٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 48 - من سور المدثر والقيامة والإنسان - الإنسان مرهونٌ بعمله.


1997-02-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

حدود الله عز وجل سلامةٌ للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية الكريمة:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[ سورة المدثر:38 ]

 الإنسان رهين عمله، مرهونٌ بعمله، فإن استقام على أمر الله فهو مطلق، القيد ينتهي إلى الإطلاق، والتفلت ينتهي إلى القيد، إنك إن لزمت الشرع، ووقفت عند الحدود ولم تتعدها كنت طليقاً يوم القيامة، أما إن كنت طليقاً في الدنيا، كنت مقيداً يوم القيامة، التقيد بالمنهج يؤدي إلى الحرية، والحرية بمعنى التفلت من منهج الله عز وجل، يؤدي إلى القيد، العبرة بالنتائج، العبرة لمن يضحك آخراً.

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة القصص:83]

 العبرة وضع الإنسان يوم الدين، الدنيا دار عمل، دار بلاء، دار امتحان، دار سعي، أما الآخرة فدار مكافأة، فالذي تفلت في الدنيا من قيود الشرع يجد نفسه رهيناً يوم القيامة، وأوضح مثل: أنت في الدنيا، المواطن الذي يتقيد بالقوانين والأنظمة حر، يذهب إلى حيث يشاء، يتعامل مع من يشاء، أما الذي يتجاوز حدوده، ويقع في المخالفات، فيفقد حريته، فربنا عز وجل يقول:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

 والأصح من ذلك لا تنظر إلى حدود الله عز وجل على أنها قيود، انظر إليه على أنها حدود، تماماً كما لو كنت في مكانٍ منبسط تتنزه، فإذا بلوحةٍ كتب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، هل تحقد على من وضع هذه اللوحة أم تشكره؟ هل أراد من هذه اللوحة أن يقيد حريتك أم أن يضمن سلامتك؟
حدود الله عز وجل سلامةٌ للإنسان، الذي يتقيد بمنهج الله يهديه الله عز وجل سبل السلام، أي في سلام في بيته، في عمله، مع نفسه، مع ربه، مع من حوله، هذا السلام شيء لا يقدر بثمن، هذه الآية:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ* إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾

[ سورة المدثر:38-42]

 هذا كلام خطير جداً، نحن في الدنيا الآن، ربنا عز وجل يخبرنا عن هؤلاء الذين سلكوا إلى جهنم، ما السبب الذي أوصلهم إلى النار؟

﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المدثر:43]

الصلاة أساس الدين :

 الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، الصلاة سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات، الصلاة طهور، الصلاة حبور، الصلاة نور، الصلاة ميزان، الصلاة معراج المؤمن، أيُّ فرضٍ يمكن أن يتوقف، الحج على المستطيع، الفقير لا حج عليه، الصيام على المقيم الصحيح، المريض والمسافر له أن يفطر، الزكاة على الغني، الفقير ليس عليه زكاة، الشهادة تقال مرة واحدة، يكفي أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرةً واحدة فأنت مسلم، أما الصلاة فهي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، في كل الأحوال، لك أن تصلي برموش عينيك، لأن الصلاة أساس هذا الدين، ولا خير في دينٍ لا صلاة فيه، أول ما يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة صلاته، فإن صحت نجح وأفلح، وإن لم تصح خاب وخسر.

﴿ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المدثر:39-43]

 من لوازم عدم الصلاة مادام لم يتصل بالله:

﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾

[ سورة المدثر:44]

 هذه مكارم الأخلاق التي منها الكرم انعدم، المصلي كريم، والمقطوع عن الله بخيل، المصلي حليم، والمقطوع عن الله فاجر، المصلي عفو، والمقطوع عن الله منتقم، كل مكارم الأخلاق هي عند الله، إذا اتصل به عبد منحه خلقاً حسناً، يؤكد هذا المعنى قول ربنا عز وجل:

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت: 34]

 معقول إنسان مسيء، أمامك مئة موضع، مئة موقف حسن، قال: يجب أن تختار الأحسن، كي ترد على هذه الإساءة، أخلاق من هذه؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ، وآمرُ بالعُرْف ))

[ زيادات رزين عن أبي هريرة ]

الانقطاع عن الله يولد قسوة في القلب :

 أيها الأخوة؛

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[سورة فصلت: 34]

 الحظ هنا النصيب، من كان نصيبه في اتصاله بالله كبيراً استطاع أن يكون بهذه الأخلاق، إما أن تفعلها تصنعاً فتحتاج إلى صبر شديد، وإما أن تفعلها انسجاماً مع مستواك الأخلاقي:

﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

 المؤمن لا يحقد أبداً لأنه موصول بالله عز وجل، المؤمن عفو، فيدفع:

﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

 السيئة لذلك

﴿ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾

 حينما انقطعنا عن الله عز وجل

﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾

  صار هناك قسوة بالقلب.

