٠01رمضان 1415 هـ - قراءات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قراءات قرآنية - الدرس : 33 - من سورة النمل والقصص - القوانين والأحكام الكونية.


1995-02-19

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في سورة النمل آية من آيات السبق العلمي ، هل تذكرونها ؟
 في أواخر النمل آية من آيات السبق العلمي ، أو الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

[سورة النمل:88]

 جيد ، آية أخرى ؛ لكن دقيقة ، هذه الآية التي تفضل بها الأخ ، قبلها آية :

﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة النمل:87-88]

 هذا الإنسان الأعرابي الذي يعيش في البداية إذا قرأ هذه الآية من قوله تعالى :

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

[سورة النمل:88]

 كيف يفهم هذه الآية ؟ الجبل راسخ ، أمامه معطيات العلم الآن واضحة ، أما في عهد النبي ، في عهد أصحابه الكرام الأمور لم تكن واضحة ، فكيف نفهم هذه الآية ؟
 أي حكمة الله عز وجل أن جاء بهذه الآية بعد آية يوم القيامة ، فإذا عجب أن الجبال تتحرك ، فهذا يوم القيامة ، أما نحن فنعلم علم اليقين أن الأرض تدور حول نفسها ، وسرعتها ألف وستمئة كيلو متر بالساعة ، طبعاً أسرع طائرة نفاثة ، أكبر الطائرات العادية سرعتها تقدر بثمانمئة وخمسين ، سبعمئة وخمسين ، والطائرات التي تتجاوز سرعتها سرعة الصوت تزيد عن هذا العدد ، معنى هذا أن الأرض مع الجبال تدور بسرعات مذهلة ، هذه حول نفسها ، أما حول الشمس فثلاثون كيلو متراً في الثانية ، فروعة نظم القرآن أن هذه الآية جاءت قبل آية يوم القيامة ، فإذا استعظمها إنسان معطيات العلم عنده ضعيفة ، فيفهمها أنها يوم القيامة ، أما نحن فنفهمها أنها في الدنيا .

 

من حكمة الخالق عدم تفسير النبي الكريم الآيات الكونية :

 بالمناسبة : كأن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى نبيه ألا يفسر الآيات الكونية في القرآن الكريم ، بينما تجد مئات الأحاديث الشريفة تتحدث عن أحكام الفقه ، مئتا حديث في البيوع ، ما من حكم شرعي تكليفي إلا وفيه فيض كبير من أحاديث رسول الله ، إلا أنك إذا ذهبت لتبحث في حديث رسول الله عن بيان وتفصيل لآيات القران الكونية ، تجدها إما معدومة، أو قليلة جداً ، وهذا من حكمة الشارع العظيم ، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- لو فسرها تفسيراً بسيطاً ، يتناسب مع من حوله ، مع معطيات العلم ، لأنكرنا عليه هذا التفسير نحن ، ولو فسرها تفسيراً يتناسب مع التقدم العلمي ، لأنكرها عليه أصحابه ، لذلك : كأن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه أن هذه الآيات الكونية دعها للتطور العلمي في كل عصر ، ومعنى أن القرآن الكريم معجزة مستمرة أنه كلما تقدم العلم كشف جانباً من جوانب هذه الآيات .
 أضرب لكم مثلاً بسيطاً :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق:11]

 فهمها العلماء سابقاً أن هذا البخار يتصاعد إلى السماء ، والسماء ترجعه مطراً ، كلام سليم ، ثم حينما وجدنا أن في الأجواء العليا طبقة ، سماها العلماء الأثير ، إن جاءت الكهرباء الكهرطيسية إليها ردتها إلى الأرض ، ولولا هذه الطبقة لما كان هناك إذاعة تصدح أصواتها في الآفاق ، هذا تفسير آخر ، ثم تبين أن كل كوكب في الكون ، يدور حول كوكب آخر في مسار مغلق ، إذاً : حركة الكواكب كلها في مسارات مغلقة ، إذاً : الكوكب ينطلق ويرجع إلى ما كان عليه ، إذاً : كلما تقدم العلم كشف جانباً من عظمة هذه الآيات الكريمة .
 لما ربنا عز وجل قال :

﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

[سورة ياسين:40]

 كلٌّ : تفيد التنكير الشديد ؛ أي شيء خلق في هذا الكون يدور ، وهذا أحدث ما قاله علماء الذرة : نظام الكون نظام موحد ، بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة .

 

آيات أخرى من آيات الإعجاز العلمي :

 حسناً : يوجد آية أخرى من السبق العلمي ، في أواخر سورة النمل :

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾

[سورة النمل:61]

 طبعاً الذي ثبت أن مياه البحرين لا تختلطان ؛ لكل بحر مكوناته ، وكثافته، وملوحته ، وخصائصه ، ومياه البحرين لا تختلطان ، هذه الآيات لم يُعرف تفسيرها ، إلا حينما اكتشفت المراكب الفضائية خطوطاً متحركة في اتصال البحرين ، كباب المندب مثلاً ، وكخليج البوسفور مثلاً ، وكجبل طارق مثلاً ، كل بحر له مكوناته الخاصة ، ولا تختلط بمياه البحر الأخرى .
 يوجد آية ثالثة في آخر النحل :

﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾

[سورة النمل:59]

 هذه عامة ، من الثابت أن الإنسان إذا فقد بعض الحواس ، تنمو حواسه الأخرى ، هذا شيء ثابت ، فالأصم بإمكانه أن يفهم معظم كلامك ، وهو لا يسمع صوتك ، من حركة الشفاه ينشأ عند الأصم قدرات بالفهم عالية جداً .
 أنا مرة زرت إنساناً يعمل في بخ غرف النوم ، وهذا الإنسان لا يتكلم ، أخرس ، عنده طفل صغير ، سألته عن جامع ، فأشار إليّ أن أفهم هذا الطفل الصغير ، أفهمته ، فإذا بهذا الصغير يخاطب صاحب المحل خطاباً بالحركات ، أنا أعجز عن محاكاتها ، وعن فهم دقائقها ، قلت : سبحان الله ! لا يوجد حاسة يفقدها الإنسان إلا وتنمو الحواس الأخرى . الآية :

﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾

[سورة النمل:80]

 الأصم من حركة الشفاه يعلم . أما إذا حجب الأصم عن أن يرى فعندئذ لا يسمع :

﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾

[سورة النمل:80]

 هذه حقيقة من حقائق خلق الإنسان .

 

الآية التالية تملأ قلوب الضعفاء ثقة بالله عز وجل وحباً له :

 ممكن أن تستنبط من أوائل آيات سورة القصص قانوناً ، الله جل جلاله يطبقه على عباده في كل الأزمنة والأمكنة :

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

[سورة القصص:5]

 والله أيها الأخوة ؛ ما من آية تملأ قلوب الضعفاء ثقة بالله عز وجل وحباً له كهذه الآية ، أي إذا الإنسان الله شاء له أن يكون مستضعفاً ، الإنسان إما أن يكون قوياً ، وجباراً ، كلامه ينفذ ، وإما أن يكون مستضعفاً ، فلو أن الله عز وجل شاء لك أن تكون مستضعفاً ، لا تملك قوة ، كل الآخرين أمرهم نافذ فيك ، أما أمرك فلا ينفذ في أحد ، هذا معنى كلمة مستضعف ، لو أن الله عز وجل شاء لك أن تكون مستضعفاً ، لا تنس أن الله سبحانه وتعالى خصك بهذه الآية :

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[سورة القصص: 5-6]

 إذا الإنسان كان مستضعفاً ، ودخل الجنة ، أليس هذا أفضل مليون مرة من أن يكون قوياً ومصيره لا إلى الجنة ؟ هذا شيء ثابت .
 هل مرّ معنا في سورة القصص آية تفيد أن الحظوظ التي أعطاك الله إياها يجب أن توظفها للدار الآخرة وللحق ؟ :

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص:77]

 من أجل أن نفهم هذه الآية ، نصيبنا من الدنيا أن نتعرف إلى الله ، وأن نطيعه ، فأن نأتي إلى الدنيا ، وأن نخرج منها ، مع نسيان مهمتنا ، هذا من الخسارة الكبيرة في حق الإنسان .

 

العبر المستنبطة من قصة سيدنا شعيب مع سيدنا موسى :

 قصة سيدنا شعيب مع سيدنا موسى :

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

[سورة القصص:23]

 ما معنى وأبونا شيخ كبير ؟ أيضاً المرأة إذا خرجت ، ينبغي أن تخرج لضرورة ، هذا أول حكم مستنبط .
 الحكم الثاني : إذا كنت أنت بموقف كأنه مشبوه ، ماذا عليك أن تفعل ؟ عليك أن توضح .
 ورد في الأثر : " البيان يطرد الشيطان" . فتاتان تسقيان ، والرجال كثيرون على النبع ، أو على البئر ، ما مكان هاتين الفتاتين هنا ؟ :

﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

[سورة القصص:23]

 أي نحن مضطرات أن نخرج لسقي الغنم .
 شيء آخر : استنباط اجتماعي ؛ لا ينبغي للمرأة أن تزاحم الرجال :

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[سورة القصص:24]

 ما هو الفقر الحقيقي وما هو الغنى الحقيقي من هذه الآية ؟ العمل الصالح ، أنت غني عند الله إذا أجرى الله على يديك الأعمال الصالحة ، وأنت فقير عنده لو كان معك ألف مليون ، إذا حرمت من الأعمال الصالحة :

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[سورة القصص:24]

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[سورة القصص:25]

 ما الذي أعجب سيدنا موسى في هاتين الفتاتين ؟ حياؤهما ، أجمل ما في المرأة حياؤها ، وما أقبح منها إذا ذهب من وجهها الحياء ، واسترجلت ، ونظرت بحدة نظر ، وتكلمت كلاماً قبيحاً ، ورفعت صوتها ، عندئذ تفقد أنوثتها ، وحينما تفقد المرأة أنوثتها ، تفقد كل جمالها.
 ما الذي أعجب هاتان الفتاتان في سيدنا موسى ؟ قوته وأمانته :

