٠01رمضان 1415 هـ - قراءات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قراءات قرآنية - الدرس : 45 - من سورة الحديد - امتلاك الرؤية الصحيحة.


1995-02-25

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

علاقة كلّ إنسان مع الله فقط :

 أيها الأخوة الكرام ؛ معنى كثُر تكراره في القرآن الكريم ، وما هذه الكثرة إلا كي يترسخ في أنفسنا أنه لا إله إلا الله ، مثلاً :

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 62]

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود: 123]

 هنا الآية :

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الزخرف: 85]

 ملك ، ملك الله عز وجل غير ملكنا ، أنت تملك بيتاً لا تملك مصيره ، قد يأتي قرار تنظيم يذهب البيت ، قد يستملك ، أو قد تملك الرقبة ولا تملك المنفعة ، أو تملك المنفعة - مستأجر- ولا تملك الرقبة ، لكن الله عز وجل إذا قال :

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ،

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

[ سورة فاطر : 4]

 أحياناً يكون هناك دائرة ، فيها ألف موظف ، و مدير عام ، معاملة تتطلب تواقيع عديدة، أما البت النهائي بالموافقة أو عدمها فبيد إنسان واحد ، كل هذه براءات الذمة والموافقات لا تقدم ولا تؤخر ، إما أن تطوى الضريبة أو تحقق ، هم يقدمون آراء ، يقدمون دراسات ، مطالعات . فلما الإنسان يوقن أن أمره كله :

﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

[ سورة فاطر : 4]

 مطلقة يدخل بها كل شيء ، يا ترى اتساع شريان القلب داخل فيها ؟ أحياناً يغلق الشريان و يحتاج إلى ثمانمئة ألف حتى يتوسع ، أحياناً عمل الكلية يتوقف إلى الآن لم يعرف السبب ، فشل كلوي ، تشمع كبد ، أحياناً خثرة بالدماغ ، صار إنساناً آخر ، انتهى .
 فلذلك :

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

 علاقتك مع الله، لو استطعت بذكاء ، بطلاقة لسان ، بقوة إقناع ، بقوة حجة ، أن تنتزع من فم النبي المعصوم ، الموحى إليه ، الذي لا يخطئ ، صاحب المعجزات ، سيد الأنبياء والمرسلين ، انتزعت منه حكماً لصالحك ، بطلاقة لسانك فأنت لست محقاً ، ولا تنجو من عذب الله ، لأنه

﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

 ليس للنبي ، النبي مبلغ بلغك ، هو بشر ، أنت عندك طلاقة لسان أقنعته ، فحكم لك ، هكذا النبي قال :

((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار ))

[ابن ماجه وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة]

 إذا كانت فتوى النبي لا تنجيك من الله ، الأمر إذاً بيد من ؟

﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

[ سورة فاطر : 4]

بالشكر تدوم النعم :

 كل إنسان بيده مال ، هناك وهم أن هذا المال مالي ، أنا حصلته بكدي وعرق جبيني، غلط هذا المال مال الله ، وأنت مستخلف فيه ، ويدك عليه يد الأمانة ، وينبغي أن تنفقه وفق توجيه الله عز وجل .

﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ ﴾

[ سورة الحديد: 7]

 هذا كلام خالق الكون ، هناك قصص كثيرة جداً الإنسان يكون في أعلى درجات الغنى فإذا به ينقب بالقمامة ، أنا رأيت بعيني والله شخصاً ينقب بالقمامة ليأكل ، إذا ربنا عز وجل أعطى أدهش ، وإذا سلب أدهش ، فجأة من غنى فاحش إلى فقر مدقع ، لذلك :

(( يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إن نفرت قلما تعود))

[ ورد في الأثر]

 بالشكر تدوم النعم ، إنك إن شكرت النعمة قيدتها ، النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت ، أحياناً الإنسان يشرب كأس ماء يقول : الحمد لله ، الطريق سالك ، إذا صار معه انسداد والبروستات شدت لا ينام الليل ، الطريق سالك ، قام ومشى ، والله نعمة ، هناك أناس لا يستطيعون أن يقوموا من مكانهم ، قضى حاجته بنفسه ، هذه نعمة كبرى ، إذا الإنسان وقف ووجد نفسه سليماً معافى هذه النعم إذا شكرتها قيدتها ، النبي إذا دخل الخلاء :

(( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وأبقى لي ما ينفعني))

[ ورد في الأثر]

 أكل :

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى فيّ قوته ، وأذهب عني أذاه))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

 هناك أناس على السيروم ، أنت تأكل تفاحة ، تأكل صحن حمص ، تأكل جبنة ، شاي، فلذلك : وبالشكر تدوم النعم .

