٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 30 - من سورة النمل والنحل - العمل الصالح يكون وفق السنة.


1997-01-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

نظام المجتمع في عالم النمل نظام تكويني وليس نظاماً تكليفياً :

 أيها الأخوة الكرام، في قصة سيدنا سليمان مع السيدة بلقيس ملكة اليمن، في سياق هذه القصة يقول الله عز وجل:

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا ﴾

[ سورة النمل: 18-19 ]

 الآن ثبت أن مجتمع النمل يقوم على أعلى نظام اجتماعي، هو مثل مجتمع النحل، بل إن مجتمع النمل يزيد على مجتمع النحل بالمعرفة، فقد أثبت القرآن للنملة المعرفة والنطق،

﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

 النملة تعلم أن نبياً عظيماً ما كان له أن يدوس نملة قصداً،

﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

 وبين أن للنمل لغة أساسها الرائحة، تصدر النملة رائحة، هذه الرائحة تبلغ بها زميلاتها، فلو أن الإنسان سحق نملة بيده لرأى أن أعداداً كثيرة من النمل تتحرك نحوه، وكأن رائحة النملة المسحوقة نداء استغاثة إلى النمل، هناك موضوع كبير جداً حول مجتمع النمل يكاد العقل لا يصدقه، إلا أن نظام المجتمع في عالم النمل نظام تكويني وليس نظاماً تكليفياً، نحن أُمرنا بالتعاون، أُمرنا بالتنسيق، أُمرنا بالنظام.

((إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا عليكم أحدكم))

[الطبراني عن عبد الله]

 هناك آلاف التشريعات المتعلقة بالحياة الاجتماعية.

﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

[سورة البقرة: 237]

((من شقّ يداً من طاعة مات ميتةً جاهلية))

 هناك آلاف التوجيهات النبوية والقرآنية إنما هي توجيهات تكليفية، نفعلها أو لا نفعلها، بينما النظام الاجتماعي في النحل والنمل هو نظام تكويني ليس لنظام النحل فضل في تطبيقه، هم فطروا هكذا.
 على كل هذه من آيات الله الدالة على عظمته، ومن آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، النحلة خوطبت بضمير المؤنث.

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾

[ سورة النمل: 68]

 لأن النحلة العاملة هي الأنثى حرصاً، بينما مجتمع النمل خوطبوا بضمير المذكر:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ﴾

 لأن هناك تعاوناً بين الذكور والإناث في مجتمع النمل، هذا كشف حديثاً، أما أن يخاطب النمل بضمير المذكر، وتخاطب النحلة بضمير المؤنث فهذا شيء عرفه العلماء الآن.

العمل الصالح لا يقبل إلا إذا كان وفق منهج الله :

 على كل مركز الثقل في الآية ليس هنا.

﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل: 19]

 إعراب ترضاه جملة فعلية في محل نصب صفة لكلمة

﴿ صَالِحاً ﴾

 أن أعمل صالحاً مرضياً عنه، معنى هذا أن مرضياً عنه صفة قيد، ما كل عمل صالح يرضى الله عنه، لا يمكن أن نقبل أن تقام حفلة ساهرة غنائية راقصة يرصد ريعها للأيتام مثلاً، هذا عمل صالح في إعلانه، غير صالح لأنه لم يطابق قواعد الشرع، يستنبط من هذا أنه لا يقبل منك أن تعبد الله وفق مزاجك، ووفق اجتهادك، ووفق ما ترسم أنت من طريقة ونظام، الله جل جلاله لا يعبد إلا بما شرع.

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[سورة المائدة: 3]

 الإتمام عددي، والكمال نوعي، فعدد القضايا التي عالجها القرآن الكريم عدد تام لا يقبل زيادة، ولا يحتمل نقصاناً، وطريقة المعالجة طريقة كاملة، لا تحتمل التعديل، لذلك أي إدخال على الدين أو أي حذف منه ابتداع، والمبتدع منحرف.
 إنما أنا متبع ولست بمبتدع، وقد قال بعض الحكماء: ثلاثة حكم تكتب على ظفر، اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع، اتبع لا تبتدع.

