٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 31 - من سورة القصص - خير الكلام في إيجازه ـ لا دمار مع تطبيق شرع الله.


1997-01-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الأدب في المحادثة :

 أيها الأخوة الكرام، في سورة القصص قصة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ﴾

[ سورة القصص: 23]

 امرأتان محتشمتان تبتعدان عن مزاحمة الرجال، والمرأة المؤمنة لا تزاحم الرجال.

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

[ سورة القصص: 23]

 كأن الله سبحانه وتعالى يعلمنا الأدب في المحادثة، الذي ينبغي أن تتأدب به المرأة، وأن يتأدب به الرجل.

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 32]

 كم من فاحشة بدأت بكلمة لينة؟

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

 ليس في اللغة كلها كلمة واحدة معبرة موجزة ككلمة

﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

 لو قال: من أنتما؟ جاء الجواب: نحن فلانة، وفلانة، لماذا أنتما هنا؟ ماذا تفعلان؟ أي كلمة ربما تجر إلى حديث،

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

 كلمة واحدة.

﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة القصص: 23]

 أي سبب خروجنا من البيت أن أبانا شيخ كبير، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص:24]

 يستنبط من هذه الآية أن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح، وأن الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، وأن كل شيء من الدنيا يبقى في الدنيا، ولا يدخل مع الإنسان إلى قبره إلا عمله الصالح، بل إن القبر صندوق عمله الصالح.

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾

[ سورة القصص: 25]

 لعل بعضهم قال: إن أكثر ما يلفت نظر الرجل في المرأة حياؤها، وإن أشد ما يلفت نظر المرأة في الرجل قوته وأمانته، فإذا رفع الحياة ذهب أجمل ما في المرأة، يعبر عنه علماء النفس بالأنوثة، غير الجمال، الجمال شيء، والأنوثة شيء آخر، إنه الحياء، إنه الخجل، إنه التلطف، فالمرأة إذا خالطت الرجال فقدت أنوثتها.

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾

 ورد أن من علامات آخر الزمان أن يرفع الحياء من وجوه النساء، تحد النظر إليك، هي التي تبدأ الكلام، هي التي تعلق، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنتزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال، ولا رحمة في قلوب الأمراء، هذا من علامات آخر الزمان.

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾

﴿ قَالَتْ﴾

 كيف أنه قال كلمة لا تحتمل حواراً، لا تحتمل مناقشة، لا تحتمل سؤالاً وجواباً

﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

 هي الآن قالت كلمة لا تحتمل حواراً:

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾

[ سورة القصص: 25]

 لو أنها قالت إن أبي يدعوك، يقول لها: ما المناسبة؟ ومن أبوك؟

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾

 يستنبط هنا:

((وَمَنْ صَنَعَ إِليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادْعُوا له حتى تَرَوْا أنكم قد كافأتموه))

[أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر]

 الدعاء لا يجدي إلا إذا لم تكن تستطيع أن تقدم البديل، أن تقدم الرد المناسب، الرد المكافئ.

﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾

[ سورة القصص: 25-26]

الصفات الواجب توفرها في الرجل و المرأة :

 لعل سيدنا شعيب أدرك أن هذه الفتاة ابنته معجبة بقوة موسى وأمانته عليه السلام، الحقيقة أن الرجل يلفت نظره حياء المرأة، وأدبها، وخجلها، هي بالعكس يلفت نظرها قوة الرجل، وقوة شخصيته، وأمانته.

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة القصص: 26]

 يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه أرسل والياً، وقال له: خذ عهدك، وانطلق إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك، إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك، وسلمت من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجرمين، جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقلك، لعل هذا الصحابي الجليل استنبط هاتين الصفتين اللتين ينبغي أن تتوافرا في عماله من قوله تعالى:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

.
 وأنتم جميعاً إن احتجتم إلى من يعاونكم لابد من توافر هاتين الصفتين، القوة والأمانة، أو الكفاءة والإخلاص، أن يكون في عمله كفئاً، خبرته عالية جداً، وأن يكون ذا ولاء لسيده، ولاء لدينه، ولاء لمعتقده،

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

عدم انتقاص كرامة الإنسان عندما يعرض ابنته على من هو خليق بها :

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

[ سورة القصص: 27]

 أيضاً لا مانع، ولا حرج من أن يعرض الإنسان ابنته على من يرى أنه خليق بها، من دون أن يعد هذا فظاظة، أو انتقاصاً من كرامة الإنسان،

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

 أي انظر إليها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((انظُرْ إِليها فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَمَ بينكما))

[الترمذي والنسائي عن المغيرة بن شعبة]

 ونظر الخاطب لمخطوبته شرط لنجاح الزواج،

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾

[ سورة القصص: 27]

 هذا المهر، أن يرعى غنم سيدنا شعيب ثماني سنوات.

﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾

[ سورة القصص: 27]

 هذا شعار والد كل فتاة،

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾

﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ﴾

[ سورة القصص: 27-28]

 أي إذا بقي الأمر بين الرجال القضية سهلة، أما إذا تدخلت النساء فدخلنا في قضية لا تنتهي، يدخل عندئذٍ عشرة عوامل، عامل المباهاة، وعوامل التحدي، وعوامل كسر الطرف الآخر، وعوامل الابتزاز، الأمر إذا بقي بين الرجال الأمر سهل جداً،

﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ﴾

﴿ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة القصص: 28]

 صار هناك إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدا عدل، هنا:

﴿ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾

 الله جلّ جلاله خلق الذكر والأنثى، وخلق كل طرف بخصائص تليق به، وتعينه على أداء مهمته، الفساد في الأرض أن تختلط الأوراق، أن يتشبه الرجل بالنساء، والنساء بالرجال، فإذا بالغ الرجل في تكسله، وفي خضوعه، وفي سهولة معشره، وبالغت المرأة في قوة شخصيتها، كان الفساد في الأرض.

تطبيق منهج الله عز وجل نجاة من الدمار :

 أيها الأخوة؛ بقي آية من هذه السورة تهمنا جميعاً:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

[ سورة القصص: 57]

 وهذه المقولة يقولها الناس إلى يوم القيامة، كلما دعوته إلى عمل صالح، أو إلى طاعة، أو إلى بذل، أو إلى إنفاق، أو إلى أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، قالوا:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 إن فعلنا في التجارة كذا لا نربح، إن جهرنا بهذا الرأي نخسر مناصبنا، إن فعلنا كذا نخسر زبائننا، إن أصررنا على طاعة الله في بيعنا وشرائنا لا تروج تجارتنا، هذا يقوله الناس دائماً.
 ملخص هذا الكلام أن الله سبحانه وتعالى يرد عليهم حينما كنتم شاردين، حينما كنتم تعبدون الأصنام:

﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً ﴾

[ سورة القصص: 75]

 أيعقل أن يدمر الإنسان بعد أن يطيع الله عز وجل وأن يكون في أمن وطمأنينة وهو في معصيته؟
 تروي الكتب أن سيدنا موسى عليه وأفضل الصلاة والسلام دعا الله بالسقيا، فقد جاءه الوحي إن فيكم عاصياً، لذلك امتنعت المطر من السقيا، فقال موسى عليه السلام لأصحابه: من كان فيكم عاصياً لله فليغادرنا، لم يغادر أحد، وبعد حين الأمطار هطلت غزيرة، فناجى ربه قال: يا رب من هو الذي عصاك فينا؟ فسمع الجواب من الله عز وجل: أن يا موسى عجبت لك أستره عاصياً وأفضحه تائباً؟
 لا سمح الله، أنت حينما كنت متفلتاً لا تصلي، ولا تضبط أمورك، ولا تغض بصرك، ولا تتحرى الحلال، الله عز وجل حفظك، ووفقك، وهيأ لك أسباب الحياة الطيبة، فلما اصطلحت مع الله، واستقمت على أمره، وأقبلت عليه، الآن تدمر؟ تدمر إذا أقمت شرع الله في بيتك؟ تدمر إذا جهرت بالحق؟ تدمر إذا أحللت الحلال؟ ما هذا المنطق؟

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 هناك من يقول مثل هذا إلى آخر الزمان، لمجرد أن يطيع الله عز وجل سوف يدمر، هكذا منطقه، هكذا الله يعامل عباده؟

﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً ﴾

﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة القصص: 57]

 أيها الأخوة الكرام؛ هذه الآيات الكريمة هي منهج لنا في حياتنا، نرجو الله سبحانه وتعالى أن نفيد منها.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصبحه وسلم .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018