من آمن بزمن استضعاف المؤمنين فله أجر كبير :

 هناك نقطة مهمة : أحياناً الحياة لحكمة أرادها الله مرة الله عز وجل يقوي المؤمنين ، مرة يقوي غير المؤمنين ، فإذا كان الأقوياء غير المؤمنين صار المؤمن في خوف ، قد يكون مضطهداً ، قد يكون مستضعفاً ، إذا الإنسان آمن بهذا الزمان زمان استضعاف المؤمنين هذا له أجر كبير لأنه لا يوجد مكاسب ، بالعكس إيمانه واستقامته عبء عليه ، ومأخذ يؤخذ به ، مأخذ كبير أنه أنت هذا اتجاهك ، الله عز وجل طمئننا ، أحياناً الإنسان يعتنق فكرة ، ويدخل من أجلها السجون ، ويتعذب بعدها وصل للحكم ، الدخول للحزب بعد الحكم عمل سهل جداً ، كلها مكاسب أما قبل فمغارم ، كمثل ؛ إذا كان الإنسان مؤمناً ملتزماً بالزمن الصعب ، بزمن الفتن ، بزمن اضطهاد المؤمنين ، استضعاف المؤمنين ، له أجر كبير ، لأنه لا يوجد مكاسب أبداً ، بالعكس هناك أعباء كثيرة جداً ، فلذلك قال الله :

﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾

[ سورة آل عمران: 113]

﴿ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾

[ سورة الحديد: 10]

 هذا ليس المقياس ، هل إيمانك واستقامتك وانتماؤك لهذا الدين العظيم ووقوفك على حدود الله عبء عليك أم مكسب لك ؟ في عصور يكون مكسباً كبيراً ، مغنماً ، لذلك في مثل هذه العصور يكثر المنافقون عادة ، في عصور أخرى الإيمان ضعيف ، وغير المؤمن قوي ، هذا العصر الإيمان مغرم ، هذا الأجر حدث ولا حرج ، لذلك النبي قال :

(( اشتقت لأحبابي ، قالوا : أولسنا أحبابك ؟ قال : لا ، أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجرهم كأجر سبعين ، قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ، قالوا : ولِمَ ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

[ ورد في الأثر]

 إذا الإنسان استقام يجوز أن يحاربه أهله ، زوجته تقول له : أريد هذا الجهاز وإلا طلقني، أقرب الناس له تحاربه ، أحياناً والده يحاربه ، أخوه يحاربه ، شريكه يحاربه ، يقول له : ما هذا التزمت ؟ حلها برمة ، أي لا تستقم .
 فلذلك

﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾

﴿ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾

وصف المؤمن و المنافق :

 الحقيقة هناك آية في سورة الحديد من أدق الآيات في وصف المنافق :

﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الحديد: 12]

 أعمالهم الصالحة ، طلبهم للعلم ، وقوفهم عند حدود الله ، محبتهم لله ، إنفاقهم في سبيل الله .

﴿ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾

[ سورة الحديد : 12-13]

 طالب درس ، و لم ينم الليل ، وطالب لم يدرس أبداً ، يقول له : ساعدني بالله عليك ، كيف أساعدك ؟ يجوز أن تنقل بشكل خاطئ ، يجوز أن تكون الكلمة غير واضحة ، يكون السؤال لا يكتب نعم ، يأخذ صفراً ، فقال :

﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ﴾

[ سورة الحديد : 13]

 هذا الشيء مضى وقته ، هذه الحياة الدنيا الثمينة أضعتموها أنتم ، ضيعتموها في القيل والقال ، في الشهوات ، في الملذات ، في متع رخيصة ، إكراماً لشهر رمضان المبارك طاولة زهر وأركيلة ، تريد أن تصوم صياماً صحيحاً و أنت تلعب طاولة بالليل ، وتشرب أركيلة !! إكراماً لشهر رمضان المبارك - إعلانان وضعوهما - طاولة زهر وأركيلة .

﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ﴾

 أمضوا حياتهم في المعاصي ، والآثام ، والفجور ، والملذات وكان لهم مشاعر إسلامية ، يحب الإسلام إذا انتصر ، هذه لا تقدم ولا تؤخر ،

﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ﴾

 طبيب درس ثلاثاً و ثلاثين سنة حتى صار طبيباً ، وكتب الدكتور فلان ، وكتب وصفات ، قال له أحدهم : أنا أريد منك أن تعلمني أن أكتب وصفة ، قال له : هذه ملخص أعوام كثيرة في الدراسة كيف أعلمك إياها ؟ كل ملخص العلم بالوصفة .

﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ ﴾

  هذا العمل بالدنيا :

﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾

[ سورة الحديد: 13]

 لما سيدنا عمر اشتكوا من شدته ، قال : والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى .
 أحياناً يكون الموقف قاسياً جداً والقلب رحيماً جداً ، الموقف يحتاج إلى حزم ، هنا النقاش :

﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 14]

 ألم نكن معكم سواء ؟ زميلان بعمل ، اثنان من رواد المساجد الأول مؤمن والثاني غير مؤمن ، قالوا :

﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾

  نحن بحيّ واحد ، بحارة واحدة ، كنا بشركة واحدة ، كنا بقطاع واحد ، بالوظيفة ، نحن تخرجنا سواء بالجامعة ، كنا سواء بالعسكرية

﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾

﴿ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 14]

 في الدنيا ، أنتم أحببتم الدنيا .

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 14]

 توقعتم أن المؤمن يتحطم ، فأنت ابتعدت عن المؤمن ، وعملت معاصي حتى تنفي عن نفسك هذه التهمة .

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ ﴾

[ سورة الحديد: 14]

 لست متيقناً من الحقائق ، والله أعلم .

زعم المنجم والطبيب كلاهما  لا تبعث الأموات قلت إليكمــــــا
إن صح قولكما فلست بخاسر  أو صح قولي فالخسار عليكما
* * *

 يقول لك : إن شاء الله يكون هناك آخرة ، إن شاء الله يكون هكذا ، لكن لا نعرف ، عنده شك ، لا يوجد عنده يقينيات ، كل حياته مبنية على :

﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة الحديد: 14]

 الشيطان :

﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة الحديد: 15]

 أحياناً الإنسان يتواجد بصف لكن لا يدرس ، أما المظهر فواحد ، لابس بذلة فتوة ، أو يلبس لباساً جامعياً ، وعلى يده رداء أبيض ، لم يدرس إطلاقاً ، فهذا الإنسان لا يقيّم بمظهره ، ولا بمكان تواجده ، يقيّم بمضمونه وبنائه الداخلي .
 أنا مرة كنت قبل أن أخطب في هذا المسجد كنت أصلي الجمعة في مسجد في أحد المصايف خرجت مع المصلين ، إنسان وصل لسيارته زوجته بسيارته بشكل غير معقول إطلاقاً ، هذا ماذا كان يفعل بالداخل ؟ ممكن أن يتواجد الإنسان بمكان ، ممكن أن يشاركك بالمشاعر ، لكن إذا لم يكن هناك التزام فليس هذا هو الإيمان :

﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة الحديد: 15]

معاتبة الله عز وجل للمؤمنين :

﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

 الدنيا أعجبتكم ،

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾

  قلتم : إن المؤمنين في وضعهم مشكلة ، وارتكب المعاصي حتى ينفي عنه التهمة ، ارتكب المعاصي جهاراً حتى ينفي عنه التهمة .
 إنسان كان ببلد أجنبي مع مجموعة طلب لحم خنزير حتى لا يقولوا عنه صاحب دين ، هو مسلم ، والمشرف على الرحلة قدم لهم لحم ضأن ، قال له : أريد لحم خنزير ، طلب الخنزير حتى لا يقال عنه إنه مؤمن ، هو تربص ، خاف أن يقولوا إنه مع المؤمنين .

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة الحديد: 14]

 يوجد عتاب من الله :

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحديد: 16]

 ألم يحن الوقت يا عبدي ؟ .

