الحضيض، ونحن نؤلههم ونقدسهم، قال:

((كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً))

.

 

الهوى مغفورٌ لصاحبه ما لم يعمل به :

 الآن من رحمة الله بنا كما قال عليه الصلاة والسلام:

((الهوى مغفورٌ لصاحبه ما لم يعمل به، أو يتكلم))

 أي الميل الداخلي، لا تكلمت، ولا تحركت، هذا معفو عنه، ليس معناها أن تستمرئه، تقره، أحياناً تأتي خواطر، وقد تكون خواطر معصية، ما دمت لم تتكلم، ولم تتحرك مبدئياً لست محاسباً، لكن لو أنك لم تعالج هذه الظاهرة، تفاقمت، وانقلبت إلى عمل، لكن رحمةً بك إن خطر في بالك خاطرٌ لا يرضي الله، إن لم تنطق به، ولم تنفذه، لا شيء عليك مبدئياً، لكن هناك بادرة خطيرة، أحياناً الإنسان في المنام يرى نفسه يعصي الله، وأحياناً يرى نفسه يقرأ القرآن، يرى نفسه في مكة المكرمة، يرى نفسه يدعو إلى الله، فحينما يكون العقل الباطن في مستوى العقل الواعي فهذه نعمةٌ كبرى، أما حينما يكون العقل الواعي بخلاف العقل الباطن، لا بد من جهدٍ أكبر لتصل إلى طهر النفس، فلذلك:

((الهوى مغفورٌ لصاحبه ما لم يعمل به، أو يتكلم))

في الحياة طريقان لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة؛ في القرآن الكريم موضوعٌ دقيق متعلقٌ بالهوى، يقول الله عز وجل في سورة القصص في الآية الخمسين:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص: 50 ]

 أي في بالحياة اثنينية، طريقان لا ثالث لهما، فإن لم تكن على هذا الطريق فأنت على الثاني حتماً، الحق لا يتعدد، الحق واحد، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل قطعاً، وهذه الآية دقيقة:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 يوجد اثنينية؛ اتباع الحق، أو اتباع الهوى، أن تكون رحمانياً، أو شيطانياً، أن تكون منصفاً، أو محابياً مستقيماً، أو منحرفاً، مهتدياً أو ضالاً، تتبع العقل، أو تتبع الشهوة، تعمل للدنيا، أو للآخرة أبداً، أي لا يوجد حل ثالث، لا يوجد بين بين، مع الحق أو مع الباطل،

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

.

 

من ينطق عن الهوى يسقط من عين الله :

 إن أجمل ما وصف به النبي عليه الصلاة والسلام أنه:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النجم:3 ]

 أعتقد بعض الناس معظم كلامهم ينطقون به عن الهوى، عن مصالحهم، يمدح لمصلحته، يذم لمصلحته، الآن التجار الأتقياء إذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وصفه موضوعي، فإذا أطرى بضاعته بما ليس فيها، وذم بضاعة غيره بما ليس فيها، نطق عن الهوى.
 هناك طرفة، مرة أردت أن أشتري ستائر، فقال لي صاحب المحل: لا تصلح هذه الستائر إلا أن يكون عرض الستارة ضعف عرض الحائط، مع متر زائد، من أجل أن تأتي جميلةً، قلت: جيد، اقطع لي من هذا الثوب، قاسه فإذا هو أقل بمتر من ضعف عرض الحائط فعكس كلامه، قال لي: هذا المطرز على الفرد يأتي أحلى أستاذ، أي الآن نطق عن الهوى، الآن مصلحته أن يبيع هذا الثوب، فقبل دقيقة أعطى قاعدة، بعد دقيقة أعطى عكسها حتى يبيعه، طبعاً هذا مثل طريف.
 أما تسعة أعشار أقوال الناس عن هوى، ببيعه، بشرائه، بزواجه، إذا كان تزوج من إنسانة يصير ملكاً، تقياً، من أعرق الأسر في التقى، صار خلاف، يصبح أحط إنسان، لا المديح الأول صحيح، ولا الذم الثاني صحيح، ينطق عن الهوى، والإنسان إذا نطق عن الهوى سقط من عين الله.
 النبي رأى صهره مع الأسرى، لماذا جاء يحارب؟ جاء ليقتل النبي، لكن النبي الكريم يعرف أن فيه مزايا، فقال عليه الصلاة والسلام:

((والله ما ذممناه صهراً))

 الإنسان حينما ينطق عن الهوى يجب أن يقيّم ليؤيد فكرة معينة، هذا التقييم غير موضوعي، فأنت لست مؤمناً، أي لا يليق بالمؤمن أن يكون تقييمه غير موضوعي.

 

اتباع الهوى من دون منهج الله عز وجل عدوانٌ صارخ :

 لذلك الآية الكريمة:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 في هذه الآية رحمة، وهي أن الإنسان إذا اتبع هواه وفق منهج الله لا شيء عليه، الإنسان يحب المال، ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويحب المال، لكن هناك إنسان حبه فاضح، وإنسان أذكى يحبه بأعماقه، إذا أحببت المال، وكسبته من طريقٍ مشروع لا شيء عليك أبداً، إذا أحببت النساء، وتزوجت بالطريق المشروع لا شيء عليك.

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 ما علاقة:

﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

 بهذا الموضوع؟ حينما تتبع الهوى بغير هدىً من الله لابد من أن تظلم، إن أردت المال من غير الطرق المشروعة، لابد من أن تأخذه عدواناً، إن أردت المرأة من غير الطريق المشروع، لابد من أن تنحرف، فأي اتباع للهوى من دون منهج الله عز وجل عدوانٌ صارخ، لذلك:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

الهوى سلم نرقى به أو دركات نهوي بها :

 ثم يقول الهل عز وجل:

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان:43 ]

 فإما أن تعبد الله، وإما أن تعبد الهوى، وكل إنسان يعبد هواه، يعبد مصالحه، يعبد ذاته هذا إنسانٍ سقط من عين الله، ولأن تسقط من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعك أهون من أن تسقط من عين الله.

﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴾

[ سورة طه:16 ]

 موضوع الهوى موضوع دقيق، فالهوى سبب للجنة، سبب للرقي، الهوى سلم ترقى به، أو دركات تهوي بها، هذا الاختيار، كل شيء في الدنيا ممكن أن يوظف بالحق، أو بالباطل، الله أودع فينا الشهوات، إما أنها سلم نرقى به، أو دركات نهوي بها، ولا شيء آخر لهذا الهوى.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018