٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 27 - من سورة المؤمنون والنور - صفات المؤمن.


1997-01-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من آمن بالله الإيمان الصحيح فاز في الدنيا و الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام؛ هنالك قاعدةٌ تقول: الحقيقة المرة خيرٌ من الوهم المريح، لو شخص معه شيك مزور وهو يظنه حقيقياً، بمئة ألف دولار، مرتاح راحة لا حدود لها، أما حينما أراد أن يصرفه فاكتشف أنه مزور، فأودع السجن، لو أنه عرف الحقيقة مسبقاً، الحقيقة المرة أنه لا يملك شيئاً، فسعى لكسب المال الحلال، فسعد به، أليست الحقيقة المرة خيرٌ من الوهم المريح بألف مرة؟ الآيات الأولى من سورة المؤمنون يقول الله عز وجل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1]

 قد: حرف تحقيق،

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 أي إذا أنت آمنت الإيمان الذي أراده الله نجحت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة كنت من الفائزين، كنت من الفالحين، من المتفوقين، من الناجحين، من السعداء.

صفات المؤمنين :

1 ـ الخشوع في الصلاة :

 لكن اللغة العربية أحياناً لها فائدة كبيرة جداً في فهم كلام الله:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1-2]

﴿ الَّذِينَ ﴾

 اسم موصول، محل هذا الاسم الموصول صفة، علماء المنطق قالوا: الصفة قيد، الآن اطلب موظفاً يحمل إجازة في الحقوق، قد يأتيك مئة ألف إجازة، اكتب إلى جانب هذا الشرط يتقن اللغة الإنكليزية، يصيرون عشرة آلاف، أول صفة كانت قيداً، أنجز الخدمة الإلزامية صاروا خمسة آلاف، يتقن استعمال الكومبيوتر، صاروا ألفين، كلما أضفت صفة تضيق الدائرة، هذا كلام ربنا عز وجل، يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1]

 ما رأيت إنساناً ينتمي إلى هذا الدين إلا وهو قانعٌ قناعةً كبيرة أنه مؤمن، ومن كبار المؤمنين، فلو وضع إيمانه على هذا المقياس:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1-2]

 أول قيد الخشوع في الصلاة، و هذا ليس من فضائلها بل من فرائضها، والخشوع أساسه معرفة الله عز وجل، فأنت حينما تدخل على إنسان كبير، بمقياس الناس، تجلس أمامه جلسةً متأدبة، تنصرف إليه بكليتك، أما إذا إنسان دونك فتتشاغل عن النظر إليه، قد تقرأ مجلةً أمامه، قد تضع رجلاً على رجل، وأنت مرتاح، لأنك تراه دونك، أما إذا وقفت أمام عظيم، فلاشك أنك تتأدب تأدباً كاملاً.
 سيدنا زيد الخير، أعطاه النبيُّ وسادةً ليتكئ عليها، فقال رضي الله عنه: والله ما كنت لأتكئ في حضرتك، إذاً كيف تأدب هذا الأدب؟ لمعرفته أنه رسول الله:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

  أول قيد:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

2 ـ الإعراض عن اللغو :

 القيد الثاني:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

 اللغو ما سوى الله، أي هدفه واضح، وهدفه كبير، وهدفه مقدس، الوقت محدود والعمر قصير، والموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل، لابد من أن يستغل الوقت، أي إذا إنسان قلنا له: أنت عليك أن تغادر هذا البلد خلال أربع وعشرين ساعة، وليس لك أن تحمل من أغراض بيتك إلا سعة هذه الشاحنة، ماذا يفعل؟ يختار أثمن الأغراض، وأقلها حجماً، أغلاها ثمناً، وأقلها حجماً، ما دام العمر محدوداً، والموقف عصيباً، ولقاء الله عز وجل يحتاج لاستعداد، هل عنده وقت أن يلعب الطاولة؟ مستحيل! هل عنده وقت أن يقرأ قصةً فارغة؟ مستحيل! هل عنده وقت أن يتابع مسلسلاً ينتهي كما ينتهي أي عمل فني، إما بالزواج، أو بالموت؟ وقته ثمين جداً، الإنسان حينما يمضي وقتاً في غير طاعة الله يشعر بتفاهته، لذلك:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 3]

 ممكن طالب بالامتحان وقته ثلاث ساعات فقط يرسم خمسات؟ ماذا طبختم اليوم؟ مستحيل! يصلح ساعته؟ يحاول أن يرسم على الورقة؟ إلا إذا كان راسباً طبعاً سيأخذ صفراً، يتسلى، أما طالب مجدّ بالامتحان فيحس بقيمة الوقت، كل دقيقة تعني علامة، لذلك لا يمكن لإنسان بامتحان أن يضيع الوقت، الوقت محدود، والمهمة خطيرة.
 أنت حينما تعلم أنك في الدنيا في حياةٍ دنيا إعدادية من أجل حياةٍ أخرى، عالية، راقية، تكون

﴿ عَنِ اللَّغْوِ ﴾

  معرضاً.
 مرَّ أحد العلماء بمقهى، يلعب فيه رواده النرد، فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم، أي الوقت وعاء العمل، الوقت رأسمالك الوحيد، أثمن شيءٍ تملكه هو الوقت.

