٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 46 - من سورة التغابن - الحظوظ موزعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء.


1997-02-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الله تعالى أفعاله كاملة له الخلق و التصرف و المصير :

 أيها الأخوة الكرام؛ حظوظ الدنيا موزعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أعطى إنساناً قوةً، أعطى إنساناً وسامةً، أعطى إنساناً مالاً، لكن الصفات مهما تنوعت تنضوي في النهاية تحت بابين، صفات قوة، وصفات كمال، الشيء الذي يلفت النظر أنك تجد إنساناً قوياً، لكن أخلاقه لا تعجبك، وقد تجد إنساناً أخلاقياً، لكنه ضعيف، لا الضعيف يعجبك، ولا سوء الخلق يعجبك، أما أن يجتمع حسن الخلق مع القوة فهذا شيء رائع جداً، إنسان قوي جداً في الوقت نفسه أخلاقي جداً، هذان النموذجان إذا اجتمعا في إنسان شيء لا يصدق، قوي إذا أراد شيئاً يفعله، لا تستطيع جهة أن تقف أمامه، بالمقابل عدل، رحمة، إنصاف، قد نقرأ الآيات، ولا ننتبه إلى فحواها، الله جلّ جلاله يقول في مطلع هذه السورة:

﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

[ سورة التغابن: 1 ]

 في وقتٍ واحد، الملك له، القوة كلها بيده، هو الخالق، مالكنا، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، ملكية مطلقة:

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

  أفعاله كلها يحمد عليها، صفات القوة، وصفات الكمال، لذلك يمكن أن نقول: أسماء الله الحسنى تسعةٌ وتسعون اسماً، كلها في ثلاث كلمات، الله موجود، الله واحد، الله كامل، وجود، وحدانية، كمال، هذه الفكرة وحدها تلقي الطمأنينة في قلوب العباد، الأمر بيد الله، لا تخش أحداً إلا الله، المصير إلى الله، القوة بيد الله، فلذلك:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن: 78]

﴿ذِي الْجَلَالِ﴾

 : القوة، والعظمة، والقهر، والبطش

﴿ وَالْإِكْرَامِ ﴾

 : الرحمة، والإنعام، والإكرام، إذاً ربنا جلّ جلاله كل صفات الكمال عنده، وكل صفات القوة عنده، فإذا كنت معه تسعد بقوته، وتسعد بكماله، تشتق من قوته فلا ينالك أحد، في بعض الأدعية: كيف نضام في سلطانك يا رب؟ وكيف نذل في عزك؟ وكيف نفتقر في غناك؟ تكون مع الغني وتفتقر؟ تكون مع الغني وتذل؟ تضام وأنت في حمى الرحمن؟ ما معنى قول الله عز وجل؟

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48]

 أي إذا كان الإنسان بعين الله عز وجل هل تستطيع قوةٌ في الأرض مهما كانت بطاشةً أن تصل إليه؟ أبداً، أنت حينما تكون مع الله أقوى الناس، يقولون في الفقه: لا يجوز إعطاء الطفل الصغير ابن الغني زكاة المال، الطفل لا يملك شيئاً، العلماء يقولون: هو غني بغنى أبيه، غناه مشتقٌ من غنى أبيه، هو فعلاً لا يملك شيئاً، لكن والده معه ملايين، وهو عند والده أسير، فهذا لا يعطى الزكاة لأنه غناه تابع لغنى والده.
 المؤمن ضعيف، وقوته من قوة الله عز وجل، غناه من غنى الله عز وجل، كماله من كمال الله عز وجل، لذلك هذه الصفات المتكاملة:

﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

﴿ لَهُ الْمُلْكُ ﴾

  خلقاً،

﴿ لَهُ الْمُلْكُ ﴾

  تصرفاً.
 أحياناً يصنع السلاح ويباع، صانع السلاح شيء، والمشتري شيء آخر، بعد أن صنع السلاح وباعه، لا يمكن التصرف به، قد يوجه لجهة دون جهة، إنسان يملك بيتاً يملك رقبته، لكنه مؤجر قبل السبعين، لا يملك منفعته إطلاقاً، مئة ليرة بالشهر، ثمنه ثلاثون مليوناً، هذا المئة ليرة لا تكفي ضريبة له، يقول: هذا يملك البيت، ولا يملك منفعته، إنسان مستأجر بيتاً، يملك المنفعة ولا يملك الرقبة، أما الذي يملك الرقبة والمنفعة معاً فهذا شيء مدهش، لكن لا يملك المصير، ممكن أن تستملك هذه المنطقة، ويمكن أن يفتح شارعاً فيهدم البيت.
 دقق: رقبة، منفعة، مصير، خلق، تصرف، مصير، كلمة

