٠01رمضان 1415 هـ - قراءات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قراءات قرآنية - الدرس : 48 - من سورة نوح - وعد الله للمؤمن وما ينتظره من عطاء.


1995-02-26

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

نتائج الاستغفار :

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾

[ سورة نوح : 10]

 غفّار صيغة مبالغة ، ومعنى صيغ المبالغة إذا نسبت إلى الله عز وجل تحتمل معنيين اثنين ، الأول : أنه مهما كان الذنب كبيراً يغفره الله ، والمعنى الثاني : أنه مهما كانت الذنوب كثيرة يغفرها الله ، أي كماً ونوعاً :

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح : 10-12]

 إذاً الأولاد والبنون ، ومطر السماء ، والرزق الوفير ، من نتائج الاستغفار ، لذلك العلماء جمعوا الآيات المتعلقة بزيادة الرزق ، هذه الآية الاستغفار يزيد الرزق، والاستقامة :

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجن: 16]

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الأعراف: 96]

 الاستغفار ، والاستقامة ، وصلة الرحم تزيد في الرزق وفي الأجل ، إتقان العمل ، الصدقة ، هذه كلها فيها آيات وفيها أحاديث ، فمن أراد أن يزداد رزقه فعليه بتطبيق هذه الآيات وتلك الأحاديث ، أي تعاون بين الإنسان والجن هدفه إضلال البشر ، وهو محرم ، وهو كفر ، من سحر فقد كفر .

﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾

[ سورة الجن:6]

 أي تعاون بين الإنس والجن في سبيل إضلال البشر ، والذي يتعاون مع الجن يزداد رهقاً وشقاءً ، والآية واضحة بالقرآن الكريم :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191]

الفرق بين التفكر و التفكير :

 كما قال تعالى :

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾

[ سورة المدثر: 18]

 فالتفكر شيء ، والتفكير شيء آخر ، التفكر هدفه معرفة الله عز وجل ، أما التفكير فربما أوصلك الفكر إلى الحقيقة ، أو إلى الباطل .

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾

.

[ سورة المدثر18-25]

 معنى هذا أن العقل يشبه العين تماماً ، ما لم يكن هناك ضوء يكون وسيطاً بينك وبين الشيء فإنك لا تراه ، وما لم يكن هناك هدى من الله عز وجل يكون وسيطاً بينك وبين الحقيقة فلن تراها ، لذلك :

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[ سورة الحج : 46]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[ سورة المدثر :38]

 أنت أسير عملك ، الآن الإنسان إذا كان مستقيماً طليقاً ، ينام متى يشاء ، يذهب إلى حيث يشاء ، يفعل ما يشاء ، يسافر ، يقيم ، أما إذا كان مرتكباً جريمة فقد حريته ، وأصبح أسير عمله ، طبعاً هذا في الدنيا ، في القوانين ، أما عند الله عز وجل فالذي أكل مالاً حراماً ، المرابي ، الزاني ، شارب الخمر ، المعتدي ، الذي أضلّ الناس ، هذا الإنسان كان حراً أصبح أسير عمله السيئ :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المدثر: 38-43]

الصلاة عماد الدين :

 إذاً الدين كله صلاة ، أي ما كنا أصحاب دين

﴿ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾

 معنى هذا أن الصلاة هي عماد الدين كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين))

[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 ذكر .

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق: 19]

(( ليس للمرء من الصلاة إلا ما عقل منها ))

[ ورد في الأثر ]

(( الصلاة ميزان ، فمن وفى استوفى ))

[ ورد في الأثر ]

(( الصلاة معراج المؤمن ، لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل))

[ ورد في الأثر ]

(( الصلاة نور ، الصلاة طهور))

[ ورد في الأثر ]

 هذه الصلاة في القرآن الكريم ، إنها الدين كله ، سيدة القربات ، وغرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات .
 أحياناً ربنا عز وجل ، أنت تتوقع :

﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المدثر: 43]

 أي ما كنا أصحاب دين .