﴿ اللَّغْوِ ﴾

 ما سوى الله، أما كل عملٍ ينتهي إلى الله فليس من

﴿ اللَّغْوِ ﴾

 إذا أتقنت عملك الحرفي، وإتقان العمل نفع للمسلمين، وارتقت مكانتك عند المسلمين، ورأى المسلمون أن المسلم الحق متقنٌ لعمله، وأنه متفوق، صار إتقان العمل ليس من

﴿ اللَّغْوِ ﴾

 لو أنك قرأت كتاباً لتزداد ثقافتك في اختصاصك، فتكون الأول في حرفتك، هذا ليس من

﴿ اللَّغْوِ ﴾

 لو أنك أمضيت وقتاً في تربية أولادك، وقد تحببت إليهم، وقد كانوا صبيةً صغاراً، تصابيت لهم، هذا التصابي للصبية الصغار ليس من

﴿ اللَّغْوِ ﴾

 مع أنك تداعبهم، وتمزح معهم، هذا من صلب الدين، لو أنك جلست مع أهلك لتملك قلبها، وتأخذ بيدها إلى الله، هذا ليس من

﴿ اللَّغْوِ ﴾

 أي كل شيء ولو كان دنيا ينتهي إلى الله هذا من الدين، أما حينما تضيع وقتاً بلا طائل فهذا من

﴿ اللَّغْوِ ﴾

  أو حينما تنشغل بما لا فائدة من انشغالك به، طوبى لمن وسعته السنة، ولم تستهوه البدعة:

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 أي المؤمن جاد، المؤمن ليس عنده وقت ليعرف سفاسف الأمور، وقته أثمن، وهدفه أجل.

3 ـ أداء الزكاة :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 4]

 لك أن تفهم هذه الآية بعدة اتجاهات، لك أن تفهم هذه الآية أن المؤمن يسعى لتزكية نفسه بالعمل الصالح، بضبط الجوارح، بطلب العلم، بالقرب من الله، بذكر الله، لأن فلاحك الحقيقي في تزكية نفسك:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس:9-10]

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 4]

 تلاحظون كلما أضفت صفةً ضاقت الدائرة، فأنت إن أردت أن تكون مؤمناً حقاً، مؤمناً كما يرضى الله عز وجل، ينبغي أن تعرض هذه الآية على ذاتك.

4 ـ حفظ النفس :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 5-6]

 أي هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان لها قناةٌ واحدةٌ مشروعة، هي قناة الزواج، أية قناةٍ أخرى خارج نطاق الزوجية هذا:

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 7]

﴿ مَنِ ابْتَغَى ﴾

 امرأةً غير امرأته، لا تحل له، أو ابتغى أسلوباً لا يرضي الله عز وجل في علاقته بزوجته:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون:5- 7]

 يقول بعضهم: لا حياء في الدين، أترون إلى أن هذه العبارة كلها حياء، وكلها أدب، هل رأيتم أدباً كهذا الأدب؟

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾

 ما سمى الأشياء بأسمائها الفاضحة، ما ذكر الأشياء بأقبح صورها:

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[ سورة المؤمنون:7]

5 ـ حفظ الأمانة و العهد :

 ثم قال:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون:8]

(( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ))

[أحمد عن أنس بن مالك]

 صل ما شئت، وصم ما شئت، وافعل الطقوس ما شئت، لن تكون مؤمناً إلا إذا كنت أميناً، ولن تكون ديّناً إلا إذا كنت محافظاً على عهدك.

6 ـ المحافظة على الصلاة :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 9]

 أنا مرة ضربت مثلاً آخر: إذا قلت كلمة مسلم تعني مليار ومئة مليون، أضف لها صفة، قل: مسلم عربي، مئتا مليون، قل: مثقف، مليون فرضاً، قل: طبيب، مئتا ألف، قل: طبيب قلب، بقي عشرة، كلما أضفت صفة تضيق الدائرة، فهؤلاء المؤمنين:

﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ﴾

[ سورة المؤمنون:11]

 صفاتهم أنهم في:

﴿ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

 و

﴿ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

 و

﴿ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾

  و

﴿ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون ﴾

  و

﴿ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

  لذلك الحقيقة المرة خيرٌ من الوهم المريح، لا تسعى وراء وهمٍ مريح، اسع وراء حقيقةٍ مرة، إن عرفت حجمك، أحياناً الإنسان يصغر حينما يعرف الحقيقة، هو يصغر ليكبر، أما حينما يتوهم غير الحقيقة فيرى نفسه كبيراً، ثم يصغر، أيهما أفضل، أن تصغر لتكبر أم أن تتوهم أنك كبير ثم تصغر؟
مرة ثالثة: كن مع الحقيقة المرة، ودع الوهم المريح، لن تكون مؤمناً ناجياً من عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، إلا إذا انطبقت عليك هذه الآيات مجتمعةً، كل صفة، علماء المنطق قالوا: الصفة قيد.

