٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 29 - من سورة الفرقان والشعراء - الصديق.


1997-01-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

خطورة الصديق في حياة الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ قد نعجب وقد لا نصدق خطورة الصديق في حياة الإنسان، يقول الله عز وجل في الآية السابعة والعشرين من سورة الفرقان:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾

[سورة الفرقان: 27]

 هذه كنايةٌ عن الندم الشديد:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

[سورة الفرقان: 27-29]

 الإنسان يتأثر شاء أم أبى بمن حوله، لذلك قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 وفي آيةٍ أخرى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 أي شيء مهمٌ جداً وخطيرٌ جداً في حياة الإنسان أصدقاؤه، من يعيش معهم، من يصاحبهم، من يعالمهم، من يحتك معهم، لذلك:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد ]

 لم يكن ربنا عز وجل:

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

[سورة الفرقان: 27]

 الوجهة إلى الله، الله هو الأصل، والرسول وسيلة من وسائل القرب من الله عز وجل، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله.

الغيرة من لوازم الفطرة و هي حيادية :

 أيها الأخوة؛ هناك تفسير علمي لتأثير الصاحب، الإنسان في جبلته مفطورٌ على خاصةٍ اسمها الغيرة، الغيرة من لوازم الفطرة، من خصائص النفس البشرية، فأنت إذا رأيت من يفوقك في العلم، أو في الطهر، أو في التقوى، أو في القرب، أو في العمل الطيب، تغار فتقلده، وإن صاحبت أهل الدنيا، ورأيتهم تفوقوا عليك، ببيوتهم، وأثاثهم، ودنياهم، وإنفاقهم، تمنيت أن تكون مثلهم فسلكت سبيلهم، فالغيرة حيادية، إن استخدمت لطلب الآخرة، كانت عاملاً إيجابياً، وإن استخدمت للدنيا، كانت عاملاً سلبياً، فالعبرة أن تصاحب المؤمنين، العبرة أن تصاحب من يرقى بك إلى الله بعلمه، وحاله، ومنطقه، وحكمته، فمن سعادة المرء أن يكون إخوانه صالحون، لذلك يجب أن تختار أصدقاءك كما تختار أعز شيءٍ عليك، إنه ساحب، إنك لصيقٌ به، إنك تقتبس من علمه، من أخلاقه، لذلك قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
 هل تصدقون أن هذا الإنسان الظالم استحق النار خالداً مخلداً، ماذا يقول؟

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾

[سورة الفرقان: 28]

 آية واضحة، واضحة وضوح الشمس، أنه اتخذ من فلاناً خليلاً فكان من أهل النار.

الأصدقاء أخطر شيء في حياة الأولاد :

 الآن الكلمة موجهة للآباء: إن أخطر شيءٍ في حياة أولادك أصدقاء أولادك، فيجب أن تدقق، وأن تسأل، وأن تبحث، وأن تدرس ابنك من يصاحب، أين كان حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ مع من يسهر؟ مع من يمشي؟ مع من يتنزه؟ هذا أخطر شيءٍ، علماء التربية قالوا: ستون بالمئة من تأثر الإنسان من أصدقائه، أعتقد أن ثلاثين بالمئة من أمه، وعشرة من أبيه، أي تأثر الإنسان من أصدقائه أشدّ من أمه وأبيه.
 لذلك البيئة الصالحة ضروريةٌ جداً، قد يأتون ببذرة من أرقى البذور، يوجد بذار هجين، غال جداً، التربة السيئة، غير المعقمة، غير المخصبة، هذه تقتل البذرة، بينما بذرة من المستوى المتدني، ضعها في تربةٍ عالية الجودة، فيها سماد، فيها مخصبات، معقمة، هذه البذرة المتوسطة الجودة تنمو.
 إذاً نحن نبحث عن البيئة الصالحة، والمؤمنون إذا اختلطوا مع أهل الدنيا، واشتبكوا معهم، وتنزهوا معهم، وتعاملوا معهم، وأقاموا معهم علاقاتٍ حميمة، من المتضرر الأكبر؟ المؤمنون.
 تماماً كما خلطت لتر ماءً نقيٍ صاف مع لتر ماءً ملوث، أيُّ اللتر الذي يتضرر؟ الصافي.

