٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 49 - سور متنوعة - الجاذبية.


1997-02-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

آيات تدل على عظمة الخالق سبحانه :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك نعمٌ كثيرةٌ جداً ألفناها، ولطول ألفتها نسيناها، يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً ﴾

[ سورة المرسلات:25]

 أيُّ شيءٍ تمسكه ثم تدعه، يقع على الأرض، ويسقط، قوةٌ تجذبه نحو الأسفل هو بالتعبير الآخر وزنه، ما هو وزن الشيء؟ القوة المندفعة نحو مركز الأرض، قوة الجذب، لماذا تسير السيارة في المنحدر بلا قوةٍ محركة؟ لأنها تسير بقوة الجذب، ربنا سبحانه وتعالى يذكرنا بهذه الآيات التي قد لا نلتفت إليها،

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً ﴾

 كل شيءٍ عليها منجذبٌ إلى مركزها، إذاً له وزن، نعمةٌ كبرى أن تضع الشيء ويبقى في مكانه، لو أن قوة الجذب منعدمة، لرأيت الشيء الذي لا يصدق، كل شيءٍ يتحرك بلا جهد، لو أنك نفخت على شيء ثقيلٍ جداً لتحرك، لأنه ليس له وزن،

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً ﴾

 هذه آية تدل على عظمة الله عز وجل.
 يوجد آيةٌ أخرى تشبهها:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً ﴾

[ سورة النمل: 61 ]

 كل شيءٍ على الأرض مستقرٌ عليها بقوة الجذب، أو أن هذه الأرض التي تتحرك بسرعة ثلاثين كيلو متر في الثانية حول الشمس، وبسرعة ألف وستمئة كيلو متر حول نفسها في الساعة، هذه الحركة محصلتها سكون يكاد أن يكون مطلقاً، هذا ليس في أي مركبةٍ مهما علا شأنها، أية مركبةٍ، سيارةٍ، أو قطارٍ، أو باخرةٍ، أو طائرة، لابد لها من الاهتزاز، أما أن تدور الأرض حول نفسها بسرعةٍ تفوق سرعة الصوت، ألف وستمئة كيلو متر في الساعة، وبسرعةٍ حول الشمس تقدر بثلاثين كيلو متر في الثانية الواحدة، نحن في هذه التراويح قطعنا أكثر من مئة ألف كيلو متر في الفضاء الخارجي، ومع ذلك هذا المسجد مبني من أربعمئة عام، لم يتأثر إطلاقاً بهذه الحركة

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً ﴾

 هذه من آيات الله الدالة على عظمته.

الناجح من يعدّ ليوم الحساب عدته :

 ثم يقول الله عز وجل في سورة النازعات:

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴾

[ سورة النازعات:34]

 أحياناً الإنسان يكون عنده مشاغل، متاعب، طموحات، جدول أعمال، لا سمح الله ولا قدر، تأتي مشكلة تنسيه كل هذه الأعمال دفعةً واحدة، هذه هي:

﴿ الطَّامَّةُ ﴾

 الإنسان يعيش بحكم استمرار حياته، لكن حينما يأتيه ملك الموت، ويرى أنه على مشارف حياةٍ أبدية، وأنه نسي أن يعد لها العدة الكافية، وأنه خسر نفسه، لو أنك خسرت الدنيا كلها، وربحت نفسك أنت أكبر رابح، ولو أنك ربحت الدنيا كلها، أي إنسان فرضاً يملك أموال الأرض وحده وخسر نفسه فهو أكبر خاسر، قال:

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾

[ سورة النازعات: 34-35 ]

 ما من إنسانٍ يشرف على الموت إلا وتعرض عليه حياته دقيقة دقيقة، في سرعةٍ مذهلة، هذا شيء متواتر، الناس الذين أشرفوا على الموت، أو الذين واجهوا خطر الموت ثم نجوا منه، يقول لك: في دقائق معدودة عرضت عليَّ أعمالي كلها، دفعةً واحدة،

