٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 47 - من سور القلم والحاقة والمعارج والجن - الإطمئنان.


1997-02-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ذكر الله وحده هو الذي يطمئن القلب :

 أيها الأخوة الكرام؛ يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾

[ سورة الجن:17]

 وفي آية أخرى:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد:28 ]

 في هذه الآية صيغة القصر:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

  لو أن الله تعالى قال: تطمئن القلوب بذكر الله، هذه الصيغة ليس فيها قصر، لا يمنع أن تكون القلوب مطمئنةً بغير ذكر الله، تطمئن به وبغيره، أما حينما يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

 أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، هذا كلام الذي خلقنا، إن أردت الطمأنينة، إن أردت الراحة، إن أردت السكينة، إن أردت الاستقرار، إن أردت التوازن، إن أردت الشجاعة، إن أردت العزة، كل هذا من ذكر الله، أما إذا أعرض الإنسان عن الله عز وجل، جاءته العقوبات متدرجةً في الصعود، من مصيبةٍ إلى أخرى، من أزمةٍ إلى أخرى، من طامةٍ إلى أخرى، من ضيقٍ إلى ضيق، من حيرةٍ إلى حيرة،

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

 الإنسان في النهاية قلب، الأشياء المادية التي تحيط به إن لم تنعكس على قلبه طمأنينةً لا قيمة لها، قد تجد إنساناً غارقاً في النعيم، وهو من أشقى الأشقياء، وقد تجد إنساناً يعيش حياةً خشنة، وهو من أسعد السعداء، العبرة القلب، القلب إذا كان مرتاحاً سعد صاحبه، وأسعد من حوله، فربنا عز وجل يبين لنا أن ذكر الله وحده هو الذي يطمئن القلب، أما ذكر الله فهي كلمةٌ واسعةٌ جداً يقول عليه الصلاة والسلام يقول:

(( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))

[ الترمذي عن أبي الدرداء ]

 ذكر الله أن تذكره في آياته، ذكر الله أن تقرأ قرآنه، ذكر الله أن تدعو إليه، ذكر الله أن تذكر أنبياءه، ذكر الله أن تعرف سيرة أصحابه، ذكر الله أن تحضر مجلس علم، كلمة واسعة جداً، ذكر الله أيُّ شيءٍ يقربك إلى الله فهو من ذكر الله، أيُّ شيء، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

[ سورة المائدة: 35 ]

 أيُّ شيءٍ يقربك إلى الله، لو فكرت في خلق السموات والأرض قربك هذا إلى الله، و هذا من الذكر، لو قرأت القرآن قربك إلى الله، وهذا من الذكر، لو تأملت في أفعال العباد، وفي أفعال الله عز وجل، وكيف أن الله عز وجل يعطي كل ذي حق حقه، وكيف أنه ينصر المؤمن ويعاقب الكافر، هذا من ذكر الله، لو أردت أن تعرف عن رسول الله شيئاً، فقرأت من سيرته هذا من ذكر الله، لو أردت أن تطلع على سنته القولية، أي على أحاديثه الشريفة، هذا من ذكر الله، لو أردت أن تعرف حكم الله في موضوعٍ ما، أحكام الفقه، هذا من ذكر الله، لو أردت أن تسبح الله، سبحان الله، لو أردت أن تحمد الله، الحمد لله، أن توحد، لا إله إلا الله، أن تكبر، أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أن تقول: الله الله، كل هذا من ذكر الله، يضاف إلى ذلك أن تذكره لنفسك، وأن تذكره لغيرك، قد تذكر الله عز وجل لك وقد تُذّكر العباد بالله عز وجل، ذكر الله به تطمئن القلوب، وكل إنسان يبحث عن طمأنينة القلب، يقول لك: لست مرتاحاً، أنا متضايق، شاعر بضيق، شاعر أن الدنيا لا تسعني، هذا من البعد عن الله، قد يقول واحدٌ من الناس: أنا أسعد الناس، أو ليس في الأرض من هو أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، معنى هذا أنه موصول بالله عز وجل، الله عز وجل مصدر السعادة الحقيقية، وحينما تبتغي السعادة لغير الله، لا تجد إلا سواداً، وأسأل أهل الدنيا، يتوهمونها بالنساء، لا يجدونها، يتوهمونها في المال، لا يجدونها، يتوهمونها بالمراتب العليا، لا يجدونها، السعادة لا تكون إلا بالقرب من الله عز وجل.