الاتصال بالله نتيجة حتمية للمعرفة والسلوك :

 إذاً ربنا عز وجل ضغط الدين كله في الصلاة ، أما الصلاة فتحتاج إلى استقامة ، والاستقامة تحتاج إلى معرفة بالله ، فالمعرفة أساس ، والسلوك أساس ، ثم الاتصال نتيجة حتمية للمعرفة والسلوك .

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

[ سورة المدثر: 45]

 الواحد لا يكون مع الخط العريض ، لا يكون مع الأغلبية الشاردة ، مع الأغلبية التي تلهث وراء صرعات الأزياء ، وراء المستجدات ، وراء الأشياء الفارغة المبهرجة ، كن مع الأقلية الواعية ، كن مع الأقلية المستبصرة ، كن مع الأقلية التي عرفت ربها ، كن مع الأقلية التي عرفت منهج ربها وسارت عليه ، هنا الآية :

﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

[ سورة المدثر: 43-45]

 ودقق في كلمة نخوض ، يدلي برأيه بلا علم ، بلا فهم ، بلا تبصر ، بلا دليل ، يجب أن يتكلم ، يجب أن يدلي برأي غير صحيح ، يجب أن يحارب الفكر الصحيح ، موضوع إثبات موجودية ، موضوع ترف فكري أحياناً ،

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

 الإنسان أحياناً يخوض في أمور غيره ، ومع الخوض شيء من عدم الذوق ، وأحياناً يوجد حمق .

تسمية الله عز وجل الموت باليقين :

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[ سورة المدثر: 45-47]

 لماذا سماه الله يقيناً ، قال تعالى :

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

[ سورة الحجر: 99]

 الله عز وجل سمَّى الموت يقيناً لأنه متيقن بوقوعه ، لا يوجد حدث أكثر واقعية من الموت ، ولأن الإنسان عند الموت يتيقن ما يقال له قبل الموت ، أقوال الأنبياء ، المرسلين ، العلماء قرأ القرآن هذه كلها أقوال ، أما عند الموت فتصبح هذه الأقوال كلها عنده حقائق .

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾

[ سورة القيامة :1-2]

 صاحب النفس اللوامة أثنى الله عليه في هذه الآية .

((مَنْ سَرَّتْهُ حسنتُه وسَاءَتْه سَيِّئَتُه فذلكم المؤمنُ ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمر]

 علامة المؤمن أنه إذا فعل شيئاً خاطئاً ، تكلم ، أكل شيئاً غير صحيح ، وقف موقفاً غير صحيح ، لا ينام الليل ، هذه حقيقة أساسية ، لذلك ورد في الحديث الصحيح :

((لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ))

[مسلم عن أبو هريرة]

 ظاهر الحديث فيه مشكلة ، الإنسان إذا فعل ذنباً وقال : ماذا فعلنا ؟ لم يحدث شيء ؟ معنى هذا أنه منته ، أما المؤمن إذا فعل ذنباً فيقلق أشدّ القلق ، يتألم أشدّ الألم ، يرجو الله أن يغفر له ، يستغفر ، يندم ، يبكي ، يتصدق ، يكفر عن ذنبه ، يفعل الصالحات ، فإذا كان عنده شعور بالذنب معنى هذا أنه حيّ ، وإذا لم يشعر بالذنب معنى هذا أنه ميت .

((لَو لَم تُذنِبُوا))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 أي لو لم تشعروا بذنوبكم ، أموات إذاً ، وانتهت مهمتكم .

((لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ ، فَيَغْفِرُ لهم))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

﴿ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[ سورة المدثر: 47]

 متيقن وقوعه ، وفي هذا اليوم تنتقل من الإيمان بالغيب إلى الإيمان الشهودي ، أصبح الموت يقيناً .