﴿ لَهُ الْمُلْكُ ﴾

  أي له الخلق، وله التصرف، وله المصير،

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

 كل أفعاله كاملة، لذلك قال بعضهم كلمة رائعة: الحمد لله على وجود الله، الأمر بيده.

القلق هو المرض الأول في العصر :

 أيها الأخوة الكرام؛ أكثر أمراض النفس أساسها الشدة النفسية، الشدة النفسية أساسها الشرك، الخوف من البشر، الله عز وجل أحياناً يعاقب البشر، بأن يجعل بأسهم بينهم، والله عز وجل قال:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

﴿ مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

 البراكين، أو الصواريخ:

﴿ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

 الزلازل، أو الألغام:

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

 هذا الخوف الذي يأتي للإنسان من أخيه الإنسان خوف مدمر، لذلك يمكن أن يقال: المرض الأول في العصر القلق، والقلق لا يحله إلا التوحيد.

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 213 ]

 إذا الإنسان تأمل في هاتين الكلمتين:

﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

  كل شيء بيده، وكامل، ما عليك إلا أن تطيعه، لذلك من أجمع الأحاديث الشريفة، الموجزة، الجامعة، المانعة، قول النبي الكريم:

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه ))

[ مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب ]

 أي القوة كلها بيد الله عز وجل، هو يحجزها، أو يطلقها.
 أحدث بحث بعلم الوراثة، أو بعلم الجينات الهندسة الوراثية، قبل أشهر اكتشفوا جينة، أو مورثاً، هو مورث السرطان، كل إنسان عنده استعداد لهذا المرض، الشيء العجيب أن هذا المرض إما أن يجمد أو يفعّل، وكل شيء بيد الله، الخلايا منضبطة بفعل الله عز وجل، سمح لبعضها أن تنمو نمواً عشوائياً بفعل الله عز وجل، الاستعداد موجود عند كل إنسان، إما أن تفعّل، وإما أن تجمد، الآن بحوث الهندسة الوراثية تكلف ألوف الملايين، كلفت خمسة مليارات، من أجل أن نعرف التخطيط للإنسان كيف يتم، إذاً:

﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

الموت ينهي كل شيء :

 شيء ثان:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة التغابن:3 ]

 يوجد معنى ضمني، الإنسان مهما تكن صورته حسنة سيموت، والمصير إلى الله، ما الذي ينفعه؟ عمله، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الله لا ينظرُ إِلى صوركم وأَموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فالصورة تنتهي بالموت، والإنسان الوسيم يموت، والدميم يموت، الغني والقوي كل هؤلاء إلى الموت، لكن

﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

 يبقى عمله، إنسان صام رمضان، وغض بصره برمضان، وضبط لسانه برمضان، وأدى الصلوات برمضان، وانتهى رمضان، وجاء العيد، المشقة انتهت بقيَّ الأجر والثواب، والذي فطر في رمضان، وأطلق لسانه في رمضان، وتابع ما يجري في رمضان، ولم يعبأ بالورع، ولا بالتقى في رمضان، وجاء العيد، هذه المتع التي تمتع بها انتهت وبقيَّ الإثم والعقاب، كل شيء يزول، يبقى الثواب، أو العقاب.