البيئة الصالحة ضروريةٌ جداً :

 لذلك اجهد أن يكون أخوانك من المؤمنين الأطهار، من الذين يطلبون العلم، من الذين يخافون من الله عز وجل، أنت لا تدري قد تقتبس مئات الصفات ممن حولك وأنت لا تدري، أحياناً ألاحظ سلوك إنسان، دون أن يشعر يقلد سيده في العمل، حتى في تعنيفه، حتى في حركاته، حتى في سكناته، حتى في طريقة استرخائه، حتى في طريقة سلوكه يقلد الكبراء، بالمجتمع يوجد كبراء، في عالم المال يوجد كبراء، في عالم الاقتصاد، في عالم العلم، في عالم القوة، في كل مجال يوجد كبراء، يسمونهم الآن نجوماً، أعلاماً، هؤلاء يقتدى بهم، والإنسان لابد له من شخصيةٍ يكونها، أو يتمنى أن يكونها، أو يكره أن يكونها، التي يكونها هي ذاته، التي يكره أن يكونها من يتناقض معه في الصفات، والأهداف، والتي يتمنى أن يكونها من يراه متفوقاً عليه، فلذلك:

﴿ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة الملك:6]

 إلى أبد الآبدين، والآية صريحةٌ وواضحة، بسبب أنهم صاحبوا أهل الدنيا:

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

[سورة الفرقان:28-29]

 أعرف رجلاً حُدثتُ عنه في بلدٍ آخر إسلامي، أي همه بناء المساجد، همه فعل الخيرات، همه مساعدة البائسين، صاحب رجلاً متفلتاً تفلتاً شديداً، صار يريه بعض الأفلام، وهو في الستين ترك الصلاة، وانغمس في الرذيلة، ووقع في جريمة الزنا، من صاحبٍ واحد يجب أن تجهد، أن تنتقي أصحابك من المؤمنين، لا تنسى هذا الحديث الشريف:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد ]

 إذا كنا في مجتمعٍ نقيٍ، صافٍ، وظهر كمال الأخوة المؤمنين، عشنا الإسلام، الإسلام ينبغي أن نعيشه، لا ينبغي أن نفهمه، لا ينبغي أن نعقله فقط، ينبغي أن نعيشه، تعيش الإسلام إذا كنت فرداً في مجتمعٍ إسلامي، لذلك المؤمن له طريقته الإسلامية في بيته، وفي عمله، وفي نزهته، وفي زواجه، أي الإنسان مسلم ملتزم، والإنسانة ملتزمة مسلمة، والعرس فيه غناء، فيه تبذل، هذا لا يجتمعان، أعراس المؤمنين من نوعٍ خاص، حتى أحزانهم المسلم يقتدي برسول الله.
 يوجد آية ثانية تذكرنا، الإنسان بجهنم وهو في النار يقول:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 لأنه ما طلب العلم استحق النار إلى الأبد،

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾

 في الدنيا الحق،

﴿ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

 هذا لولا أنه كان له هذا الصديق المنحرف لما كان في النار، فانظروا إلى خطورة الصديق.

ضرورة اختيار الأصدقاء و الأخوان بعناية فائقة :

 أيها الأخوة؛ الآن الناحية الإيجابية، أحياناً يكون الشخص همته ضعيفة، يجلس مع مؤمنين أطهار متفوقين فيتحمس، يرفع من مستوى استقامته، يضبط لسانه، يكثر من صلواته، الإنسان أيضاً من الناحية الإيجابية إذا عاش مع مؤمنين يرقى بهم، الإنسان في الأساس اجتماعي، وعنده صفة حيادية هي الغيرة، فإذا جلست مع المؤمنين تتمنى أن تكون مثلهم، لو جلست مع حافظ كتاب الله تتمنى أن تحفظ كتاب الله مثله، لو جلست مع داعيةٍ تتمنى أن تكون مثله، الآن اجلس مع شخص من أهل الدنيا تتمنى أن تكون مثله، إذاً هناك جذب، القوي دائماً يجذب الضعيف، القوي في المال يجذب الفقير، القوي في السلطان يجذب الأقل منه، القوي في الدين يجذب الأقل ديناً إلى المستوى الأرقى.
 لذلك النقطة الدقيقة في هذه الآية يجب أن تختار أصحابك وإخوانك بعنايةٍ فائقة.

