٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 41 - من سورة محمد - الصد عن سبيل الله.


1997-01-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

سقوط الأعمال في الآخرة عندما تتناقض مع الهدف الذي خلقت من أجله :

 أيها الأخوة الكرام؛ يقول الله عز وجل في سورة محمدٍ صلى الله عليه وسلم:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد:1 ]

 أي أعمالهم مهما بدت عظيمةً، إما أن تسقط في الدنيا، أو في الآخرة، لأن حركتهم في الحياة على عكس ما خلقوا له، فلو حققوا إنجازاً في الحياة الدنيا أو أعمالاً في مقياس العصر كبيرة جداً في الآخرة لا قيمة لها، لأنها لم تبنَ على نفع البشر، بل على الإضرار بهم.
 هؤلاء الذين اخترعوا الأسلحة الفتاكة، إنها إنجازٌ علميٌ كبير، ولكن بمقياس الإنسانية لا قيمة لها أبداً، أو هؤلاء الذين عملوا أعمالاً تبدو خارقةً، حتى في الدنيا قد تسبب شقاء البشرية:

﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 أي أن أعمالهم لم تتجه إلى الهدف الذي خلقوا من أجله، مثلاً لو أن إنساناً على مشارف الامتحان، أخذه أصدقاؤه إلى مكانٍ جميل، المكان جميل جداً، والطعام لذيذ، والأصدقاء أحباب، ولكن لأن هذه الحركة تتناقض مع الهدف القريب، وهو تأدية الامتحان والنجاح في الجامعة، يشعر بانقباض.
 لذلك

﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 أي تسقط قيمتها إن في الدنيا، أو في الآخرة، بمعنى آخر، إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبّ لبه، الإنسان حينما يختار الفقر، الله عز وجل قادر أن يسلبه حكمته، وخبرته، فيقع في شر عمله، ومع الله ليس هناك ذكيٌ إطلاقاً، يؤتى الحذر من مأمنه، مهما أخذ احتياطات، مهما أعد للأمر عدته، يؤتى من مكانٍ غير متوقع، أي من لوازم الكفر إضلال أعمالهم، أعمالهم لا تتجه إلى الهدف الذي ينبغي أن يكون، يعمل للدنيا، يؤسس منجزات ضخمة في الدنيا، وتنتهي مع موته، يأتي إلى الآخرة لا قيمة لها.

المؤمن يدعو إلى الإيمان و الكافر يدعو إلى الكفر :

 الشيء الثاني في الآية:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 الإنسان فيه طبيعة حركية، أو ديناميكية، فإذا اعتقد بشيء يتجه إلى نشره، فالكافر يدعو إلى الكفر، والضال يضل، والفاسد يفسد، والمنحرف يدعو إلى الانحراف، بالمقابل المؤمن يدعو إلى الإيمان، المستقيم يدعو إلى الاستقامة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب الإنسان، إلا تعبر عن ذاتها بذاتها، بحركة نحو الآخرين، فالفاسق يدعو إلى الفسق، الفاجر يدعو إلى الفجور، المنافق يدعو إلى النفاق، الضال يضل، المؤمن يدعو إلى الإيمان،

﴿ كَفَرُوا ﴾

 ما اكتفوا أنهم

﴿ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 بالمقابل آمنوا، ودعوا إلى الله.

من أقبل على الله و اصطلح معه غطي ماضيه بالتوبة و الغفران :

 هناك شيء لطيف جداً، كلما أقبلت على الله، وأردت أن تعقد معه صلحاً، تجد أن الماضي مغطى بالتوبة، والمغفرة.

﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد:2]

 أي لا يوجد مشكلة، الإنسان بأي سن صحا، الصحوة تتبعها مغفرة لما مضى،

﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾

 وفي آية أخرى:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد:2]

 وهذا العطف يقتضي التجانس، أي أعلى شيء أن يصلح الله بالك، رفعه الله إلى مستوى الهدى، وصلاح البال لا يكون إلا بالإيمان، لأن في النفس فراغاً، لا يملؤه إلا الإيمان بالله عز وجل، وطاعته، والركون إلى فضله، وكرمه.
 هناك مثل أتمنى أن يتوضح لديكم: تصور أباً من أعلى المستويات، علم، وحكمة، وتربية، وثقافة عالية، ومكانة اجتماعية، وله ابن رباه أعلى تربية، أي انتبه إلى صحته، إلى بنيته، إلى دراسته، إلى أخلاقه، إلى تدينه، والأب ميسور، هيأ له كل شيء، مثل هذا الابن الذي ينشأ في تربيةٍ عالية المستوى، وعنايةٍ فائق في كل شيء، هل يشبه طفلاً يتيماً، شريداً، طريداً ينام في الطرقات، ينغمس في الملذات الحقيرة، يأخذ ما ليس له، يودع السجن؟ هل يستويان؟ اسمع الآية:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد:11]

 ضائع، يتحرك حركة عشوائية بلا هدى، الذي يأتي في خاطره يفعله، قد يدمر نفسه، يعيش في وحشة، وحشة البعد عن الله عز وجل، ليس هناك من يسدد خطاه، دائماً في قلق، هذا الذي يتولى الله تربيته كهذا الذي تخلى الله عنه؟

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾

 ضائع، قد تجد طفلاً يتكلم بأبشع الكلمات في الطريق، يستخدم العورات الفاحشة في حديثه، لا يتوانى عن سرقة، ولا يتوانى عن فعل فاحشة، ولا يتوانى عن أي منكرٍ يفعله، لا أب، ولا أم، ولا تربية، ولا مدرسة، ولا توجيه، ولا أستاذ، هكذا الكافر.

القرآن الكريم ربيع القلوب :

 أخواننا الكرام؛ جزاهم الله خيراً، ضيوفنا، من حفاظ القرآن الكريم، نجحوا في مسابقات القرآن الكريم الأخيرة، وأرادوا أن يقيموا في بعض المساجد أمسيات قرآنية، بعد قليل نستمع إلى قراءتهم، وهم من المستشارية الإيرانية، جزاهم الله خيراً، نرحب بهم أشد الترحيب، ونتمنى لهم التوفيق، والنجاح، وأن يكون القرآن ربيع قلوبهم، ونحن بعد قليل نستمع إليهم، ونطرب أشد الطرب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( ليس منا مَنْ لم يتَغَنَّ بالقُرآنِ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

مقارنة بين المؤمن و الكافر :

 أيها الأخوة الكرام؛

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

 صلاح البال رفعه الله إلى مستوى الهدى، ثم إن:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة محمد: 12 ]

 كما يقول الله عز وجل:

﴿ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 12 ]

الموت نهاية كل شيء :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾

[ سورة محمد: 18 ]

 ورد في الحديث الشريف، وهذا الحديث والله أيها الأخوة لو تمعنا فيه والله يقصم الظهر، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ ))

 عاش، صار قوياً، صار غنياً، وصل إلى قمم المجد، ماذا ينتظره؟ الإنسان الشارد طبعاً، التائه، الذي ما عرف الله، قال:

((....هل تُنْظَرون إلا فَقْراً مُنْسياً، أو غِنى مُطغياً، أو مَرَضاً مُفسِداً، أو هَرَماً مُفنِداً، أو موتاً مُجْهِزاً، والدجالَ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ))

[الترمذي والنسائي عن أبي هريرة]

 الإنسان يقول: ثم ماذا؟ لو سرت في هذا الطريق الذي لا يرضي الله ماذا ينتظرني في نهايته؟ الموت, في طريق المال, في طريق الملذات, الشهوات, أي طريق لا يرضي الله ينتهي بالموت, والموت فيه حساب دقيق:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018