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعئ الْخَائِضِينَ ﴾

[ سورة المدثر:45]

 نسينا الآخرة:

(( إن الدنيا حلوة خضرة ))

[الطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 الآن الإنسان الشارد مع الصرعات الحديثة، مع الفتن، مع ما يستجد من منكرات في لباسه، في بيته، في أجهزة لهوه، مع أحدث شيء دائماً،

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

 دائماً قلة قليلة من النخبة ترفض البيئة، الكثرة الكثيرة خاضعةٌ للبيئة، الإنسان الراقي فعال وليس منفعلاً، الإنسان ذو المستوى المتدني منفعل، أي شيء يؤثر فيه، المؤمن كالجبل الراسخ لا يتأثر بالصرعات الأخيرة، الناس اشتروا هذا الجهاز، الناس فعلوا هذا الشكل، ارتدوا هذه الثياب، هذا الذي يلهث وراء الصرعات، وراء المستجدات المنكرة، هذا ليس من الإيمان في شيء،

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

 مشغول بأحاديث أهل الدنيا، أحياناً الإنسان وهو لا يدري ينساق إلى موضوعات لا قيمة لها إطلاقاً، لكنها تشغل الناس، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))

[ الطبراني عن الحسين بن علي ]

التكذيب العملي أخطر من التكذيب النظري :

﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

[ سورة المدثر:46]

 والتكذيب أيها الأخوة، التكذيب النظري قليل، أما الخطير فهو التكذيب العملي، ما التكذيب العملي؟ أن تقول: أنا مؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، تفحص عمله، لا يدخل اليوم الآخر في حساباته أبداً، مثلاً، الذي يأكل مالاً حراماً كافرٌ عملياً بيوم الدين، عملياً لا نظرياً، الذي يعتدي على أعراض الناس، مكذبٌ عملياً بيوم الدين، أنا كنت أضرب مثلاً؛ إنسان ذهب إلى طبيب، وصف له وصفة، أما هذا الإنسان لطيف جداً، وذكي جداً، أثنى على هذا الطبيب ثناء لا حدود له، أثنى على علمه، وإخلاصه، و لكن لأنه لم يشترِ هذا الدواء هو مكذبٌ بعلمه، مهما أثنى عليه، حينما لم يشترِ الدواء لأنه غير قانعٌ به هذا الثناء لا قيمة له، هذا الثناء لا وزن له إطلاقاً:

﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[ سورة المدثر:46-47]

تـأويل المنقول بما يوافق المعقول :

 أخواننا الكرام؛ العاقل هو الذي لا يفاجأ، كل إنسان فوجئ بالموت، فوجئ باليوم الآخر، هذا إنسان غير عاقل، لأن كل نشاطه، وكل حساباته على أنه لن يموت، فإذا جاء الموت أصيب بصعق.

﴿ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

[ سورة المدثر:47-48]