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل: 19]

 العمل الصالح لا يقبل إلا إذا كان وفق منهج الله.
 لذلك الفضيل قال: العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان صواباً وخالصاً، قيل: ما معنى خالصاً؟ قال: إذا ابتغي به وجه الله وحده، قيل: وما صوابه؟ قال: إذا وافق السنة.

عبادة الله بما شرع فقط :

 المشكلة الآن هناك من يدعي بنية طيبة أنه يعبد الله وفق هذه الطريقة، طريقة ما أنزل الله بها من سلطان، عبادة لم يشرعها النبي عليه الصلاة والسلام، أنت حينما تضيف على الإسلام عبادة ما شرعها النبي تتهم الإسلام بالنقص وأنت لا تشعر، اتهام بالنقص، لذلك احفظوا هذه القاعدة: العمل الصالح لا يقبل إلا إذا كان صواباً، وإلا إذا كان خالصاً، الصواب يجب أن يوفق السنة، فالإنسان لو طبق وسيلة لهدف نبيل ليست من جنس الهدف لا تقبل منه أبداً:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل: 19]

 شخص أراد أن يحرم قبل الميقات، فقال أحد الصحابة له: لا تفعل، قال: ولِمَ؟ قال: تفتن، قال: وكيف أفتن وأنا في طاعة؟ قال: وهل من فتنة أشدّ من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟
 الشيء الذي ما فعله النبي أنت تلزم الناس به، كأنك أشدّ ورعاً من رسول الله، كأنك أحرص على دين الله من رسول الله، فالذي جاء به النبي هو الكمال، لأنه لم يأتِ به من عند نفسه بل أتى به من عند الله، لذلك كل أنواع البدع القولية والعملية والسلوكية والاعتقادية لا أصل لها، إنما أنا متبع ولست بمبتدع، هذا قول سيدنا الصديق، بل النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عباس]

 الاجتهاد ليس في هذا، الاجتهاد في أحكام شرعية مستنبطة من أحكام كلية، هامش الاجتهاد ضيق جداً، العقائد منتهية، لا يضاف عليها شيء، العبادات منتهية لا يضاف عليها شيء، مجال الحركة فقط في حالات استجدت ليس لها نص في كتاب الله، نقيس على حالات أخرى كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستنباط حكم فرعي من نص كلي هو الاجتهاد الذي سمح الله به، وما سوى ذلك مرفوض، إذاً لا نعبد الله إلا بما شرع الله،
 أحياناً امرأة تريد أن تذهب إلى الحج من دون محرم، كأنها تريد أن تعدل شرع الله عز وجل.

((ألا لا تحجن امرأة إلا على ذي مع محرم))

 تريد أن تعبد الله، وأن تتقرب إليه بحج من دون محرم، وكأنها تعبده بغير ما شرع.
 إذاً الله جل جلاله لا يعبد إلا وفق ما شرع، وإلا فهي بدعة.

((وكل محدثَة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله]

 لو سمحنا لإنسان أن يعدل سيكلف الناس ما لا يطيقون، سيكون هذا التكليف مدعاةً للنفور من الدين.

أخطر شيء في الدين أن يضاف عليه أو أن يحذف منه :

 بالمناسبة المعاصي وردت في بعض الآيات في الأنعام فيما أذكر بشكل تسلسل تصاعدي، الإثم والعدوان، الفحشاء والمنكر، الكفر، الشرك، وأعلى هذه المعاصي، وأشد هذه المعاصي:

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 169]

 من هنا قل الإمام الغزالي: العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
 الإنسان أحياناً - وأقول بنية سليمة- يريد أن يسرع الخطا إلى الله فيكلف نفسه ما لا يطيق، فينتكس نكسة حادة، هذه النكسة الحادة لأنها اجتهاد في العبادة لم يرد عن رسول الله، بل إن بعض الأديان الأخرى قال الله عن هؤلاء:

﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾

[سورة الحديد: 27]

 هم حينما كتبوها على أنفسهم بنية طيبة أرادوا بها وجه الله، ولأنها ليست مشروعة، ولأنها خلاف طبيعة البشر قال:

﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾

[سورة الحديد: 27]

 حرموا على أنفسهم الزواج، فارتكبوا ما هو أقبح منه في الأديرة والكنائس:

﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾

[سورة الحديد: 27]

