٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 45 - من سور المجادلة والحشر والجمعة - حاجات الإنسان.


1997-01-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحاجات الأساسية للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ كلكم يعلم أن في الإنسان حاجاتٍ أساسية، إحداها الحاجة إلى الطعام للحفاظ على الفرد، والحاجة إلى الجنس للحفاظ على النوع، والحاجة إلى الذكر أو الحاجة إلى تأكيد الذات للحفاظ على الذكر، الأشياء المعنوية حاجةٌ أساسية في الإنسان، من هذه الأشياء المعنوية أن يكون عزيزاً، ويقابل هذه العزة الذل، ربنا عز وجل يقول في سورة المجادلة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

[ سورة المجادلة:20]

 أي:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾

[ سورة فاطر: 10 ]

 إن لم تكن مع الله لن تكون عزيزاً، إن لم تكن مستقيماً على أمر الله لن تكون رافع الرأس، إن لم تكن مع القوي لن تكون قوياً، إن لم تكن مع العزيز لن تكون عزيزاً، من أراد العزة، وهي مطلبٌ أساسي بعد الطعام والشراب، وبعد الزواج، الإنسان يميل إلى تأكيد ذاته، إما من خلال عمله، أو من خلال تفوقه في مجال من المجالات:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

  والدعاء الشريف:

(( سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت ))

[الترمذي عن الحسن بن علي ]

 وقد تعلمون أن الإنسان قد يؤثر عزة نفسه فيما يتوهم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة))

[ السيوطي عن أبي البحير]

الضّعف والذّلة تتأتى من البعد عن الله عز وجل :

 شيءٌ آخر:

﴿ كَتَبَ اللَّهُ ﴾

[ سورة المجادلة: 21 ]

 الله عز وجل لا يكتب، ولكن إذا قال لنا:

﴿ كَتَبَ ﴾

 أي ليؤكد لنا، وليطمئننا:

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[ سورة المجادلة:21 ]

 أي من سابع المستحيلات أن تكون مع القوي العزيز، ثم تكون ضعيفاً، ذليلاً، الضعف والذلة تتأتى من البعد عن الله عز وجل.

الولاء و البراء :

 شيءٌ آخر، كنت أقول لكم سابقاً: هناك في الإسلام ما يسمى بالولاء والبراء، فما لم توالِ المؤمنين، وتتبرأ من الكافرين، لن تكون مؤمناً، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾

[ سورة المجادلة: 22 ]

 هذه المودة، العلاقة الحميمة بين رجلين، فيما يبدو أحدهما مؤمن، والثاني غير مؤمن، هذه المودة لن تكون، وإن كانت فهناك شكٌ في الإيمان، لك أن تقيم علاقة مع غير المؤمنين علاقة عمل، أما العلاقات الحميمة شركة اندماجية، نزهة مختلطة، فهذه العلاقات الحميمة تشعر أن صاحبها بعيدٌ عن الإيمان.

عظمة الله تظهر حينما ينقض عزيمة قوي :

 شيءٌ آخر، قال بعضهم: عرفت الله من نقض العزائم، أي الأرض لها أسباب، لها أسباب القوة، ربنا عز وجل تتبدى عظمته، تتبدى قدرته، حينما ينقض عزيمة قوي، فالقوي معتدٌ بنفسه، القوي متعجرف، القوي ينظر إلى ذاته.
 سيدنا عمر كما تذكرون لما جاءه جبلة بن الأيهم مسلماً، وهو ملكٌ غساني، رحب به أشدّ الترحيب، في أثناء الطواف، داس بدوي من فزارة طرف ردائه، فانخلع عن كتفه، فالتفت هذا الملك إلى هذا الأعرابي البدوي، وضربه ضربةً هشمت أنفه، ماذا يملك هذا الأعرابي إلا أن يشتكي إلى عمر؟ اشتكى إلى عمر، فاستدعى جبلة، قال عمر لجبلة: أصحيحٌ ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال جبلة: لست ممن يكتم شيئاً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيديَّ، قال له: أي حقٍ يا بن أيهم؟ عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم، عند غيري جبهةٌ بالإثم، بالباطل تلطم، هذه نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمنَّ الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرشٌ وتاج؟ كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً؟ قال له مرةً ثانية: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، قال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني، فقال: عنق المرتد بالسيف تحز، عالمٌ نبنيه، كل صدعٍ فيه، بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
أي الإسلام عزيز، سيدنا عمر ضحى بجبلة الملك، ولم يضحِ بمبدأ من مبادئ الإسلام، وهذا دليل عزته، واتصاله بالله، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾

[ سورة المجادلة: 22 ]

 أيها الأخوة؛ كما قلت قبل قليل: عرفت الله من نقض العزائم، إنسان قوي، جهة قوية جداً، متمكنة، بقدرة قادر تصبح كبيت العنكبوت، هذا في سورة الحشر:

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ﴾

[ سورة الحشر: 2 ]

 أحياناً الإنسان لدرجة قوته العالية الناس لا يصدقون أنه يقع أبداً:

﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾

[ سورة الحشر: 2]

 مع الله لا يوجد قوي، مع الله لا يوجد ذكي، مع الله لا يوجد صاحب حيلة، إذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لب لبه.
 لذلك هذه السورة المسلمون في أمس الحاجة إليها، هم غير مكلفين أن يعدوا العدة المكافئة، أما هم فمكلفون أن يعدوا العدة المتاحة، إذا أعدوا العدة المتاحة يتولى الله عز وجل ترميم ما نقصهم من قوة كي يواجهوا بها عدوهم، أي

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ ﴾

 كل إنسان يوجد له جهة يركن إليها، هذا إلى ماله، هذا إلى مكانته، هذا إلى علاقاته النامية، هذا إلى قوة ذكائه، هذا إلى قوة حجته، هذا الشيء الذي نركن إليه يجب أن نعلم علم اليقين أن الله وحده هو المتصرف.

التجارة مع الله ربح في الدنيا و الآخرة :

 أيها الأخوة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[ سورة الصف: 10]

 ما رأس مال المؤمن في هذه التجارة؟ الوقت، وقته، ورأس ماله فراغه، ورأس ماله صحته، ورأس ماله أمنه، فإذا كان مطمئناً، وإذا كان صحيح البدن، وإذا كان مكتفياً، وإذا كان في عمره بقية، هذا رأس ماله، لو أنفق هذه الأشياء التي أتيحت له في طاعة الله كان أكبر تاجرٍ في الأرض:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة الصف:10-12 ]

 العظيم يقول:

﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 خالق الأكوان يقول: هذا هو الفوز، هذا هو النجاح.
 قلت من قبل: الإنسان عندما يتحرك حركة نحو هدفه يسعد، وإن كانت هذه الحركة خلاف هدفه يشقى، والدليل: لو أن واحداً منا على مشارف امتحانٍ مصيري، وأخذه أصدقاؤه إلى نزهة، أطعموه أطيب الطعام، وكان المكان جميلاً جداً، هذا الإنسان في المكان الجميل، ومع الطعام الطيب يشعر بكآبةٍ كثيرة، لأن هذه الحركة تتناقض مع هدفه القريب، وهو النجاح في الامتحان، أما لو جلس في غرفةٍ، قميئةٍ، مظلمةٍ، وقرأ الكتاب المقرر فيشعر براحةٍ كبيرة، الراحة تتأتى من توافق الحركة مع الهدف، فالإنسان إذا تاجر مع الله، وبذل وقته وفراغه وأمنه وكفايته في سبيل الله ربح الدنيا وربح الآخرة:

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

خطبة الجمعة فريضة على كل مسلم :

 آخر آيةٍ:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الجمعة: 9 ]

 كثيرون جداً من المسلمين يظنون أن السعيَّ إلى صلاة الجمعة، والأصح من ذلك أن السعيَّ ينبغي أن يكون إلى خطبة الجمعة، لأنها العبادة التوحيدية الوحيدة في الإسلام، فريضة على كل مسلم:

(( من ترك الجمعة ثلاث مرَّات تَهاوُنا بها طَبَعَ الله على قلبه ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الجعد الضمري ]

 إذاً كما الإنسان يتحرى طعاناً طيباً يأتي به من طرف المدينة، لو كان دينه غالياً عليه لبحث عن خطيبٍ يستفيد منه، الإنسان أحياناً لسان حاله يقول: سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب، أما المؤمن فيبحث عن خطبةٍ يستفيد منها أكيد، بشكلٍ حتمي، قال:

﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 المفسرون أغلبهم يقولون: ذكر الله سماع الخطبة:

﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الجمعة: 9]

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018