السعادة والسلامة مطلبان ثابتان لكل إنسان :

 أخواننا الكرام؛ من الثابت أن السعادة والسلامة مطلبان ثابتان لكل إنسان، السلامة لتطبيق منهج الله، والسعادة بالقرب من الله، مطلبان ثابتان لكل إنسان في الأرض، أن يسلم من مرض، من فقر، من سجن، من خوف، من قهر، من مشكلة، من خصومة، وأن يسعد ويرتقي، السلامة لتطبيق منهج الله، والسعادة بالقرب من الله.
 ذكرت هذا البارحة أن الله عز وجل كماله مطلق، ولكن كان من الممكن ألا يكون لك وسيلة للتقرب منه، قد تجد ملكاً عظيماً، لا تستطيع أن تقابله أبداً، ولا أن ترسل له رسالة، ولا أن تذهب إليه، ولا أن يعلم عنك شيئاً، مستحيل، الطرق كلها مسدودة، لكن الله سبحانه وتعالى كل الطرق سالكةً إليه، إن أطعمت حيواناً تصل إليه، إن كنت باراً بأمك وأبيك تصل إليه، إن كنت زوجاً مثالياً تصل إليه، إن كنت ابناً مثالياً تصل إليه، إن أتقنت عملك تصل إليه، إن وقفت عند حدود الشرع تصل إليه، الله عز وجل الطرائق إليه كثيرة جداً،

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

 مهما ابتغينا السعادة، والطمأنينة لغير الله عز وجل لا نجدها، إلا سراباً في سراب، من يبحث عن السعادة بعيداً عن ذكر الله كمن يبحث عن اللؤلؤ في الصحراء، لن يجد شيئاً، والناس أمامكم واسألوهم، اسألوهم، واستحلفوهم، هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله هم سعداء؟ قد ترى عينك شيئاً على عكس ما يراه قلبك، قد ترى عينك أنهم سعداء، لكنهم في الحقيقة أشقياء، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

 أما إذا أعرض الإنسان عن ذكر ربه فيأتيه العذاب متدرجاً في الصعود، من عذابٍ إلى أشد، من ضيقٍ إلى أشد.

عذاب الله عز وجل تربوي تأديبي :

 شيءٌ آخر: الآن العذاب ما مهمته؟ قصةٌ قصيرة وردت في سورة القلم:

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ* وَلَا يَسْتَثْنُونَ* فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾

[ سورة القلم:17-19 ]

 الآن تسمع أن هناك صقيعاً، ست درجات تحت الصفر، هذا الصقيع:

﴿ طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾

 قد يأتي على محصولٍ فيحرقه، يسود المحصول بدقائق، أحياناً دقائق، محصول ثمنه نصف مليون ليرة يذهب بدقائق.

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ* فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

[ سورة القلم:20 ]

 وكأنها مقطوعة، مجنية، قال تعالى:

﴿ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ* أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ* فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ* أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ* وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ* فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾

[ سورة القلم: 21-26 ]

 ليس هذا بستاننا:

﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ* قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ* قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾

[ سورة القلم: 27-29 ]

 ظلموا أنفسهم حينما منعوا الفقير حقه، حينما منعوا الفقير حقه أتلف الله لهم مزروعاتهم، وجعلها

﴿ كَالصَّرِيمِ ﴾

 بـ

﴿ طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾

 أنا أذكر قبل خمسة أعوام جاءت موجة صقيع على الساحل، الساحل من أربعين سنة حرارته في الشتاء ست درجات أو سبع، في سنة كانت الحرارة ثماني درجات تحت الصفر على الساحل، أي محصول الخضراوات المحمية بمئات الملايين أتلف في ثانية، هذا:

﴿طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾

 يصيب أي منطقة، هنا:

﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ* قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ* عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴾

[ سورة القلم: 30-32 ]

 هذه القصة مفتاحها في كلمة واحدة:

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾

[ سورة القلم: 33 ]

 أي يا عبادي أيُّ عذابٍ أسوقه لكم من هذا القبيل عذاب تربوي، عذاب تأديبي، عذاب لكي ترجع إلى الله عز وجل، عذاب لتتوب إليه، عذاب لتقبل عليه.

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة القلم:33 ]

 أي الله عز وجل يسوق لنا العذاب الأدنى ليحمينا من العذاب الأكبر، أي الإنسان يختار الأدنى على الأكبر، الآن آلام السن لا تحتمل أحياناً، إن ذهبت إلى الطبيب كي يقلعه، لابد من تخدير، التخدير مؤلم في أوله، تقبل بوخز الإبرة في النيرة وهي مؤلمة كي تتلافى ألماً مديداً، وكبيراً، الإنسان يقبل الأقل من أجل تلافي الأكبر، وربنا عز وجل قال:

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 إلا أن هذا العذاب في الدنيا أقل بكثير من عذاب الآخرة:

﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

المؤمن في الدنيا يؤدي الذي عليه و يبقى الذي له :

 شيء آخر: ربنا عز وجل يطلعنا على المستقبل في كتابه إطلاعاً مباشراً قال:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾

[ سورة الحاقة: 18-19 ]

 كان من المؤمنين:

