٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 23 - من سورة مريم والكهف - الدعوة.


1997-01-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

بطولة الإنسان أن يجعل عمله خالصاً لوجه الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ كل إنسانٍ له عملٌ في هذه الحياة الدنيا، لكن بطولة الإنسان كامنةٌ في أن يجعل هذا العمل خالصاً لله عز وجل، وفي سبيل الآخرة، سيدنا زكريا:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً* يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾

[سورة مريم:4-7 ]

 سيدنا زكريا نبيٌ كريم، همه نشر الحق، دعا ربه أن يهبه غلاماً، يكون هذا الغلام معيناً له على نشر الحق بعد موته، أي بشكل أو بآخر زكريا حمل همّ الدعوة.
 كل إنسان يفحص نفسه، هل يهتم لهذه الدعوة؟ هل يهتم لنشر الحق؟ هل له عملٌ يسهم بشكلٍ أو بآخر في ترسيخ الحق بالنفوس؟ هل يحاول أن يلقي الحق على الناس؟ أن ينصح من حوله؟ أن يأمرهم بالمعروف؟ أن ينهاهم عن المنكر؟ أي فرقٌ كبير بين أن تهتم لأمر معاشك وبين أن تهتم لأمر آخرتك.

(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 الإنسان حينما ينشغل بذكر الله، يذكر الله لنفسه، ويذكره لخلقه، حينما يحمل همّ الإسلام، حينما يحمل همّ الدعوة، ترى سعيه كله في سبيل نشر الحق، في سبيل ترسيخ قيم الحق، في سبيل إسعاد الناس، هذا الذي يخرج عن ذاته لخدمة الخلق، عند الله كبير، وهذا الذي يتمحور حول ذاته، كل حركاته وسكناته من أجل مصالحه، الموت ينهي كل شيء.

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[سورة الكهف : 105]

 لا شأن له عند الله.

﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 77 ]

ضرورة الانتماء إلى جماعة المسلمين :

 سيدنا زكريا قصته تعني كل واحدٍ منا، أي لك ابن، هل تهتم أن يكون هذا الابن عالماً؟ داعيةً؟ ينفع الناس من بعدك؟ ابنك امتدادك، والإنسان أحياناً يفوته شيء، فيكمل نقصه بأولاده، يفوته العلم، يعلم أولاده، يفوته أن يكون داعيةً إلى الله، يجعل من أولاده دعاةً إلى الله، أي ما الذي يهمك؟ حينما تؤوي إلى فراشك ما الذي يهمك؟ حينما تفتح عينيك صباحاً، ما أول خاطرٍ يدور في خلدك؟ معاشك، رزقك، مصالحك، تجارتك، أم كشف الحق؟
 تصوروا سيدنا عمر رضي الله عنه، حينما طعن من قِبل ابن ملجم، طبعاً أغمي عليه، حينما صحا من إغمائه ماذا قال؟ تصور سيدنا عمر ماذا قال، قال: هل صلى المسلمون الفجر؟ أي ما همه أمر نفسه، ما همه أمر أنه قتل، أو طعن، وهو في طريقه إلى الموت، هل صلى المسلمون الفجر؟
إحدى الأنصاريات، والله ولا مليون رجل يوازي قلامة ظفرٍ من أظفارها، بلغها أن النبي قُتل في معركة أحد، فانطلقت إلى أرض المعركة، فرأت أباها مقتولاً ثم رأت ابنها مقتولاً ثم رأت زوجها مقتولاً ثم رأت أخاها مقتولاً، من أندر القصص، وهي تقول: ماذا فعل رسول الله؟ إلى أن اطمأنت على أنه حي، فأرادت أن تستوثق من حياته، فقالت: أروني إياه، فلما رأته قالت: يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك جلل، امرأةٌ ترى أباها، وأخاها، وزوجها، وابنها، وهي تحمل همّ رسول الله، هل أصابه من ضر؟ هكذا كانوا الصحابة الكرام.
 أي تجد الإنسان شاعراً، قلت لكم من قبل: دخل شاعر السجن في عهد سيدنا عمر قال: لأنه قال أهجى بيتٍ قالته العرب، قال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