 إنسان يقول لك: أنا زاهد لن أعمل، هذا ابتداع، يمكن أن تصل إلى أعلى درجات القرب من الله وأنت تعمل، أنا لا أتزوج، من قال لك ذلك؟ الزواج من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن تصل إلى أعلى درجات القرب وأنت متزوج، أما إذا رفضت الزواج، أو رفضت العمل، وصرت عبئاً على الناس، بدليل أنك تحب أن تكون مع الله دائماً، وكأنك تشرع أنت الآن من الدين ما لم يؤمر به الله، أخطر شيء في الدين أن يضاف عليه، أو أن يحذف منه، نكون بعد حين أمام عشرات الأديان، أديان مزاجية، كل إنسان له دين خاص، فلذلك مما أضعف المسلمين أنهم تفرقوا، صاروا شيعاً وأحزاباً.

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 53]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام:195]

 يجمعنا الكتاب والسنة، وتفرقنا اجتهادات ضالة قام بها كل من يدعي أنهم على حق، أنهم أرادوا وجه الله عز وجل، فلذلك من أجل أن يستمر الدين كما بدأ، من أجل أن يكون آخر هذه الأمة كأولها وقد قال الإمام مالك:" لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " لا يمكن أن نعبد الله إلا وفق ما شرع الله، أحياناً تجد عبادة أصبحت رقصاً، رقص بكل معنى هذه الكلمة، أناس يدورون حول أنفسهم، يرتدون ثياباً من نوع خاص، تكون هذه الثياب كالخيمة مع الموسيقا والغناء، هذه عبادة؟! أحياناً يصبح الدين نغماً، وطرباً، ونشيداً، أحياناً يصبح الدين مظاهر، مظاهر فخمة جداً في المساجد، تزيين، اعتناء بالغ لدرجة أنها خرجت عن الحد المعقول، صار التزيين هو القصد.

الدين هو نقل و أخطر ما في النقل صحته :

 لذلك أيها الأخوة؛ بما أن الدين هو نقل في الأصل فأخطر ما في النقل صحة النقل، لأن النقل الغلط هو الذي يفرقنا، لا يفرقنا إلا حديث موضوع، أو حديث ضعيف، أما إذا التزمنا النصوص الصحيحة فهذه كلها تجمعنا ولا تفرقنا، هذا كله من قوله تعالى:

﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل: 19]

 أحياناً الإنسان يقول لك: عندي زميلة بالعمل فيها خير، أكلمها عن الله، أوجهها، لكن هذه العلاقة الحميمة محرمة بالإسلام، هو يكلمها عن الله يعلق بها، يكون عبد الله بغير ما شرع الله، فكان هذا المنطلق الذي يبدو أنه صالح زلة قدم، وهذا حصل، خلا بامرأة قال بنية أن يعلمها القرآن وقع في شر عمله، أنا أصدقه، صادق فيما يدعيه، لكنه خالف منهج الله في عبادته، فإياك أن تعبد الله على مزاجك، إياك أن تعبد الله بخلاف ما شرع، إياك أن تقول إني أورع من رسول الله، سأفعل كذا، هذه أكبر فتنة أن تشرع.
 كنت في بلد إسلامي، جماعة إسلامية شاع بينها عدم الزواج، هذا خلاف السنة، أنت أردت أن تعدل على شرع الله عز وجل، النبي تزوج أنت أورع منه؟ أنت أقرب إلى الله منه؟ هذه المشكلة، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، هناك أناس تعطلوا عن العمل بنية التقرب إلى الله عز وجل، ماذا قال عليه الصلاة والسلام لشاب رآه يصلي في غير أوقات الصلاة؟ قال: من يطعمك يا هذا؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، فالعمل من السنة، والزواج من السنة، الأعمال الصالحة لا تكون بهذه الطريقة.
 أحياناً تقرأ في الكتب أن الشيخ الفلاني عنده مريد من علية القوم، أراد أن يمتحن صدقه فكلفه بعمل لا يطاق، أذله، أهانه، هذا خلاف السنة، النبي قال:

((أَنزِلوا الناسَ منازلهم))

[ أبو داود عن عائشة أم المؤمنين]