وصف أهل الدنيا :

 ربنا عز وجل وصف أهل الدنيا وهم ينغمسون إلى قمة رؤوسهم في جمع المال ، وجمع الدرهم والدينار ، واقتناص الفرص والشهوات :

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾

[ سورة المدثر: 50]

 ورد في الأثر القدسي :

(( عبدي لي عليك فريضة ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾

[ سورة المدثر:50-52]

 يريد ديناً تفصيلاً ، يريد ديناً فيه صلاة ، وصوم لكن فيه ربا ، يقول : لماذا حرم الله الربا؟ الله نهى عن الأضعاف المضاعفة ، يحتاج لدين فيه صلاة وصوم لكن فيه اختلاطاً مع النساء، يحتاج لدين فيه تساهل شديد ، يريد الإنسان غير المؤمن ديناً يقلبه على مزاجه ، الدين مقطوع به عقيدةً وسلوكاً ، وأنت عليك أن تشكل نفسك وفقه ، لا أن تشكله وفقك .
 كبروا الباهم فوجدوا نقطة ، أي مئة صفة ، إذا كان هناك سبع صفات من مئة تشابهت في باهمين فالإنسان واحد ، و هذا شيء مستحيل ، عرضوا مئة ألف باهم على باهم فلم يجدوا باهماً مثل الآخر ، ومع ذلك :

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[ سورة القيامة:4]

 بعض المجرمين نزعوا جلد الباهم وزرعوا جلداً من مكان آخر بمكانه ، حتى إذا ارتكبوا جريمة كي لا يكون للبصمات معنى ، الذي حصل أن هذا الجلد المزروع من مكان آخر بعد حين أخذ شكل باهمهم الأصلي ، هذا توقيع الباهم .
 والإنسان عنده أشياء ينفرد بها ، للآن قزحية العين ليس هناك إنسان على وجه الأرض تشبه قزحية عينه قزحية عينك ، لذلك الآن هناك أقفال إلكترونية على العين فإذا التقط الجهاز ثلث القزحية فتح القفل ، فالقزحية هوية ، والبصمة هوية ، ونبرة الصوت هوية ، وبلازما الدم هوية ، ورائحة الجلد هوية .
ثم الزمر النسيجية نصف هوية ، اثنان ونصف مليار زمرة نسيجية ، فأنت فرد وهذا من تكريم الله لك .

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[ سورة القيامة:3-4]

وصف المؤمن في الدنيا و الآخرة :

 دققوا في هذا المشهد :

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة:22-23]

 المؤمن المستقيم عمله صالح ، وجهه منير ، وله نظرة إلى الله عز وجل يوم القيامة .

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة:24-25]

 أنت الآن بالدنيا انظر إلى مجرم ألقي القبض عليه ، تجد نظره بالأرض ، وجهه جامد ، القلق باد عليه ، الخوف باد .

﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾

[ سورة القيامة:26]

 الروح :

﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾

[ سورة القيامة:27]

 من يرقى له ؟

﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

[ سورة القيامة:28-36]

 الآن شقة جامعية فيها مكتبة ، وفيها حديقة ، وفيها بيوت طلبة ، وفيها قاعات محاضرات ، وفيها مخابر ، لكن هناك امتحاناً ، سمعت بحياتك جامعة بلا امتحان ؟ بلا حساب ؟ كل إنسان داوم أخذ دكتوراه ؟

السبق العلمي في الآية التالية :

 ثم يقول تعالى :

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾

[ سورة القيامة: 36-40]

 لذلك هذه الآية فيها سبق علمي ، ما إذا كان الجنين ذكراً أم أنثى ، هو من جهة الحوين المنوي فقط ، ولا علاقة للبويضة في هذا الموضوع إطلاقاً .
 أما الحقيقة فأدركتها امرأة في الجاهلية قالت :

ما لأبي حمزة لا يأتينا  يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينـا وإنما  نعطي الذي يعطينــا
* * *

 أي الجنين إن كان ذكراً أو أنثى من الزوج ، أما المرأة فليس لها علاقة ، هذا يطلق امرأته لأنها أنجبت أنثى ، هو أحمق ، ليس لها علاقة ، طلق حالك . هذه نقطة دقيقة جداً ، هناك إنسان حلف على زوجته الطلاق إن أنجبت أنثى ليطلقها فأنجبت توأم إناث ، طبعاً الطلاق لم يقع .