التفريق بين الخير و الشر لا يكون إلا بنور الله :

﴿ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾

[ سورة التغابن: 8 ]

 الحياة فيها ظلام، فيها حفر، فيها آكام، فيها وحوش، فيها منافع، فيها مضار، لا تستطيع أن تفرق بين الخير والشر إلا بنور الله، العقل وحده لا يكفي، الأوربيون، والأجانب عندهم عقلٍ نامٍ جداً، عقلهم انتهى بهم إلى الإباحية، عقلهم انتهى بهم إلى تبادل الزوجات، عقلهم انتهى بهم إلى الشذوذ، عقلهم انتهى بهم إلى تهديم الأسرة، عقلهم انتهى بهم إلى المخدرات، عقلهم انتهى بهم إلى الجريمة، العقل وحده لا يكفي، العقل كالعين، لا قيمة لها من دون النور، العيون كلها سليمة، والحمد لله، لو أطفأنا الأنوار انتهت العيون، العين موجودة لكن قيمتها بوسيطٍ هو النور بينها وبين الأشياء، والعقل سليم، أما قيمته فبالوحي الذي يبين له كل شيء، ربنا عز وجل أنزل هذا القرآن، وسماه نوراً، نور، تستنير، أحياناً الإنسان يذهب إلى بلد الأجانب، يرى الأناقة، والجمال، والغنى، والترف، والخدمات الغير معقولة، والحقوق المبالغ بها، وكل شيء، يجوز أن يختل، لماذا نحن بعكس ذلك؟ يقرأ في كلام الله:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام:44]

 يتوازن، معنى هذا أننا نحن بالعناية المشددة، هم خارج العناية المشددة، شخص مصاب بمرض عضال، سأل الطبيب: ماذا آكل؟ قال له: كُل ما شئت، انتهى، لكن معه التهاب معدة يعطيه الطبيب ألف تعليمة وتعليمة، ألف توجيه، إياك والمواد الدسمة، إياك والمواد كذا، إذاً يوجد تعليمات، ويوجد تشديد لأن هناك أملاً بالشفاء، أما إذا كان هناك إطلاق مع انحراف فلا يوجد أمل.

المصيبة عقاب تأديبي :

 ثم قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

[ سورة التغابن: 11 ]

 الحقيقة أن المصيبة عقاب، والعقاب التربوي يحتاج إلى تعليم، تصور أباً جالسلً مع أولاده بشكل طبيعي جداً وقف، هاتوا العصا، ضرب ابنه ضرباً موجعاً، لم يفهم أحد ماذا حصل؟ لماذا ضربته؟ هل يسمى هذا مربياً؟ إذا لم يبين أنت البارحة فعلت كذا، وكذا، كذبت وأخذت ما ليس لك، ضبطك تدخن مثلاً، إذا لم يبين السبب، الضرب يصير ليس له معنى، فربنا عز وجل يرسل المصيبة تأديبية، إذا لم يبين لك مشكلة، كيف يبين؟ قال: أول شيء

﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

 يلقي في روعك أن هذه المصيبة من أجل كذا، يقول لك: هكذا شعرت، هذا إلقاء من الله، أرسل العقاب، وأرسل معه البيان، والشرح، أو يجعل العقاب من جنس الذنب، أو يسخر له من يلقي عليه تعليل هذه المصيبة، لابد من أن يبلغ الإنسان المصاب بسبب هذه المصيبة.

من تقرب إلى الله بنفس طيبة أعطاه الله أضعافاً مضاعفة :

 الآية الأخيرة:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[ سورة التغابن: 16 ]

 هذه الكلمة دقيقة جداً، تُفهم على معنيين متعاكسين، تفهم على بذل بعض الجهد، أي قدر ما تستطيع، وتفهم على استنفاذ الجهد:

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

  أعطها نبرة؟

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

 نبرة ثانية:

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

  فربنا عز وجل يقول:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة التغابن: 16 ]

 أنا حدثني أخ - جزاه الله خيراً- له قريب توفي، حضر تغسيله، هو ميسور الحال، سأل: أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: دينه عليّ، قال لي: بذهني عشرة، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، في اليوم الثاني اتصل، طلب الدين، فكان المبلغ مئة وثلاثين ألفاً، دفعه بنفسٍ طيبةٍ راضية، أقسم بالله العظيم أن الله ساق له في اليوم التالي مئةً وثلاثين ألفاً بالتمام والكمال، حدثني هذا في صحن المسجد، الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

 إنسان يدفع بنفس طيبة، يبتغي بها وجه الله، يتقرب إلى الله، الله عز وجل يعطيه أضعافاً مضاعفة.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ، وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018