٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 43 - من سورة الحجرات


1997-01-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

قلب العبد بيد الله لصالحه و لصالح آخرته :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية السابعة في سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾

[ سورة الحجرات:7]

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف يشاءُ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

 لعل النبي صلى الله عليه وسلم استنبط هذا الحديث من هذه الآية:

(( إن القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف يشاءُ ))

 ولكن يقلبه لصالح من؟ يقلبه لصالح الإنسان، الإنسان حينما يؤمن، أو حينما يتخذ قراراً بالإيمان، والاستقامة على أمر الله، الله سبحانه وتعالى بما أن قلب الإنسان بيده يملؤه فرحاً وسعادةً، لأن الله خلق في القلب حبّ الإيمان، إذاً أن يكون قلب الإنسان بيد الله عز وجل هذا لصالحه، كلما اتخذ قراراً حكيماً، فرح القلب، وأطمأن، واستراح، لأن الله عز وجل حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، والإنسان حينما يتخذ قراراً آخر، ليس في صالحه، حينما يقرر أن يعصي الله، أو أن يأكل المال الحرام، أو أن يعتدي على أعراض الناس، يشعر بالضيق والكآبة، والكآبة الآن مرض العصر، إنها تعذيب الضمير، أو إنها تعذيب الفطرة، أو إن القلب الذي فطره الله على الحق، وعلى الكمال، فإذا استقام الإنسان اطمأن، وإذا انحرف شعر بالضيق، فأن يكون قلب الإنسان بين إصبعين من أصابع الرحمن هذا لصالحه، إلا أن الذين:

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾

[ سورة آل عمران: 154 ]

 يتوهمون أن قلب العبد بيد الله عز وجل، يمكن في آخر حياته أن يزيغ قلبه فيستحق النار، مع أن أمضى حياته كلها في طاعة الله، هذا المعنى الذي ما أراده الله عز وجل والذي يتبادر إلى السيئ الظن.

﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾

[ سورة الفتح: 6 ]

 أي الفطرة شيء مهم جداً، يغفل الناس عنها أحياناً، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس :7-8]

 أي ألهمها طريق تقواها، وألهمها طريق فجورها، يوجد طريقان هذا معنى، والمعنى الثاني: ألهمها إذا اتقت تشعر أنها اتقت، وتطمئن، وألهمها أنها إذا فجرت، تشعر بفجورها، وتقلق، فلهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ))

[ الحاكم عن النواس بن سمعان ]

 إذاً لصالح الإنسان، لصالح إيمانه، لصالح آخرته، الإنسان حينما يؤمن يرتاح قلبه، لك أن تفسر هذا، لأن الفرح شيءٌ يخلقه الله في قلب الإنسان، ولك أن تفسر هذا لأن الإنسان مفطور على الإيمان، متوافقٌ مع الإيمان، فإذا آمن وجد نفسه، وارتاحت، واستقرت، إذاً لا يتبادر إلى أذهانكم أن قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن، من أجل أن يغدر به كما يتوهم الناس، أو من أجل أن يميته على غير الإيمان، بلا سببٍ منه، هذا معنى ما ورد إطلاقاً، ولا أراده الله عز وجل، لكن المفترين على الله عز وجل يتوهمون هذه المعاني، قلبك بيد الله من أجل مصلحتك، كأن الله يعينك، إن أصبت في قرارك، شجعك، فألقى في قلبك الفرح والطمأنينة، وإن أخطأت في قرارك، خوفك، فألقى فيه الخوف، والقلق، والحزن، هذا شيء.

الإنسان بيد الله لا يتحرك إلا بأمر الله :

 يوجد شيء ثان؛ الإنسان مخير، لو أن الإنسان مخير، ومطلق، فإذا أراد أن يبطش بالآخرين بطش بهم، هذا شيء يتناقض مع التوحيد، لأن الأفعال بيد الله عز وجل، أنا كيف أطمئن؟ إذا كان كل إنسان بإمكانه أن يفعل بي ما يشاء، لعلي أضعف أمام بعض الآخرين، لعل بعضهم أقوى مني، لعل بعضهم أغنى مني، هم أحرار طليقون، ولكن الإنسان بيد الله، لا يتحرك إلا بأمر الله، والذي يحركه قلبه، الإنسان له رؤية، رؤيته أحياناً تقوده إلى عملٍ معين، رؤية أخرى تقوده إلى عمل آخر، فمن أجل أن تطمئن إلى كل من حولك ولو كانوا أقوياء قلبهم بيد الله، فلن يستطيعوا أن يصلوا إليك إلا إذا سمح الله لهم، لأن حركتهم أساسها رؤية، والرؤية أساسها موقف القلب، الإنسان يرى الخير في كذا أو يرى الخير في كذا فينطلق.
 إذاً من معنى آخر لك أن تطمئن أن الله عز وجل لن يسمح لأحد أن يصل إليك إلا إذا كانت هناك حكمة في هذا الوصول:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود:55-56]