 هناك طرفة أن أحد الصحابة قال لسيدنا عمر- وهو صحابي- إنني أكره اليقين، وإنني أصلي بغير وضوء، وإنني أفر من رحمة الله، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، سيدنا عمر عجب من هذا القول، إلى جانبه سيدنا علي، قال له: يا أمير المؤمنين إنه يصلي على النبي بغير وضوء، وإنه يكره اليقين هو الموت، وإنه يفر من المطر وهي رحمة الله عز وجل، وله في الأرض زوجةٌ وولدٌ، ما ليس لله في السماء.
 إذا ورد المنقول بما يخالف المعقول فلابد من تـأويل المنقول بما يوافق المعقول، ذكرت البارحة لأخ: نحن في تفسير القرآن الكريم لا يجوز أن نلجأ إلى المجاز إذا كانت الحقيقة معقولة، أما إذا استحال المعنى الحقيقي فنلجأ إلى المجاز، إذا قلت للإنسان: في بيتنا زهرة، ماذا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام؟ أي يوجد زهرة في بيتنا على أصل اللغة، أما إن قلت له: زهرة في بيتنا تلعب، إذاً ليست زهرة، إنها طفلٌ كالزهرة، متى أحيد عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي؟ حينما تأتي قرينة تمنع المعنى الحقيقي، أما أنا بشكل مزاجي فكل كلمة بالقرآن أفسرها تفسيراً مجازياً، هذا خلاف علم أصول الفقه، هذا خلاف علم أصول التفسير، لا ألجأ إلى المجاز إلا إذا استحالت الحقيقة، إذا قلت: في بيتنا زهرة، أنا أفهم أن في بيتك نباتاً، الزهرة نبات، إلا إذا قلت لي: في بيتنا زهرةٌ تلعب، إذاً هو طفلٌ صغير يشبه الزهرة:

﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ* فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ* كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾

[ سورة المدثر:48-50 ]

 هذا التشبيه ورد في الأثر القدسي:

(( أن عبدي خلقت السموات والأرض، ولم أعَي بخلقهن، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة، ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي، لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك، فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

الانتقاء في الدين خطر جداً :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ﴾

[ سورة المدثر:52]

 الإنسان أحياناً يريد ديناً على مزاجه، هذه يقبلها، وهذه يقبلها، وهذه لا يقبلها، هذه صح وهذه غلط، هو فوق الدين، هو الذي ينتقي، الانتقاء في الدين خطر جداً، الانتقاء في الدين إنك تعبد ذاتك، لا تعبد الله عز وجل، فالذي أعجبك أخذته، والذي لم يعجبك أهملته، أو ضعفته، أو رددته، إذا قرآن تهمله، إذا سنة تضعفها، الأصل أنك تقبل النص، وتفهم النص لا أن ترفض النص، رفض النص صار هناك أديان، إذا كل إنسان أعطيناه صلاحية ليلغي النصوص صار عندنا مليون دين، الإنسان يقبل نصوصاً، ويرفض نصوصاً، الدين تمزق.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 159 ]

النفس اللوامة تخطئ وتراجع نفسها وتحاسبها :

 يوجد شيء آخر:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[ سورة القيامة:1-2 ]

 ورد حديث صحيح:

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لهم ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 ظاهر الحديث غير مقبول، كأن الله عز وجل علق رحمته على الذنب، فإن لم تذنب لا يرحمك الله عز وجل، إذاً لابد من أن تذنب، لحق حالك بذنب، هذا المعنى مرفوض كلياً، الذنب هنا الإحساس بالذنب، وهذا من صفات

﴿ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

﴿ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

 جعلها الله موضع قسم،

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

  كل إنسان يحاسب نفسه، يقف عند أفعاله، يقيّم نفسه، هذا إنسان خضع لهذه الآية، شملته هذه الآية، المؤمن:

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾

[ سورة الفجر:27]

 هناك نفس مطمئنة، ونفس أمارة بالسوء، و نفس لوامة، النفس اللوامة تخطئ، وتراجع نفسها، وتحاسب نفسها.

مراقبة البشر تنتهي بالأقوال و مراقبة الله تصل إلى النفوس و المشاعر :

 الشيء الدقيق:

﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾

[ سورة القيامة:13]

 أعماله كلها سوف تعرض عليه، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، شيء صعب جداً، الإنسان عندما كل شيء يفعله مسجل عليه، كل كلمة يقولها مسجلة عليه، ينضبط انضباطاً غير محدود، لو قلنا لك: إنك مراقب، يلفظ اللفظة بعد ربع ساعة، يعد للمليون قبل أن يتصل بإنسان، إذا كان مراقباً، الإنسان مراقب، والدليل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

[ سورة النساء: 1 ]

 مراقبة الله أبلغ، مراقبة البشر تنتهي بالأقوال، مراقبة الله تصل إلى النفوس، إلى خبايا النفوس، إلى المشاعر، إلى النوايا، إلى المطامح، مراقبة الله عز وجل:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه: 7]

 يعلم سرك، ويعلم ما خفي عنك:

﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ* بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 13-15]