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾

 كل واحد منا له سعي، له حركة بالحياة، له حركة في بيته، يا ترى هل هو زوج ناجح؟ هل هو زوج رحيم؟ يا ترى هل هو أب مسؤول عن أولاده؟ يا ترى هل هو ابن بار؟ هل هي زوجة مخلصة؟ بعملك نصحت المسلمين؟ كسبت المال الحلال؟ هل هناك شُبهة في كسب المال؟ هل كذبت عليهم؟ هل غششتهم؟ هل احتلت عليهم؟ هل ابتززت أموالهم؟ هل بنيت مالك على خوفهم أم على جهلهم؟ لك عمل، لك عملٌ في بيتك، ولك عملٌ في رزقك، هذا العمل تذكره فقرةً فقرة، جزئيةً جزئية،

﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴾

 من هو الرابح الأول؟ هو الذي أعدّ لهذا اليوم عدته، قال:

﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى* فَأَمَّا مَنْ طَغَى ﴾

[ سورة النازعات: 36-37 ]

﴿ طَغَى ﴾

 خرج عن منهج الله:

﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى* وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات: 37-39]

 أي يستقر في الجحيم إلى أبد الآبدين:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات: 40-41]

ضرورة امتحان كل إنسان في الدنيا :

 أحياناً أناسٌ كثيرون يقرؤون القرآن الكريم تبركاً، أما والله الذي لا إله إلا هو لو أدركوا أحقية هذا الكلام، وأنه كلام الله عز وجل، وأنه سيقع مئةً بالمئة، لخرجوا من جلودهم من خوف الله عز وجل، ولكن هذا الذي يقرأ القرآن تبركاً، ولا يعقل ما فيه، هو بعيدٌ جداً عن روحه، وعن أهدافه.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات: 40-41]

 لابد من امتحانات، لابد من مغريات، هناك مال يغريك، هناك امرأةٌ تغريك، هناك منصبٌ يغريك، هناك متعةٌ تغريك، لو لم يكن هناك إغراء لما كان هناك جنة أساساً، لو لم يكن هناك إغراء لما كان هناك قرب من الله، لو لم يكن هناك إغراء لما كان هناك عبادة،

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾

 لماذا سيدنا يوسف صار سيدنا يوسف؟ نقول: سيدنا يوسف، لأنه:

﴿ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾

 حينما دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، قال:

﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الحشر: 16]

 أقول لكم هذا: موظف في محل تجاري، صاحب المحل يأتي أول إنسان، يفتح بيده، ويجلس وراء مكتبه، والدرج بيده، ويغلق المحل آخر إنسان، ولا يغادر الطاولة إطلاقاً، هذا الذي أمامه، هذا الموظف أمين أم خائن؟ الكلام ليس له معنى، ما أتيح له أن يبقى وحده في المحل، ما امتحن أبداً، لابد أن يبقى وحده في المحل، ولابد من أن يكون هذا الدرج مفتوحاً له، فإن لم يأخذ شيئاً في غيبة صاحب المحل، نقول: هو أمين، وإن أخذ نقول: هو سارق.
 لذلك لابد من الامتحان، مكارم الأخلاق لا تبدو إلا في الامتحان، لولا أن هناك أشياء مغرية، ولولا أن هناك أشياء ضاغطة، لما كان هناك من رقي إلى الله عز وجل، لا تعجب من الفتن، الفتن لابد منها في محرمات، وفي أشياء.

(( إِن الدنيا حُلْوةٌ خَضِرَة ))

[ متفق عليه عن أبي سعيد الخدري ]

 فيها شيء يغري، ويردي، ويشقي، والله عز وجل مستخلفنا في هذه الدنيا، فإما أن نخاف مقام ربنا، وننهى النفس عن الهوى، لكن لو أن الإنسان:

﴿ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾

 ما الذي يحصل؟ يحصل أن الله يبارك له في حلاله، يبارك له في ماله القليل، يبارك له في زوجته، يبارك له فيما أتاه، معنى يبارك، أي يعطيه الشيء الكثير من الشيء القليل.

﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى ﴾

 أي من يبحث عن متعةٍ منحرفةٍ عندئذٍ يدفع الثمن باهظاً في الدنيا والآخرة.

خلق الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته :

 الآن :

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ ﴾

[ سورة عبس: 17-19 ]

 نقطة الماء التي لا ترى بالعين، الحوين يحتاج إلى مجهر، له رأس، وله عنق، وله ذيل، ومن خمسمئة مليون حوين في اللقاء الواحد حوين واحد يدخل إلى البويضة،

﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ ﴾

 هذه النطفة تصبح ميناء أسنان، وميناء الأسنان ثاني أقسى عنصر في الأرض، ثاني أقسى عنصر في الأرض بعد الألماس، عظم عنق الفخذ يحمل مئتين وخمسين كيلو، والثاني مئتين وخمسين كيلو، خمسمئة كيلو.

﴿ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾

 كم كيلو متر يوجد أوعية بالإنسان؟ القلب وحده آية، الرئتان، الكليتان، الغدة النخامية تفرز اثني عشر هرموناً، وكل هرمون تتوقف عليه سلامة الإنسان، يوجد مرض اختلال توازن السوائل، يا لطيف! لا يستطيع هذا المريض إلا أن يقبع إلى جانب الصنبور والمرحاض، يشرب براميل من الماء، ويخرجها، لأن هرموناً قد اختل من اثني عشر هرموناً من مفرزات الغدة النخامية، التي هي ملكة الغدد، التي وزنها نصف غرام،

﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

.
 الدماغ يوجد فيه مئة وأربعون مليار خلية، في العين مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، في المعدة خمسة وثلاثون مليون عصارة، القلب يضخ في اليوم ثمانية أمتار مكعبة.

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 17-20 ]

 حوض المرأة، عظام الحوض لها حركة ميكانيكية، تتأثر بهرمون، تتسع طفلاً يقبع في كيس، حجم هذا الكيس سبعمئة وخمسون سنتمتراً، حينما يأتي أمه الطلق، هذا الرحم يتقلص تقلصاتٍ متزامنة، متقاربة، تقلصاتٍ لطيفة، يخرج هذا الطفل برأسه، وكتفيه من هذا الرحم

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

 إذا الطريق عسير جداً، لابد من ولادة قيصرية، بعد الولادة الرحم ينقبض انقباضاً شديداً فجأةً يصبح كالصخر، لأن آلاف الأوعية تمزقت، فلو أنه انقبض انقباضاً يسيراً لماتت الأم من النزيف، لو أن انقباض الرحم المتزامن المتدرج المتقارب اللطيف انعكس مع ما بعد الولادة لماتت الأم ووليدها، الانقباض الشديد قبل الولادة يميت الطفل، والانقباض اللين بعد الولادة، يميت الأم من النزيف،

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

 الولادة وحدها من آيات الله الدالة على عظمته.
 أخواننا الكرام؛ يوجد هرمونات مبرمجة، هرمون يقلب الطفل، هرمون يمزق الغشاء الذي في الرحم، هرمون آخر يحرك عضلات الرحم، وسمعت أو قرأت أن عضلة الرحم أقوى عضلةٍ في جسم الإنسان، بحيث لو أن الفوهة مفتوحةً أمامه لقذفت الوليد اثني عشر متراً من تقلصها،

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

 أي الإنسان خرج من عورةٍ، ودخل في عورةٍ، وخرج من عورة، ثم يتكبر ويقول: أنا، من أنت؟ ثم يقول الله عز وجل:

﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 21 ]