 لعل هذا المعنى الثاني أن العباد بيد الله، ولن يصلوا إليك إلا إذا سمح الله لهم، ولن يسمح الله لهم إلا إذا كان هناك حكمة من أن يصلوا إليك، هذا المعنى الدقيق إضافةً إلى المعنى الأول.
 المعنى الأول قلبك بيد الله لصالحك، كأنه يعينك على الخير بشرح صدرك للخير، وكأنه يحجزك عن الشر إذا اتخذت قراراً بفعلٍ شرير، يقبض نفسك، أما المعنى الثاني فلو رأيت الأقوياء والأغنياء وأصحاب النفوذ هؤلاء بيد الله عز وجل:

(( إن القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف يشاءُ ))

قصة تبين أن قلوب الناس بيد الله عز وجل وحده :

 ذكرت كثيراً قصة نموذجية توضح هذه الحقيقة، مرة في عهد الحجاج كان الحسن البصري أحد كبار التابعين، أدى أمانة العلم، فذكر أشياء مع ملأ من الناس، أغضبت الحجاج، فاستشاط غضباً، وقال لمن كان مع الحسن البصري: يا جبناء، والله لأسقينكم من دمه، ثم أمر بقتله وانتهى الأمر، جاؤوا به ليقتل، وجيء بالسياف، ومدَّ النطع وهو رداء أو بساط يوضع تحت أرجل المقتول، لئلا يتأذى الأثاث الفاخر تحت أرجل المقتول، وجيء بالحسن البصري، فلما دخل حرك شفتيه حركة لم يفهم منها أحد شيئاً:

((إن القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن))

 لما دخل وقف له الحجاج، وقال: أهلاً بأبي سعيد، وما زال يقربه حتى أجلسه على سريره، واستفتاه، وسأله، وأثنى عليه، وضيفه، وعطره، وشيعه، شيء غير معقول، إنسان اتخذ قرار بقتله، والسياف جاهز، وقد مدَّ النطع، والحاجب يعلم ذلك، حينما شيعه وغادر قصر الحجاج، تبعه الخادم وقال: يا أبا سعيد ماذا قلت في شفتيك وأنت داخل؟ قال: ولِمَ؟ قال: لأنه قد جيء بك لغير ما فعل بك، جيء بك لتُقتل، قال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، ومؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، هذه القصة تبين أن قلب الحجاج بيد الله عز وجل، ورد في الحديث القدسي:

(( إن الله يقول: أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع، أكفكم ملوككم ))

[ الطبراني عن أبي الدرداء ]

 قلب أيِّ إنسانٍ بيد الله، إن أراد الله أن يؤدب الإنسان ملأ هذا القلب قسوة، ملأ قلب القوي قسوةً، وإذا أراد الله أن يكرم إنساناً ملأ قلب القوي رأفةً ورحمةً، شيء ليس له قاعدة، القاعدة أن قلب هؤلاء بيد الله، فإن كنت تستحق الإكرام ملأ قلبهم عطفاً عليك، ورحمةً بك، وإنصافاً لك، وإن كان الإنسان يستحق التأديب، ملأ قلبهم قسوةً، وغلظةً، وفظاظة.

قلوب العباد بيد الله لترسيخ التوحيد ولصالح المؤمن :

 إذاً قلوب العباد بيد الله، هذه لصالح الناس، هذه لترسيخ التوحيد، ولصالح المؤمن، ومن أجل أن تطمئن صحيحٌ أن الإنسان مخير، ولكن مخير أن يفعل، أو ألا يفعل، فإن أراد أن يفعل لا يستطيع أن يصب فعله على من يشاء، إن أراد أن يسرق، عندئذٍ يسير لإنسانٍ تعد سرقته حكمةً، لا أقول عقاباً، ولا أقول ثواباً، أقول حكمةً، إذاً يجب أن تطمئن.