 هذه آية من أصول علم النفس البشري، الإنسان يعرف الحقيقة، فطرته تنبئه بذلك، بل إن الحيوان يعرفها، أعط هرةً قطعة لحمٍ تأكلها أمامك، لو أنها خطفتها، تأكلها بعيداً عنك، معنى ذلك أنها اكتشفت أنها في الحالة الأولى مكرمة، لا داعي أن تهرب، أما في الحالة الثانية فمتهمة، إذاً تأخذها وتهرب، الحقيقة ثابتة، وربنا عز وجل جعل في صدر كل إنسان مفتياً صغيراً هو القلب، وإن أفتاك المفتون وأفتوك، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس.

امتحان عبودية كل إنسان من قِبل الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام؛ يقول الله عز وجل:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 24]

 إذا الإنسان استوجب عملية جراحية، لابد له من مخدر، أو لابد له من إجراء عملية بلا مخدر، أقنعوه الأطباء أن قلبه ضعيف، لا يحتمل مخدراً، لأنه قانعٌ جداً، لا يحتاج إلى الصبر كثيراً، أما حينما لا تتضح الأمور فلابد له من الصبر.
 ربنا عز وجل يمتحن عبوديتنا كثيراً، يمتحنها أحياناً، يسوق لنا شيئاً غير مفهوم، هل يعقل أن يؤمر نبي بذبح ابنه؟ هذه واحدة، هذا أمر تعبدي، الله عز وجل يمتحن ثقتنا به، يمتحن ثقتنا بعلمه، يمتحن ثقتنا بحكمته، يمتحن معرفتنا بكماله، يمتحن ثباتنا على مبدئنا، فقد يسوق بعض الشدائد، ولا تجد لها تفسيراً واضحاً، ما الذي يغطي هذه الشدة غير الموضحة؟ هذه الآية:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾

  يوجد كلمة أرددها دائماً: الإنسان قد يصاب بمشكلة، الجواب، يسألني أحدهم: لماذا صار معي هكذا؟ لأن الذي تحبه هذا قراره، ألست واثقاً من حكمته؟ ألست واثقاً من علمه؟ ألست واثقاً من عدالته؟ أسماؤه كلها حسنى، وهذا فعله، ولا يقع شيءٌ في ملك الله إلا بأمر الله، إلا بإذن الله، ما دام وقع سمح الله به، وما دام الله سمح به إذاً هو حكمةٌ ورحمة وعدلٌ وكمال، لذلك:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً* فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً* وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 23-25]

 أي ذكر الله عز وجل لا يتم بالأسبوع مرة، ولا بالشهر مرة، ولا بالسنة مرة، هناك أناس يصلون يوم الجمعة فقط، هنا الذكر، يجب أن يكون

﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

 أي يومياً.

من يتحرك وفق حريته دون منهج الله فأمامه يوم ثقيل :

 ثم يقول تعالى:

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً* إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 25-27]

 أحياناً الإنسان يعمل بتجارة ممنوعة بالقانون، ووجد أرباحاً طائلة، يجد أن ثروته تنمو بأسرع من الآخرين بكثير، لكن هذا الذي يعمل مخالفاً للأنظمة والقوانين يذر أمامه

﴿ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

 وعندما يلقى القبض عليه، ويدفع كل شيء يملكه عشرة أضعاف ما حصل، ويودع في السجن، معنى هذا لاقى

﴿ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

 هذا مثل قريب، فالإنسان عندما يتحرك حركة وفق حريته، وفق مصالحه، من غير منهج الله، قال: إنه سوف يجد أمامه

﴿ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

 الإنسان أحياناً وهو على فراش الموت يصيح صيحةً، لو سمعها أهل الأرض لصعقوا، يقول: لم أرَ خيراً قط، كل المال الذي كان بين يديه، كل ألوان الطعام الذي أكله، كل ألوان النعيم الذي تقلب به، يقول: لم أرَ خيراً قط.
 من هنا قال سيدنا علي: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيمٌ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية".