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾

[سورة القصص:26]

 سيدنا شعيب هل فهم من ابنتيه شيئاً غير أن :

﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[سورة القصص:26]

 بعد أن قالتا هذا الكلام :

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾

[سورة القصص:27]

 كما أنه أعجب بحيائهما ، أعجبتا بقوته ، وأمانته ، وعفته ، ولم ينظر إليهما فيما تروي الكتب ، وحينما سارا سار أمامهما ، وقال لهما : دلاني على الطريق ، إذاً : أعجب بحيائهما ، وأعجبتا بقوته ، وأمانته ، وعفته .
 حسناً ما الذي يؤكد لكم أن سيدنا موسى حينما وكز هذا القبطي فقتله لم يكن مذنباً إطلاقاً ؟ لما قصّ على سيدنا شعيب قصته :

﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

[سورة القصص:25]

 معنى هذا أن سيدنا موسى ما فعل شيئاً ، هذا قضاء الله وقدره ، هو دفعه دفعاً لطيفاً ، وقع ميتاً ؛ لا يوجد نية بالقتل ، لا يوجد نية ارتكاب جريمة ، إذاً ما معنى ؟ :

﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

[سورة القصص:28]

 هذه نصيحة لكل أخ يريد أن يتزوج ، إذا كان هناك قضايا اجعلها بينك وبين والد الفتاة ، أما إذا وصل الشيء للنساء ، انتهت العملية ؛ نقل كلام ، والأمر توسع ، ومبالغات ، وافتخار ، وطعن ، قال له : اجعلها بيني وبينك :

﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

[سورة القصص:28]

العاقل يرجو ما عند الله لا ما عند الشيطان :

 الحقيقة الآية التالية أنا حينما أقرؤها والله أتأثر تأثراً بالغاً :

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة القصص:60]

 فيلا ثمنها خمسون مليوناً ، سيارة ثمنها أربعة و عشرون مليوناً ، لم يعد هناك شيء رخيص أساساً .
 الآن :

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

[سورة القصص:60]

 معنى هذا أن العقل يأمرك أن ترجو ما عند الله ، لا أن ترجو الدنيا ، لأن الدنيا كلها تنتهي بحركة في القلب .
 يقول لك : سكتة دماغية انتهى ، الأموال كلها صارت لغيره ؛ الفيلا ، والسيارة ، والمكانة ، والمنصب ، هذا كله ينتهي ، إذا توقف القلب عن النبض انتهى الأمر ، إذاً : مغامرة ومقامرة :

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص:60-61]

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[سورة القصص: 83]

 لا ، لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادًا ، لا يحب الاستعلاء ، ولا أن يفسد حياة الآخرين ، إذا نجوت من هذين المرضين لك في الآخرة نصيب :

﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

[سورة القصص: 83]

 لذلك الإنسان عندما يريد أن يستعلي ، يريد أن يفتخر بما عنده ، يريد أن يبين حجمه المالي ، يريد أن يبين استمتاعه بالشهوات ، ممتلكاته ، هذا الموقف ، موقف يتنافى مع كمال الإيمان ، المؤمن يشكر الله على ما أعطاه ، من دون أن يستطيل على أحد في ذلك .

 

الثقة بالله عز وجل :

 كلكم يعلم أن بعض الناس لو أخافهم إنسان ما ، يدعون ما هو عليهم من الخير ، استجابة لهذا التخويف ، معنى ذلك أن وعيد هذا الإنسان أشد عندهم من وعيد الله ، هل يوجد أكبر من هذا ؟ :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة العنكبوت:10]

 أي إنسان لو أنه هددك ؛ أخي أخذنا اسمك ، خير إن شاء الله ! خالق الكون أمرني أن أصلي ، خالق الكون أمرني أن أتعرف عليه ، خالق الكون أمرني أن أعمل صالحاً ، أن أطلب العلم ، أن أكون مع الجماعة في مسجدهم ، إنسان يتكلم كلمة تغير خطتي أنا ، هذا الشيء مستحيل ، هذا الشيء لا يتناسب مع عظمة الله عز وجل ، الله عز وجل بيده كل شيء، والله عز وجل هو الذي يدافع عن المؤمنين ، فيجب أن يكون لك ثقة بالله لا حدود لها ؛ أي الله عز وجل لا يُوازى أمره بأمر إنسان آخر ، لا يوازى وعيده بوعيد إنسان آخر ، لا يوازى ما عنده بما عند إنسان ، فهذا مرض خطير :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾

[سورة العنكبوت:10]

 لأن الإمام الغزالي لما يخاطب نفسه يقول : " يا نفس ، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها ، لا شك أنك تمتنعين ، يا نفس ، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك، أيكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلك " .
 فالإنسان حينما يعصي يكون مدموغاً بالجهل والكفر .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018