إلى متى وأنت باللذات مشغــول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيـع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه  إن المحب لمن يحب يطيــع
* * *

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾

[ سورة الحديد: 16]

 هذا عتاب من الله ، كان يسمع هذه الآية قاطع طريق فيبكي ويتوب ، حتى العصاة قديماً من السلف الصالح ، العصاة ، قطاع الطرق كانت تهز مشاعرهم ،

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ﴾

  نحن ننتظرك يا عبدي ، أما آن الأوان ؟ ألم يلن قلبك ؟ ألم تندم على عملك ؟ ألم تخف من المجيء إلي يا عبدي ؟ إلى متى ؟

فيا خجلي منه إذا هـــــو قال لــي  أيا عبدنـــــــــــــــــــا ما قــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظــــــر ما به جـاء وعدنــــــــــــــــا
* * *

 إلى متى ؟ بالخامسة والخمسين لا يصلي ، إلى متى بالستين بالقهوة ؟ بالخامسة والستين للساعة الثانية عشرة بالطاولة ؟ ماذا تخبئ لآخرتك ؟

((هل ينتظر أحدكم إلا غنى مطغياً ، أو فقراً منسياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال))

[الحاكم عن أبو هريرة]

﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾

 أما آن الأوان ؟ أصبحت في الأربعين ، الأربعون سنّ النضج والكمال ، الشعر كله شاب .

(( عبدي كبر سنك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك فاستح مني فأنا أستحي منك ))

[ ورد في الأثر]

 ابتعد عن الاختلاط وعن المعاصي والأفلام ، أراد في رمضان أن يضبط الهوائي يريد المحطات كلها ، إلى متى ؟ برمضان ! برمضان يريد أن يضبط مئتي محطة ، يريد أن يسهر لا ليقيم صلاة الليل بل ليشاهد الأفلام ، هذا قيام ليل لكن من نوع ثان ، إلى متى ؟
 الثاني يريد أن يضبط الصورة لأنها مشوشة ، صعد إلى السطح فوجد شجرة أمام هذا الصحن نزل وأحضر سلماً و قصّ جزءاً منها ، فقص السلم فوقع و كسر ، هذا الشهر سمعت خمس قصص أو ست ، ضربة قاصمة برمضان يريد أن يرى المحطات كلها .

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾

 الإنسان ليس له حق بعد أن بلغ النضج ، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة .

ضرورة الابتعاد عن اللهو و اللعب :

 النقطة الدقيقة في هذه الآية :

﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ﴾

[ سورة الحديد: 20]

 اللعب تحدثت عنه سابقاً بالتفصيل أن كل شيء ليس له أثر مستقبلي ، و ضربنا مثلاً عن إنسان يلعب الطاولة و الثاني يقرأ كتاباً ، في هذا الكتاب حقائق غذائية ، اترك الدين ، أمور غذائية ، فأخذ قاعدة بأكله وشربه طوال حياته ، معنى هذا أن الكتاب الذي قرأه كان له أثر مستقبلي، هذا ليس لعباً أما كل شيء ينتهي مع نهايته فهذا لعب ، و الأخطر اللهو ، اللهو أن تشتغل بالخسيس عن النفيس .

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾

[ سورة الحديد:22]

 هذه الهاء إذا أعدناها على المصيبة المعنى رائع ، المصيبة هذه جاءت لحكمة بالغة جاءت بعد النظر في صحيفة الإنسان ، الطبيب أحياناً يعطونه إضبارة المريض فيجد أن الضغط عال فيقول : أوقفوا الملح ، متى قال : أوقفوا الملح ؟ عندما وجد أن الضغط مرتفع ، وجد الشحوم زيادة أوقفوا المواد الدسمة ، فالطبيب الرحيم أخذ قراراً بعد أن قرأ اللوحة ، فهذه المصيبة ما جاءت اعتباطاً ، ليست مكتوبة مسبقاً ، لا ، هذا الإنسان استحق هذه المصيبة بناء على معطيات ، على انحرافه ، على استقامته ، على إقباله ، على إعراضه ، كانت هذه المصيبة ،

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾

 المعنى يختلف اختلافاً كبيراً بين أن تعيدها على النفس من قبل أن تخلق هذه النفس هذه المصيبة مكتوبة عليها ، أو من قبل أن نبرأ المصيبة ، قبل أن تقرر هذه المصيبة كان هناك نظر لحال الإنسان ، لأنه :

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾

[ سورة الرحمن: 29]