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى* قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

[ سورة طه:45-46 ]

 هذا الذي قلته يملأ قلب الإنسان طمأنينة.
 الآن أحياناً يوجد وحوش كاسرة، أحياناً يوجد عقارب، وحيات في البساتين، أو في الريف، الإنسان إذا كان يعتقد أن كل شيءٍ طليق، شيء مخيف جداً، أما إذا اعتقد أن كل شيءٍ بيد الله، حركته بيد الله، ومحركه بيد الله وهو القلب، القلب - كما قلت - يحب، ترى منه العجب العجاب، يبغض ترى منه العجب العجاب، يكبر ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، هذا القلب بيد الله، إذاً أنت أمام إنسان أقوى منك، عطف عليك، الله عز وجل ملأ قلبه عطفاً عليك، أراد أن يصل إليك بالأذى، قلبه ملأه الله قسوةً، وغلظةً، علاقتك مع الله وانتهى الأمر.
إذاً صار عندك معنيان، أول معنى: تقليب القلب بيد الله لصالحك، لصالح إيمانك، كأن الله يعينك على اتخاذ القرار الصحيح، إن أصبت في حركتك ملأ قلبك سعادةً وحبوراً، وإن أخطأت ملأه ضيقاً وشقاءً.
 والمعنى الثاني: أن أحداً لن يستطيع أن يصل إليك إلا إذا سمح الله له، لأن قلبه الذي يحرض عمله بيد الله.
 الآن أحياناً الإنسان يأتيه سائل، يشعر أنه يكذب، القلب لا يميل إلى الكذب، يمتنع عن إعطائه، أحياناً تندفع إلى إعطاء إنسان اندفاعاً غير معقول، من الذي ملأ القلب عطفاً؟ ومن الذي ملأه قسوةً؟ الله عز وجل، كأن الله هو الذي يحركنا، بأن يملأ قلبنا رحمةً، أو بالعكس، إذاً اطمأن لن يستطيع أحدٌ أن يصل إليك، إلا إذا شاء الله، لأن قلوب العباد بيد الله، يحركها كيف يشاء، والتاريخ ممتلئ بقصص تؤكد هذه الحقيقة، وحياتنا اليومية مملوءةٌ بقصص تؤكد هذه الحقيقة:

(( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[البزار عن أبي الدرداء ]

 هذه حقيقةٌ يجب أن تكون واضحةً في أذهانكم.

المؤمنون إخوة :

 الشيء الآخر الآية الثانية والأخيرة:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 هذه الحقيقة تغيب عن معظم الناس، مجموع المؤمنين إخوة، مجموعهم، ليس إخوة جامعٍ واحد، إخوة حلقةٍ واحدة، إخوة جماعةٍ واحدة، أبداً:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 مجموع المؤمنين:

﴿ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 يوجد فعل رحماني، وفعل شيطاني، الفعل الرحماني إصلاح ذات البين، والشيطاني يلقي العداوة والبغضاء، وهذا فعل الشيطان، الشيطان له خصائص، من أحد خصائصه التفريق دائماً، لو غفل الزوج وزوجته عن الله عز وجل يلقي في روع الزوجة أن الزوج لا يحبك، وأنه سينتقم منك، وأنه سيطلقك، ويلقي في روعه أنها لا تحبك، وتفعل كذا وكذا في غيبتك، مهمة الشيطان الأولى التفريق بين الزوجين، وبين الشريكين، وبين المؤمنين، وبين الأخوين، مهمة المؤمن الجمع، والتعاطف، وتقريب وجهات النظر، والتكاتف، والتعاون، الشيطان يخوف، والرحمن يطمئن، الشيطان يعد بالفقر، والرحمن يعد بالعطاء، الشيطان يغري بالفاحشة، والملك يلهمك الخير:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

الحكمة من تحريم الغيبة :

 لماذا حرم النبي الغيبة؟ لأنها تفتت المجتمع، لماذا حرم النميمة؟ لأنه تقطع الناس بعضهم عن بعض، لماذا حرم الكذب؟ لأنه يؤذي، كل ما من شأنه أن يفتت المجتمع الإسلامي حرمه النبي عليه الصلاة والسلام بوحي من الله، وكل ما من شأنه أن يقرب وجهات النظر، وأن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، هو أيضاً قد أمر النبي به، وقد أرادنا الله عز وجل أن نكون جماعةً متماسكة، فقال:

(( يَدُ اللهِ مع الجماعةِ ـ ومن شدَّ شدَّ في النار ))

[ الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018