 هذا شعار كل إنسان، كل إنسان الآن أمن رزقه، أمن بيتاً، أمن مركبة، عنده زوجة، يقول لك: من بعدي الطوفان، وعلى الدنيا السلام، هموم فردية، انتماء فردي، لا يوجد انتماء إلى جماعة المسلمين، وإذا كان هناك انتماء فيكون إلى جماعةٍ بعينها، ويعادي ما سواها، انتماء يفرق المسلمين، يشتتهم، يشرذمهم، يبعثرهم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام: 159 ]

 من الذي يحمل همّ الإسلام؟ من الذي يحمل همّ الشباب؟ من الذي يحمل همّ الفتيات؟ من الذي يحمل همّ الشاردين؟ العصاة؟ المنحرفين؟ بيوت تهدم عن طريق هذه الصحون، فسق ينتشر، نساءٌ كاسياتٌ عاريات، شبابٌ يرون الطريق أمامهم مسدوداً، من يتحرك لخدمة المسلمين؟

مكانة الإنسان عند ربه بقدر همته :

 أيها الأخوة؛ بقدر همك وهمتك تكون عند الله مكانتك، سيدنا زكريا قال :

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ﴾

[سورة مريم: 5-6 ]

 لذلك يوجد آباء الآن من أخواننا يعتني بابنه، و ابنه بسن الرابعة، بالأربع سنوات يعتني بتربيته، بتلاوة القرآن، بإحضاره معه إلى المسجد، يعتني به عنايةً فائقة، لعل الله سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء الأطفال جيلاً آخر تقر به عيون أهليهم.
 أخواننا الكرام؛ ربنا هو هو، رب الصحابة ربنا، والذي نصر الدين في أوله قادرٌ على أن ينصره في آخره، والله هو كل شيء، هو الفعّال، ولا فعّال معه إطلاقاً.
 فنحن نريد السؤال: الآن أنت ما الذي فعلته من أجل نشر الحق؟ أقنعت إنساناً بالدين؟ أقنعت قريباً؟ قدمت شريطاً لإنسان؟ قدمت كتاباً؟ دعوته إلى حضور مجلس علم؟ زرته في بيته؟ حاورته؟ أقنعته؟ حللت له مشكلاته؟ أزحت عنه بعض الهموم؟ عاونته في أمر دنياه؟ المؤمن يستيقظ وهمه خدمة الخلق، أما غير المؤمن فيستيقظ، وهمه نفسه، يحوم حول ذاته، يتمحور حول ذاته والموت قد يعاجل.
 أنا ذكرت لكم يوجد إنسان توفي في هذه البلدة، ترك ألف مليون، نصيب أحد أقربائه من هذا الميراث تسعون مليوناً، ترك دكانه، وانصرف لمتابعة معاملات الإرث، وبراءة الذمة ستة أشهر من مكان إلى مكان، من المالية للطابو، لدائرة المواريث، للمحكمة الشرعية، بعد ستة أشهر دخل إلى الحمام ليتوضأ، فمات موتاً فجائياً، ولم يقبض قرشاً واحداً، الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: " الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
 الإنسان يكبر، كل يوم طبعاً من واحد لأربعين في صعود، بالأربعين الخط البياني يسير أفقياً، بعد الأربعين بقليل ينزل الخط، يشكو من عيونه، يريد نظارات، يشيب شعره، تؤلمه مفاصله، يرتفع السكر في دمه، وهكذا إلى أن تلصق على الجدران نعوته، فالزمن يمشي ولا يتوقف، فما الذي قدمته لهذه الدعوة؟ قدمت ابناً لمعهد شرعي؟ ساهمت ببناء مسجد؟ بتأسيس مسجد؟ بنشر كتاب؟ بمعاونة داعية؟ ماذا فعلت من أجل أن ينتشر هذا الحق؟
 الله عز وجل هذا دينه، هو الذي سينصره، إن ساهم أحدٌ في نصرته من أجل أن ينال شرف النصرة فقط، الله غني عنك، إن للكعبة رباً يحميها، وإن لهذا الدين رباً يحميه، العبرة أن تنال شرف نصرة هذا الدين.