العقل يكمل الكون وهو أداة فهم القرآن :

 الملاحظ في الآيتين :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 7]

 هنا :

﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الحديد: 25]

 معنى هذا أن العقل يكمل الكون ، والعقل أداة فهم القرآن ، فالله عز وجل له آيات تكوينية ، وله آيات قرآنية ، أعطاك قوة تعلّم ، قوة التعلم هذه القوة الإدراكية إذا سلطتها على الكون عرفت الله ، وإذا أعملتها في القرآن عرفت الله ، فجاء الميزان وهو العقل مع القرآن ومع الكون ، الكون بلا ميزان لا قيمة له ، والكتاب من دون قيمة تعلميّة لا قيمة له .
 لذلك الله عز وجل أورد كلمة الميزان الذي هو العقل مع الكون تارة مع السماء :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 7]

 ومع القرآن .

الادعاء الباطل لأهل الكتاب :

 أما هؤلاء الذي يصفونهم بأنهم أهل الكتاب فليسوا عند الله أهل كتاب ، الدليل قال تعالى:

﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ﴾

[ سورة الحديد: 27]

 حدثني أخ من إخواننا الكرام أحضر لي قصاصة جريدة من شيكاغو ، أن نفقات الحفاظ على سعر اللحوم بأمريكا بليونا دولار ، كيف ؟ يعطون مربي البقر مبالغ طائلة لقتل أبقارهم ودفنها ، حتى السعر يبقى مرتفعاً ، في أستراليا يوجد عشرون مليون غنمة قتلوها بالرصاص ودفنوها بالأرض، في أمريكا يتلفون محاصيل الفواكه ويسممونها للحفاظ على سعرها ، هذه رحمة هذه ؟ شعوب تموت من الجوع ، انظروا إلى صور الناس بإفريقيا و بالصومال ، مئات الألوف تموت جوعاً هم يدفعون اثنين بليون دولار ثمن أبقار مقتولة ومدفونة للحفاظ على سعر اللحوم المرتفع .
 قال لي أخ كان بهولندا و قد رأى هذا رأي العين ، قال لي : رأيت نهراً أبيض ، شيء لم يره في حياته ، ما هذا ؟ قال : هذا من الحليب ، يصبون الحليب بهذه القناة حتى يبقى السعر مرتفعاً ، إنتاج كبير جداً ، قال : فائض الزبدة بأوربا تعادل أهرامات مصر بحجمها ، يتلفونها كلها وشعوب تموت من الجوع ، يبيعونها أسلحة فقط من أجل أن تتحارب مع بعضها ، أي رحمة هذه ؟ هؤلاء ليسوا أهل كتاب ، لو كانوا أهل كتاب لكان في قلبهم رحمة على هذه الشعوب :

﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة الحديد: 27]

 لأنها غير واقعية ، لذلك :

﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحديد: 27]

 هم حينما كتبوها على أنفسهم ادعوا ذلك لكن :

﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة الحديد: 27]

 وهم في هذه الرهبانية ، قصص الزنا والانحراف حدث ولا حرج في صفوف هؤلاء الذين تركوا الزواج ادعاء أنهم يبتغون مرضاة الله عز وجل .

الرؤية الصحيحة ثمن من آمن بالله :

 آخر آية ، هذه آية مطمئنة جداً يا إخوان :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28]

 كفالتان ؛ كفالة في الدنيا وكفالة في الآخرة ، من الكفيل ؟ الله عز وجل ، أنت مع الله لن تضام ، لن تؤذى ، لن تُظلم ، لن تضيع ، لن يحجد حقك ، لن تهدم حقوقك :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد: 28]

 تملك رؤية صحيحة ، الذي يسرق ماذا يرى ؟ أن عمله عظيم ، فيه ذكاء ، بجهد قليل أخذ مالاً كثيراً ، بعد ذلك يشنق ، الذي يقتل ماذا يرى ؟ يرى أنه بهذا القتل ينجو ، أُعدم بعد حين ، المجرم صنفوه مع الأغبياء ، وصل لهدفه بطريق غبي جداً ، فربنا عز وجل قال :

﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾

[ سورة الأنفال: 29]

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28]

 أنت إذا آمنت بالله تملك شيئاً لا يقدر بثمن ، الرؤية الصحيحة .

﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد: 28]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018