تناسب الأربطة عند الإنسان مع ضعف وزنه :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً* نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان:27-28 ]

 الإنسان محكم، الإنسان أحياناً يحمل ابنه من يده، ما معنى محكم؟ أي هذه اليد مربوطة مع الهيكل العظمي، مربوطة مع الجسم بأربطة تكفي لو أمسكت إنساناً من مفصله، مفصل الكتف مشدود شداً، مربوط ربطاً يحمي الجسم بأكمله، والأب بساعة غضب مسك يد ابنه وشده، بهذه الشدة صار هناك ضعف في الوزن، لابد من أن تكون هذه الأربطة متناسبة مع ضعف وزن الإنسان، إذاً عظم عمق الفخذ يتحمل مئتي وخمسين كيلو، عظم الفخذ معروف، لكن حتى يكون الإنسان شكله مقبول، له بالوسط انتفاخ، من أين جاء هذا الانتفاخ؟ جاء من انحناء عظم الفخذ، هذا اسمه عنق الفخذ، هذا العظم كل الثقل عليه، إذا الإنسان حمل صندوق حديد، وزنه ثلاثمئة كيلو، الثقل على هذا المكان، فهذا العظم يتحمل مئتي وخمسين كيلو، والعظم الثاني يتحمل مئتين وخمسين، الإنسان السليم المعافى يتحمل ضغطاً عبارة عن خمسمئة كيلو:

﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ﴾

 انظر إلى الأربطة، الآن عند اللحام أحياناً تجد الموزات تنتهي بقطعة بيضاء، هذا الوتر، أي متانتها عجيبة، هذه تربط العظام بالعضلات، كل الضغط عليها، إذا الإنسان رفع شيئاً وزنه ثقيل يكون على هذا الوتر.

التخيير أساس التكليف وهو يقيّم العمل :

 و:

﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 28-29]

 نحن مخيرون، والتخيير أساس التكليف، والتخيير يقيّم العمل، ولو ألغي الاختيار لأصبح الدين تمثيليةً سمجة.
 لعل ذهابنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر، فقال سيدنا علي: ويحك، لو كان قضاءً لازماً، وقدراً حاتماً، إذاً لبطل الوعد والوعيد، ولانتفى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً.
 وأجمل قول أقوله كثيراً: لما سيدنا عمر جاءه رجل سارق، أو شارب خمر قال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، قال: أقيموا الحد عليه مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة.
 إن ألغينا الاختيار ألغينا التكليف، ألغينا حمل الأمانة، ألغينا الثواب، ألغينا العقاب، ألغينا الجنة، ألغينا النار، ألغينا كل شيء.

توافق الفطرة مع الدين :

 إذاً:

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾

 ماذا نفهم من كلمة

﴿تَذْكِرَةٌ﴾

 ؟ إذا الإنسان ذهب إلى بيروت، وعاد، أريناه صورة الروشة، يقول لك: والله أتذكر، ما معنى

﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾

 ؟ أي شيء معروف عندك، ذكرناك به، الدين فطري، فإذا جاء القرآن ليذكر الناس، القرآن تذكرة، وبعثات الأنبياء تذكرة، أنت بالأساس مولفٌ وفق الإيمان.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾

[ سورة الروم: 30 ]

 الفطرة تتوافق مع الدين، فكل ما يرسله الله عز وجل إنه

﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾

من سعد باختياره فالاختيار شاءه الله له :

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً* وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الإنسان: 29-30 ]

 إياكم أن تفهموا هذه الآية جبراً، لا، إن سعدتم باختياركم، إن وصلتم إلى الجنة باختياركم، إن كان اختياركم سبب سعادتكم، سبب تقييم عملكم، سبب دخولكم للجنة، هذا الاختيار شاءه الله لكم، ولو لم يشأ الله لكم أن تكونوا مخيرين لما كنتم مخيرون،

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

 لولا أن الله شاء لكم أن تكونوا أصحاب مشيئة حرة لما كنتم مخيرين، هذا المعنى، معنى بيان الفضل، لا بمعنى الجبر.

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً* يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الإنسان:30-31 ]

 كلمة:

﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾

  وضحها الله عز وجل، أنا أخذ معي إلى نزهتي من أشاء أي مزاجاً؟ لا، والمقصرون لا آخذهم معي، وضحت؟
 إذاً:

﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 مقيدة بالمتفوقين

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾

 مطلقة، ولكن:

﴿ وَالظَّالِمِينَ ﴾

 لا يدخلون في رحمة الله، إذاً أخذ المؤمنين

﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018