لكل واقع حكمة :

 يوجد شيء ثان في سورة النور، وهذا الشيء يعطينا فكرة عن أفعال الله، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴾

[سورة النور: 11]

 حديث الإفك، حيث اتهمت السيدة عائشة بالفاحشة، أي ملابسات دقيقة جداً كان من الممكن ألا تغفو، التغى الحديث، كان من الممكن أن يشعر من يقود جملها أن الهودج فارغ، يعود إليها ويأخذها، انتهى حديث الإفك، لكن شاء الله أن يكون هذا الحديث، من هنا خذوا هذه القاعدة: كل واقعٍ له حكمة، بصرف النظر عن موقعه، قد يكون موقعه أحمق، وقد يكون أرعن، وقد يكون طائشاً، وقد يكون منحرفاً، كل شيءٍ وقع لكل واقعٍ حكمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ ﴾

[سورة النور: 11]

 والله هو شر فيما يبدو، إذا شخص لا سمح الله اتهمت زوجته بالزنا، وقد تكلم الناس جميعاً في هذه القصة، أينما ذهب ينظر الناس إليه، هذا زوج التي اتهمت بالزنا، شيءٌ قد لا يحتمل، فكيف يكون خيراً؟ قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[سورة النور: 11]

 هو خير، هذا الحديث فرز المؤمنين فرزاً علمياً، بعضهم صدق الحديث، وبعضهم أنكر الحديث، بعضهم ظن في نفسه خيراً، فبرأ السيدة عائشة من هذه التهمة، وبعضهم راقت له هذه الفكرة، روجها، وأرجف في المدينة، وجعل زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلوكها الألسنة، أما الشيء الذي لا يصدق فهو أن الوحي تأخر بتبرئة السيدة عائشة، في قولٍ ثلاثين يوماً، وفي قولٍ أربعين يوماً، وهذه التهمة التي لا يحتملها إنسان ليس مع النبي دليل إثبات، ولا دليل نفي، وهنا ظهر أن الوحيّ لا يملكه النبي، ليس الوحيُّ بيد النبي، لو أن الوحيَّ بيد النبي لجاءت آيةٌ من صنع النبي بعد ساعةٍ من حديث الإفك، وانتهى الأمر، لكن تأخر الوحي أشعر المؤمنين أن الوحي كيانٌ مستقل عن كيان النبي، لا يملك استجلابه، ولا دفعه، إذاً:

﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ﴾

[سورة النور: 11]

 ما دام خيراً، وما دام ليس شراً، إذاً الذين روجوا هذا الحديث لا يوجد عليهم مسؤولية، لا يوجد مشكلة لأنه خير، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة النور: 11]

 معنى ذلك أنهم مسؤولون، معناه أن التوحيد لا يعفي من المسؤولية، طبيب أهمل مريضاً، قصر في معالجته، مات المريض، جوابه: قضاء وقدر، يقول لك: ترتيب سيدك، لا، مع أن هذا الذي وقع أراده الله، لا يعفى الطبيب من المسؤولية، محام تسلم دعوى، لم يتابعها، لم يقدم مذكرات قوية، الدعوة خسرت، إذا قال: هذا نصيب يا أخي، هذا كلام دجل.
 لأن النبي عليه الصلاة والسلام احتكم إليه اثنان، فحكم لأحدهما المحق على الآخر المبطل، فخرج الذي حكم عليه، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، لو أن النبي بقيَّ ساكتاً لكان كلامه صحيحاً، النبي مشرع في أقواله، وأفعاله، وإقراره، قال:

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[أبو داود عن عوف بن مالك]

 أي أنت حينما تأخذ بكل الأسباب تغطي كل الاحتمالات، تعد لكل شيءٍ عُدته ثم تغلب، قل عندئذٍ: حسبي الله ونعم الوكيل، مكان هذه الكلمة حينما تأخذ بكل الأسباب ولا تنجح، معنى ذلك أنت مقهور، وأنت مقهور بإرادة الله عز وجل، ولا بد من حكمةٍ بالغة قد لا تعرفها الآن، أما كلما قصرت في شيء أعزي تقصيري إلى مشيئة الله، كلما قصرت في شيء أنسب هذا التقصير إلى قضاء الله وقدره فهذا لعبٌ بالدين، وهذا تدليسٌ أيضاً، وهذا افتراءٌ على الله:

﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾

[سورة النور: 12]

 إذاً انتهينا الآن إلى أن التوحيد لا يلغي المسؤولية، كل إنسان إذا أصابه شيء نقول: هذا من عند الله، ولكن الذي تسبب بهذا الشيء مسؤولٌ، وسيحاسب، من هنا القتل الخطأ له حقان، حقٌ عام، وحقٌ خاص، الحق الخاص يجب أن يسلم أهله ديةً، مع أنه خطأ، والحق العام يجب أن يصوم ستين يوماً متتابعة.
إذاً نستنبط من هذا التعليق أن لكل واقعٍ حكمة، إياك أن تتألم، إياك أن تحقد، إياك أن تقع في حيرة، ما دام الشيء قد وقع فله حكمة، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018