 انظر يوجد مراحل، يولد، تخرج أسنانه، يفرحون به، يعملون سليقة، يكبر قليلاً يدخل الروضة، الحضانة، بعد ذلك ابتدائي، إعدادي، ثانوي، يأخذ الشهادة، يريد أن يبحث عن زوجة يتزوج، يأتيه أولاد، يربيهم، يكبرون، يزوجهم، بعد ذلك يكبر هو، يحتاج إلى وعاء من الأدوية آخر شيء، بعد ذلك تقرأ نعوته، ممر إجباري لنا جميعاً، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، بعد مئة عام- رقم أبعدته كثيراً- كلنا تحت الأرض، لذلك:

﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ* كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 21 -23]

 ماذا يفعل؟ ماذا تنتظر؟ ثم ماذا؟ وصلت إلى قمة الغنى، ثم ماذا؟ القبر.
 الحقيقة أخواننا الكرام؛ شخص اشترى بيتاً، اعتنى به عناية بالغة، النقلة من البيت إلى القبر شيء يحتمل؟ هذا واقع، إذا الإنسان استقام، وعمل أعمالاً صالحة، له عند الله مكافأة، أنه يجعل نعم الآخرة متصلة بنعم الدنيا، في الدنيا يوجد سعادة، لأنه طبق منهج الله عز وجل، وينتقل إلى الدار الآخرة وهناك سعادةٍ أكبر.

أبواب معرفة الله كثيرة و منها باب الطعام :

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[ سورة عبس: 24 ]

 أمر إلهي، هذا الذي تشربه كأس الماء، هذا مقطر، من قطره؟ هذا الحليب الذي تشربه، يوجد بقر، فيها أعظم معمل بالعالم، غدة على شكل قبة، يجول فوقها دمٌ، ستمئة حجمٍ من الدم تساوي حجم حليب، هذه الخلية الثدية تأخذ حاجتها من الحليب:

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

[ سورة النحل: 66 ]

 الفرث: السائل، أي حمض اللبن، الذي يأتي نتيجة التفاعلات الخلوية، وينتج هذا الحليب، غذاء كامل،

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 الفواكه، الثمرات، الخضار المحاصيل:

﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً* فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً* وَعِنَباً وَقَضْباً* وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً* وَفَاكِهَةً وَأَبّاً* مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

[ سورة عبس: 25- 32]

 الإنسان أحياناً إذا دعي إلى طعام، وكان هناك تنوع شديد، وإكرام بالغ، يخجل، أنت تجلس كل يوم على مائدة الله عز وجل، ما قيمة المال لو لم يكن هناك طعام؟ أنت حينما تشتري كيلو فاكهة، تتوهم أنك دفعت ثمنه، أبداً، دفعت ثمن خدمته، لولا أن الله تفضل علينا، وخلق هذه الفاكهة، كيف نأكلها؟ فلذلك باب الطعام أحد أبواب معرفة الله.

الوجوه يوم القيامة وجهٌ مسفر مـتألق ووجهٌ عابسٌ مقطب :

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ* يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾

[ سورة عبس: 33-34 ]

 يوم القيامة:

﴿ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾

[ سورة عبس : 35-37]

 قالت السيدة عائشة: قال عليه الصلاة والسلام:

(( سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُحْشَر الناسُ حفاة عراة غُرْلا، قالت عائشةُ، فقلت: الرجالُ والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمرُ أشدّ من أن يُهِمَّهم ذلك ))

[ متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

 قال: قد تقع عين الأم على ابنها، تقول له: يا بني، جعلت لك صدري سقاءً، وحجري غطاءً، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يدوم عليَّ خيرها اليوم، قال: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين.

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾

[ سورة عبس : 34-37]

 لا يوجد غير حالتين:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾

[ سورة عبس: 38 ]

 متألقة، إذا كان الطالب قد نجح، أو تفوق، تجد عينيه زئبقيتين، تلمعان، وجهه مزهر، ضحكته على وجهه، هذا الطالب حينما يتفوق يتألق.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾

[ سورة عبس: 38-39 ]

 الوجه الثاني:

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ* تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ* أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾

[ سورة عبس: 40-42]

 يوم القيامة يوجد وجهين فقط، وجهٌ مسفر مـتألق، ووجهٌ عابسٌ مقطب.