الغنى والفقر بعد العرض على الله :

 آخر آية بسورة الإنسان :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾

[ سورة الإنسان:20]

 ممكن أن يكون قصراً مساحته تقدر بألفي متر ، ضمن غابة كبيرة ، ممكن ، لكن هذا بيت ، هذا ملك عظيم ، طبعاً أثرياء العالم لهم قصور ، ولهم يخوت في البحار ، ولهم طائرات خاصة ، ولهم قصور ضمن غابات ، ضمن غابات كبيرة ، قال لك : تمشي ساعة في الغابة والقصر بالداخل .
 أنا دخلت لقصر في بعض البلاد ، غرفة النوم مساحة خمسة بيوت عندنا ، غرفة نوم واحدة فيها سجادة بالميلي متر ، شيء لا يعقل ، هذا في الدنيا فكيف الآخرة ؟ قال :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان20-22]

 الآن ربنا عز وجل لا يطمعنا في الدنيا لكن المؤمن ينتظر عطاء كبيراً ، الآن الأوراق مختلطة كلنا يأكل ويشرب مثل بعض ، نأكل و نشرب و ننام ، والبيوت متشابهة ، غرفة ضيوف ، وغرفة نوم ، مركبة صغيرة ، يلبس بذلة ، قميصاً ، بنطالاً ، يشرب عرق سوس على الإفطار ، مثل بعض كلنا ، أما التفاوت فبالآخرة :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾

[ سورة الإنسان:20]

 ذاك التفاوت ، لذلك :

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 61]

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين :26]

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

[ سورة يونس: 58]

 الغنى والفقر بعد العرض على الله ، هذه لها أثر كبير

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾

 المؤمن ينتظره نعيم وملك كبير ، بسبب أنه ضبط نفسه في الدنيا :

﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً * إِنَّ هَؤُلَاءِ ﴾

[سورة الإنسان : 22-27]

 كلمة هؤلاء فيها شيء من التحجيم .

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

[سورة الإنسان : 27]

 أخواننا الكرام ؛ من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً ، كان حسابه يوم القيامة يسيراً ومن حساب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً :

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً * نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان : 27-28]

الله عز وجل خلق الإنسان في أحسن تقويم :

 الآن عظم الفخذ عظم عنق الفخذ يتحمل مئتين وخمسين كيلو ، العظمان يتحملان خمسمئة كيلو ، أصله ماء مهين ، شيء غريب ! السن بعد الألماس في القساوة ، من أين جاءت هذه القساوة ؟ وتر العضلات متين جداً ، أحياناً بالسكين لا يقطع معك ، وتر العضلات ، عضلة منتهية بوتر مربوط بنهاية العظم ،

﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾

 تحمل ابنك من يده فلا تخرج من مكانها ، معنى هذا أنها مدروسة ، الأربطة تتناسب مع وزن الطفل لو لم يكن هناك دراسة صحيحة لخرجت اليد من مكانها أثناء حمله أو شده .

﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾

[ سورة الإنسان :28- 29]

 معنى هذا أن الفطرة مؤمنة ، بالقرآن تذكرة ، يذكر بالفطرة .

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان :29]

 أنت مخير .

مشيئة الإنسان من فضل الله عز وجل :

 لكن :

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الإنسان ا : 30]

 لولا أن الله شاء لكم أن تشاؤوا لما شئتم ، مشيئتكم من فضل الله عز وجل ، إن دخلتم الجنة بمشيئتكم الحرة فلأن الله شاء لكم أن تشاؤوا .

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾

[ سورة الإنسان]

 اللهم أدخلنا في رحمتك ، يقول : يا أخي ! الله ما كتب لي الهدى ، هكذا الآية ، نقول له أكمل الآية :

﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الإنسان :31]

 من الذي لم يدخله في رحمته ؟ الظالم ، معنى هذا أن مشيئته مضبوطة بقواعد :

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الإنسان :31]

 معنى هذا أن الذي لم يدخل في رحمة الله فهو الظالم ، أما المنصف فيدخل في رحمة الله .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018