الدين كالهواء يحتاجه كل مسلم :

 بآخر سورة الكهف:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً* فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾

[سورة الكهف: 83-86]

 كان ملكاً عظيماً من ملوك التاريخ، وقصة هذا الملك العظيم تنبئنا أنه ما من عملٍ في الأرض يستعصي على أن يكون صاحبه مؤمناً، ملك كبير، كان يعرف الله عز وجل، وأقام العدل في مملكته، وكان قوياً، أي أية حرفةٍ يمكن أن توظفها للحق، سيدنا سليمان أيضاً نبيٌ كريم، رب:

﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾

[سورة ص: 35 ]

 سيدنا ابن عوف كان غنياً كبيراً، فالإسلام يسع الجميع، يسع الملوك، ويسع الرعية، يسع الأغنياء، ويسع الفقراء، يسع العلماء، ويسع غير العلماء، الدين كالهواء يحتاجه كل مسلم، سيدنا موسى والخضر، سيدنا موسى يعرف الأمر التكليفي، سيدنا الخضر يعرف الأمر التكويني، اختصاص، سيدنا موسى افعل ولا تفعل، سيدنا الخضر ما حكمة أفعال الله، أتاه الله:

﴿ مِن لَدُنَّا عِلْماً ﴾

[سورة الكهف: 65]

 سيدنا موسى أتاه شرعاً، لذلك صار هناك خلاف، ضمن المنهج الإلهي التشريعي لا يوجد قتل غلام، لا يوجد أن تقابل إنساناً ركبك سفينته أن تخرقها له، هذا خلاف المنهج، أما حينما كشفت الحقيقة، أن خرق السفينة كان سبب إنقاذها، فهذا الدرس البليغ من أجل أن نعرف أن الشر المطلق ليس له وجود في الكون، كل ما يبدو لكم من شر هو خير، ولكنه مبطن، خرق السفينة خير، وبناء الجدار خير، وقتل الغلام خير، سيدنا الخضر أوتيَّ معرفة حكمة أفعال الله، بينما سيدنا موسى أوتي معرفة شرع الله، أمره ونهيه، فالله له أمر تكويني اي أفعاله، وله أمر تكليفي أي أمره ونهيه.

العبرة من أية قصة أن الذي ذكره الله هو الذي يعنينا :

 كلمة:

﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾

[سورة الكهف: 22]

 أي الله عز وجل هو الذي يعلم وحده، لو أنه قال لنا: هم ثمانية يا عبادي، وانتهى الأمر، أراد الله أن يلفتنا لا إلى تفاصيل القصة، أراد أن يلفتنا إلى مغزاها، فالذي سكت الله عنه ينبغي أن نسكت عنه، لأن الله عز وجل ما أرادها قصةً وقعت ولن تقع، ما أراد هذا الكتاب كتاب تاريخ، أراده كتاب هداية، فلذلك القصة قلّما تأتي تفاصيل دقيقة، مكانية، زمانية، وصفية، قلّما تأتي، لأنه لو جاءت هذه التفاصيل لتوهمنا أنها قصةٌ وقعت، ولن تقع مرةً ثانية، قلبناها إلى تاريخ، أراد الله أن تكون هذه القصة نموذجاً متكرراً، فلذلك أغفل بعض التفاصيل، وهذا الذي يبحث عن تفاصيل أغفلها الله عز وجل يريد أن يفسد على الله حكمته من هذه القصة، اسكت حيث سكت الله، مادام الله عز وجل ما تكلم عن تفاصيل هذه القصة ينبغي ألا نبحث عنها، العبرة أن الذي ذكره الله هو الذي يعنينا، فهذه المناقشة كم واحد؟ العبرة:

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

[سورة الكهف: 13]

 العبرة أنهم:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾

[سورة الكهف:16]

 العبرة أنهم آثروا الآخرة على الدنيا، كانوا أبناء قصور، أبناء أغنياء، دخلوا الكهف.
 يوجد شيء آخر:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾

[سورة الكهف: 7]

 جعل أشياء جميلة جداً في الأرض، يوجد أماكن جميلة، وبيوت جميلة، وطعام طيب، ونساء جميلات، وأثاث فاخر، هذه الزينة هي فتنة للإنسان، إذا وقع تحت إغرائها وسيطرتها وعصى ربه من أجلها سقط عند الله، أما إذا آثر طاعة الله على زينة الحياة الدنيا:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ﴾

[سورة الكهف: 7]

 الإنسان أحياناً يعطل تفكيره، يخضع لإغراء هذه الزينة، أي دخله كبير، مشغول، يقول لك: أدبر نفسي الآن عندي أولاد، يريد أن يشتري، يريد أن يتوسع، يريد أن يرفه نفسه، والآخرة أخرجها من حساباته، سقط في الامتحان، أما المؤمن فلا يسمح لنفسه أن تأخذ شيئاً من زينة الدنيا إذا كان هناك معصية، أو ينتهي إلى معصية.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018