مشيئة الله مشيئة فحصٍ واختبار لكن مشيئة الإنسان مشيئة اختيار :

 ثم يقول الله عز وجل، دققوا في هذه الآية:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة التكوير:27]

 لماذا؟ قال:

﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة التكوير: 28]

 هذا القرآن قرأته، وفهمته، وتلوته، المحصلة أن تستقيم على أمره:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ* لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ* وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة التكوير: 27-29]

 مشيئتك مشيئة اختيار، لكن مشيئة الله مشيئة فحصٍ واختبار، طالب يريد أن يدرس في قسم الكلية في الجامعة، نقول له: أرنا درجات الثانوية، ثم نقول له: هذه الدرجات لا تؤهلك لهذه الكلية، مشيئتك مشيئة اختيار، لكن مشيئة الله مشيئة فحصٍ واختبار.

العبرة من يضحك آخراً :

 ربنا عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

[ سورة الانفطار:13-14]

 أي إذا الإنسان مؤمن، وعمله جيد، من أخصّ خصائصه أنه

﴿ فِي نَعِيمٍ ﴾

 من أعظم ما عنده أنه

﴿ فِي نَعِيمٍ ﴾

 تجد المؤمن

﴿ فِي نَعِيمٍ ﴾

 في الدنيا مطلقة، أما الكفار:

﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾

[ سورة الانفطار:14-15]

 قد يكون في الدنيا مخدراً، مخدراً بالشهوات، فإذا انكشف الغطاء:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق:22 ]

 الأبرار في نعيمٍ مستمر، لذلك في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، أحياناً تعجب أنت، تقول: هذا الإنسان يأكل هذا المال، يغش الناس، يكذب عليهم، يحتال عليهم، يبتز أموالهم، ألا يوجد آخرة؟ دقق في هذه المفارقة:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة المطففين: 1-5]

 كيف يكون الإنسان متوازناً و هو يبني ثروته على ابتزاز أموال الناس، على إفقارهم، على تعاستهم، هذا المال الذي يكسبه بهذه الطريقة كيف يتوازن مع يومٍ يحاسب فيه حساباً عسيراً؟

﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة المطففين: 4-6]

 قال:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

[ سورة المطففين:7-9 ]

 قال علماء التفسير:

﴿ مَرْقُومٌ ﴾

 من الرَّقَم، و

﴿ مَرْقُومٌ ﴾

 من الرُّقم، الرَّقم العدد، أي صفحاته معدودة، لا يستطيع الإنسان أن ينزع صفحةً منه، وذنوبه مصورة، المخالفة مع صورتها إما من الرَّقم، أو من الرُّقَم، على كل:

﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾

 الآن إذا الإنسان استقام يقول لك: تمشيخ، جاء الشيخ استهزاءً.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ* وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ* وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ* وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ* فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 29-34 ]

 العبرة فيمن يضحك آخر الناس، المؤمن يوم القيامة:

﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾

[ سورة الانشقاق: 9 ]

 أما الكافر:

﴿ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾

[ سورة الانشقاق : 13]

 فرق كبير، كطالبٍ كان بين أصدقائه يلعب ويلهو، ولا يتحمل أي مسؤولية، أما حينما رسب انقلب إلى أهله باكياً، أما الذي جد واجتهد انقلب إلى:

﴿ أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾

﴿ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾

[ سورة الفجر:28-30 ]

النفوس ثلاثة؛ مطمئنةٌ ولوامة وأمارة بالسوء :