 هذا توجيه النبي، نظف المراحيض، يكون الشخص كبيراً جداً في المجتمع حملته فوق طاقته، فإذا نفر من الدين أنت السبب، لا يوجد اجتهاد خلاف السنة، النبي قال:

((أَنزِلوا الناسَ منازلهم))

[ أبو داود عن عائشة أم المؤمنين]

 كان هناك بعض الشيوخ من أجل أن يمتحنوا صدق مريديهم يحملونهم ما لا يطيقون، فإذا نفروا من الدين كانوا هم السبب، لذلك:

(( طوبى لمن وسعته السنة، ولم تستوه البدعة))

[ ورد في الأثر]

 اعبدوا الله وفق ما رسم رسول الله، النبي قال:

((أَنزِلوا الناسَ منازلهم))

 إذا وجه النبي توجيهاً هل يعقل لإنسان مهما كان مقامه كبيراً أن يوجه بخلاف توجيه النبي؟ هذا مستحيل، فنحن نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم في سنته يوحى إليه، لذلك سموا سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحياً غير متلو، وسموا القرآن وحياً متلواً لقوله تعالى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

مخالفة سنة رسول الله تصيب الإنسان بنكسة توقعه في المعاصي :

 أيها الأخوة؛ أي نكسة تصيب المؤمن هي بسبب مخالفته لسنة رسول الله، أحياناً الإنسان باندفاع شديد يخالف السنة، يترك أساسيات الحياة الدنيا، بعد أن تنتهي هذه الفورة ينظر حوله فإذا كل أصدقائه في مكان عليّ، وهو دونهم كثيراً، وكم من شاب خالف السنة في عبادة الله عز وجل فأصيب بنكسة أوقعته في كل المعاصي والآثام، اعبد الله عز وجل كما أمر الله.

((فإنَّ لِجسدِك عليك حقاً، وإنَّ لِعَينِكَ عليك حقاً، وإنَّ لزوجِك عليك حقاً، وإنَّ لزوْرِك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 أحد الصحابة اسمه عثمان بن مظعون، جاءت زوجته لعند النبي عليه الصلاة والسلام بهيئة مزرية جداً، قالت لها السيدة عائشة: ما لكِ؟ ما هذا؟ قالت: إن زوجي صوام قوام، لا يلتفت إليّ أبداً، فذكرت هذا للنبي عليه الصلاة والسلام فاستدعاه النبي وقال: يا عثمان، أليس لك بي أسوة؟ فوجهه التوجيه الصحيح ليعطي زوجته حقها، فجاءت في اليوم التالي هذه الزوجة البائسة، المهملة لمظهرها جاءت عطرة نضرة، قالت لها السيدة عائشة: كيف الحال؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس.
 إنسان يلتفت إلى الله لدرجة ويهمل زوجته خالف السنة، يقع في نكسة، إنسان يلتفت إلى الله ويهمل عمله خالف السنة، سيقع في نكسة، إنسان يهمل كسب المال يفتقر بيده.

((إذا فتح على أحدكم باب رزق فليزمه))

 الملخص يمكن أن تصل إلى أعلى درجات التدين، وإلى أعلى درجات القرب، وإلى أعلى درجات التفوق وأنت وفق السنة، أما حينما تهمل السنة فمعنى ذلك أنك تقترح على الله سنة أخرى، معنى ذلك أنك تتهم السنة بأنها منهج لا يكفي للقرب من الله عز وجل، وكل هذا:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل: 19]

 العمل الصالح يجب أن يكون مرضياً عنه من قبل الله عز وجل، لذلك لا يمكن لإنسان يطبق السنة أن يصاب بنكسة، خطه البياني صاعد بشكل مستمر، أما إذا اجتهد من عنده جاء ببدعه لم يأتِ بها النبي فبعد هذه البدعة نكسة قوية.