﴿ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾

[ سورة الحاقة: 19-20 ]

﴿ ظَنَنْتُ ﴾

  بمعنى أيقنت:

﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة: 21-24 ]

 أحياناً الإنسان كما قال النبي عن الأنصار، قال:

(( فإنهم قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم ))

[ أحمد عن رجل من الصحابة ]

 المؤمن أدى في الدنيا ما عليه، بقي الذي له.
 أنا أذكر مثلاً؛ طالب نال الدرجة الأولى، التعب انتهى، الآن بقي التكريم، بقي حفل التخرج، بقي أن يدعى من قبل رئيس الدولة ليكرمه وليعطيه بعثةً في بلدٍ هو يريده، بقي له أن يختار مستقبلاً زاهراً، الذي عليه أداه بقي الذي له.
 كذلك:

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

  شخص أدى الصلوات بأوقاتها، صام رمضان، دفع زكاة ماله، غض بصره، ضبط لسانه، ضبط جوارحه، أقام الإسلام في بيته، ربى بناته على طاعة الله، ربى أولاده، فعل كل ما يستطيع، وانتهت حياته، وانتهى التعب، لذلك رأى النبي الكريم جنازة، قال:

(( مستريح، أو مُسْتَراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما المستريحُ، وما المستَراح منه؟ فقال: العبد المؤمنُ يستريح من نَصَب الدنيا، والعبد الفاجرُ يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))

[ متفق عليه عن أبي قتادة ]

 أي هو تقوم حياته على إيقاع الأذى بالناس.

العذاب الأليم لمن لم يؤمن بالله العظيم :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾

[ سورة الحاقة : 25-32]

 السبب، ماذا فعل هذا؟ ما الذنب الذي ارتكبه؟ قال:

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 33 ]

 أي إذا الإنسان ما آمن بالله العظيم يستحق هذا العذاب الأليم؟ العلماء قالوا: لأنه لم

﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

 لم يطبق شرعه الحكيم، فعندما لم يطبق شرعه الحكيم صار هناك عدوان على الآخرين، استحق من خلال هذا العدوان العذاب المهين، أي إن لم تعظم الله عز وجل، ولا تستقيم على أمره، فالتعظيم سبب، والنتيجة الاستقامة على أمر الله.
 النقطة الدقيقة أن منهج الله عز وجل تأخذ ما لك، وتعطي ما لغيرك، أما إذا خرجت عن منهج الله فلابد من أن تأخذ ما ليس لك، لابد من أن تعتدي على أموال الناس، لابد من أن تعتدي على أعراضهم، من لوازم عدم معرفة الله عز وجل أن تؤمن عندئذٍ بشهوتك، الإنسان يحركه شيئين، يحركه عقله، تحركه شهوته، فإذا آمن بالله عز وجل أعانه عقله على طاعة الله، عندما أطاع الله عز وجل أخذ ماله، ولم يأخذ ما ليس له، فهو في سلام، في بحبوحة نجا، أما لو أنه لم يؤمن بالله، بماذا إذاً هو مؤمن؟ بشهوته، ومن أجل أن يروي شهواته بطريقةٍ واسعةٍ جداً لابد أن يأخذ ما ليس له، إما بالمال، أو بالنساء، لذلك يستحق العذاب الأليم، لا لأنه لم

﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

 فحسب، بل لأن عدم إيمانه

﴿ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

 كان سبب انحرافه الشديد، والعقاب على انحرافه الشديد كان بسبب عدم الإيمان

﴿ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾

المصلي الحقيقي ليس جزوعاً ولا منوعاً :

 شيء آخر: المصلي الحقيقي ليس جزوعاً، ولا منوعاً:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 المصلي الحقيقي ليس جزوعاً، وليس منوعاً، الجزع أن تنهار أمام المصيبة، والمنوع هو الحريص على ما في يديه، أي ينهار بالضغط، و يتعلق بالإغراء، هذه من صفات الإنسان قبل أن يؤمن، الإنسان مطلق الإنسان، أما الإنسان إذا آمن فهو ليس جزوعاً، وليس منوعاً:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجن: 16 ]

 هذا كلام ربنا كذلك، أي الإنسان عندما يستقيم، ويثبت على استقامته، ويبتغي باستقامته وجه الله عز وجل، الله عز وجل وعده بحياةٍ طيبة، بطريقةٍ أو بأخرى يرضاها الله له:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً* لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً* وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الجن: 16 -18]

 المساجد لله، لا تحتمل أن تقوم فيها دعوةٌ لغير الله:

﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾

  بنيت لله، ويجب أن يلقى فيها العلم لوجه الله، وأن تكون الدعوة فيها إلى الله، ولا يحتمل مسجد الله عز وجل أن يكون فيه دعوةٌ لغير الله.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018