 النفوس ثلاثة، مطمئنةٌ، ولوامة، وأمارة بالسوء، اللوامة أثنى الله عليها، فيها حياة، كلما أخطأت ترجع إلى الله عز وجل، لكن المطمئنة هي التي اطمأنت إلى منهج الله، وطبقته فسعدت بقربه، في سورة البلد يقول:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ* أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ* يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً* أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ* أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ* فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾

[ سورة البلد: 4-11 ]

﴿ الْعَقَبَةَ ﴾

 أن تفك رقبتك من أسر الشهوة، الحجاب بينك وبين الله هي الشهوات، فإن أعتقت نفسك من أسر الشهوة أزلت

﴿ الْعَقَبَةَ ﴾

 وتجاوزتها، وتخطيتها.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾

[ سورة البلد:12-16 ]

 قانون التيسير والتعسير:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل:5-10 ]

من آمن بالله حق الإيمان لابد من أن يستقيم على أمره :

 أيها الأخوة؛ الجزء الأخير من كتاب الله عز وجل جزءٌ تكثر فيه الآيات الكونية، ويكثر فيه ذكر اليوم الآخر، لأن الإنسان إذا آمن بالله حق الإيمان، وآمن أنه يعلم، وسيحاسب، لابد من أن يستقيم على أمر الله:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين: 4-5 ]

 إن عرفنا كنا في أعلى عليين، أما إذا لم يعرفنا:

﴿ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

 قد تجد إنساناً ينتهي مصيره إلى وضعٍ صعبٍ جداً، قد يموت بفعل أمراضٍ نتجت عن انحرافاته الجنسية، قد يموت قتلاً، قد يقتل فيعدم، قد يرتكب الموبقات فيتحمل منها أعظم الأمراض، هذا الإنسان إذا انحرف عن منهج الله عز وجل، رد إلى

﴿ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

 يقول الله عز وجل:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

[ سورة العلق: 9-10 ]

الفرق بين العالم و العابد :

 ذكرت في درسٍ سابق:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم: 4]

 الإنسان عندما

﴿ يَنْهَى* عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

 يجب أن يعلم علم اليقين من خصمه، خصمه خالق الكون، خصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جبريل، الملائكة، شيءٌ مخيف أن تقف في خندقٍ آخر مضادٍ للدين.

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[ سورة القدر:1-3 ]

 أي إذا قدرت الله عز وجل حق التقدير، وعرفته حق المعرفة، وبذلت وقتاً وجهداً في سبيل معرفته، هذا التقدير خيرٌ لك من أن تعبد الله ثمانين عاماً، فرقٌ كبير بين العلم والعبادة، العبادة لا يوجد بها رقي، العلم فيه رقي، العابد طوال حياته في مكانٍ واحد، أما العالم فيرقى كلما عرف حقيقةً ارتقى بها، العالم تعلم وعلم، أما العابد فعمل لنفسه، أي كل ثمار عبادته تعود إليه وحده، بينما ثمار العالم تعود على الأمة كلها، فلذلك الآية الكريمة تبين أن

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

 وهذه الليلة ما دام رمضان يأتي في كل أيام العام، أليس كذلك؟ معنى ذلك هذه الليلة تأتي في كل وقت، إذا رمضان يسير مع الأشهر الشمسية، إذاً ليس القصد ليلة معينة بالذات، القصد في الليلة التي تعرف فيها الله عز وجل نلت سعادة الدنيا والآخرة.

الإيمان رؤية والكفر عمى :

 آيةٌ تعرفونها جميعاً في البينة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة:6]

 أي شر ما برأ الله:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

 الإنسان لا يوجد عنده حل وسط، إما أن يكون فوق الملائكة، أو أن يهبط إلى مستوى أدنى من مستوى الحيوان:

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ* كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾

[ سورة التكاثر:1-6 ]

 إذا الإنسان عرف ما ينتظر العاصي من مشكلات في الدنيا، والآخرة، يرى الجحيم في المعصية، لذلك الإيمان رؤية، والكفر عمى:

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[ سورة الحج: 46 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018