امتحان عقل الطرف الآخر طريقة من طرق الدعوة إلى الله :

 يوجد نقطة مهمة جداً، سيدنا سليمان حينما جاء بعرش الملكة بلقيس، أراد أن يحجمها، أو أراد أن يمتحن ذكاءها، والحقيقة العقل أصل في الدين، ومن لا عقل له لا دين له، ومن لا دين له لا عقل له، العبد الفقير دون أن أشعر أنا أتهم إنساناً واقعاً بمعصية أتهمه بالغباء، لأنه يخالف منهج الله عز وجل، كما قلت يوم الجمعة:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[سورة التحريم: 4]

 أيعقل أن يحشد لهاتين المرأتين الله جلّ جلاله بعليائه، وجبروته، وقوته، وعظمته، وجبريل، وصالح المؤمنين والملائكة من أجل امرأتين؟ ليس هذا هو المعنى، المعنى أنك أيها الإنسان حينما تقف في خندق مواجه للحق يجب أن تعد للمليار، يجب أن تعلم من هو الخصم، الله عز وجل ضدك، ورسوله، وجبريل، وصالح المؤمنين.
 لذلك يستنبط أن هذا الدين، لو لم يكن دين الله عز وجل لتلاشى من ألف عام، عليه مؤامرات لا يعلمها إلا الله، لولا أنه دين الله لانتهى من ألف سنة، لكن لأنه دين الله عز وجل شامخ كالطود، لا يزيده الخصوم إلا تألقاً، وقوةً.
 فلذلك هذه الدين أساسه العقل، وأساسه النقل، والعقل لفهم النقل، فسيدنا سليمان هذه الملكة التي جاءته إن كانت على جانب من العقل الراجح تهتدي معه، فامتحن عقلها وذكاءها باستخدام عرشها، وإجراء بعض التعديلات عليه، فقيل:

﴿ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾

[سورة النمل: 42]

 هي ذكية جداً:

﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾

[سورة النمل: 42]

 قال: هذا أول جواب دبلوماسي في القرآن الكريم، تسمع تصريحاً تقول: يا ترى موافق أم لم يوافق؟ إذا لم يوافق يوجد روح عدم الموافقة، وروح الموافقة، هذا شيء دقيق جداً.

﴿ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾

[سورة النمل: 42]

 امتحن ذكاءها، هي ملكة، هي ند له، الإنسان أحياناً يخضع لإنسان أعلى منه، أما إذا اجتمع ملكان لا يمكن أن يقول له: سيدي، يقول: أخ، فلان، ملك، هو ند له، هي ملكة، وهو ملك، فكيف تهتدي على يديه وهي ند له؟ جهز لها صرحاً ممرداً من قوارير، بلور صاف، وأجرى تحته الماء، قيل لها: ادخلي الصرح، فلما دخلت رأت ماء، فكشفت عن ساقيها، طبعاً يوجد تفاسير مضحكة أنه بلغه أن لها ساقا حمار، ما هذا المعنى؟ هذه إسرائيليات، هو أراد أن يحجمها، كإنسان دعوته إلى وليمة فخمة جداً فأخطأ بمسك الشوكة والملعقة.
 يروون أن أحد الملوك دعا زعماء القبائل والعشائر عنده، فهناك وعاء للماء من أجل أن تغسل الفواكه، أحد رؤساء القبائل الكبار ظنها للشرب، طبعاً الماء كان لغسيل الفواكه، والأوعية مملوءة بالماء من أجل أن تأخذ العنب وتغمسه بالماء لتغسله، وتتأكد منه، جاء زعيم القبيلة الكبير وشرب منه، كل الحاضرين ضحكوا، فجاء الملك وشرب من وعاء آخر، كلهم جمدوا، طبعاً بهذه العملية هو عندما شرب لم يضحكوا عليه، هذا خلاف البرتوكول، خلاف الأصول.
 هي ند له، ملكة، كيف تخضع؟ كشفت عن ساقيها، انحرجت، قال:

﴿ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾

[سورة النمل: 44]

 فامتحن ذكاءها وحجمها، أنت لا تستطيع أن تهدي إنساناً إذا كان يرى أنه أفهم منك، أعلى منك، تتلقى منه توجيهات، إذا ما حجمته بموضوع لا تستطيع أن تتلقى منه، وتملي عليه.
 إذاً هذه طريقة من طرق الدعوة إلى الله، يجب أن تمتحن عقل الطرف الآخر، ويجب أن تحجمه بحيث لا يظن أنه أقوى وأفهم، لذلك قال بعض الدعاة المعاصرين: يجب أن تقرأ كل شيء، يجب أن يشعر الذي تدعوه إلى الله بأنك على علم بأكثر العلوم التي بدت وكأنها من روح العصر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018