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[سورة الفرقان: 63]

 السنة تنطق بغير هذا، كان عليه الصلاة والسلام إذا سار كأنه ينحط من صبب، وكان عمر رضي الله عنه تقول عنه السيدة عائشة: " رحم الله عمراً، ما رأيت أزهد منه كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع".

صفات عباد الرحمن :

 هنا الآية:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان: 63 ]

 العلماء قالوا: معنى

﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

 ليس أن يسير بطيئاً، ولكن هو يرفض أن تستهلكه الدنيا، يوجد إنسان يفتح عينيه على هموم الدنيا، ويغمضهما مساءً على هموم الدنيا، كأنها عجلة تدور بلا توقف، يفاجأ بأن ملك الموت ينتظره، يصعق، أما المؤمن فيمشي

﴿ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

 أي يفكر في سرّ وجوده، أين كان قبل أن يأتي؟ أين سيكون بعد إذ أتى؟ ما مهمته في الحياة الدنيا؟ يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 يفكر في حقائق الكون، في كليات الكون، في أسرار الخلق، يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 أي لا يسمح للدنيا أن تستهلكه، لا يسمح لمشكلات الحياة أن تنهي وجوده الديني، لا يسمح لقضيةٍ خلافيةٍ أن تعطله عن مبدئه.
 هناك عوام الناس يتدين فترة، يتألق، لسبب تافه جداً، إنسان يسيء له من الجامع، يترك الصلاة فوراً، يقول لك: الدين باطل، سذاجة مضحكة، معنى يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 أي يتريث، يتأمل، يدقق، يحقق، يفكر، يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 أي يقتطع وقتاً من وقته الثمين لطلب العلم، يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 يقتطع وقتاً من وقته الثمين لتربية أولاده، يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 يقتطع وقتاً من وقته الثمين للدعوة إلى الله، يقتطع وقتاً من وقته الثمين للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يقتطع وقتاً من وقته الثمين لتعلم العلم الشرعي، لا يوجد عنده لا وقت لدي، مشغول، مشغول، معنى ذلك لا يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 هو صار حلقة بسلسلة لا ترحمه، يمشي

﴿ هَوْناً ﴾

 أي يفكر، يدرس، يبحث، يمحص، يتأمل، يضع كل شيءٍ في مكانه الصحيح، ينظم حياته، لا يسمح لنشاطٍ أن يطغى على نشاط، يقول لك: والله أنا أخرج قبل أن يستيقظ الأولاد، وأرجع بعد أن يناموا، وظن نفسه عمل عملاً طيباً، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ))

[ ابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 يطعمه، يسقيه، يلبسه، لكنه ضيع دينه.

تناسب التعنيف و التضييق و التشديد مع الحب :

 ثم يقول تعالى :

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾

[ سورة الفرقان: 77 ]

 لولا أن الله دعاكم إلى معرفته، دعاكم إلى طاعته، دعاكم إلى جنته، أنتم من أنتم؟

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

[سورة إبراهيم: 8]

 عنكم،

﴿ يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾

 لأنه دعاكم للجنة،

﴿ يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾

 لأنه أراد أن يسعدكم في الآخرة، لولا أنه أراد إسعادكم لما عبئ بكم، تجد الله عز وجل يعالج، يؤدب، يخوف، يحذر، يضيق، يقنن، عنده أمراض، عنده شدائد، عنده فقر، عنده مشكلات لا تنتهي، هذه لماذا يفعلها الله؟ لأنه يعبأ بنا.
 أنت تصور أن أباً يمشي بالطريق، رأى ثلاثة أولاد يدخنون، أحدهم ابنه، والثاني ابن أخيه، والثالث لا يعرفه، ما الذي يفعله الأب؟ يمتلئ غضباً من ابنه، وقد يضربه، التعنيف أقل لابن أخيه، أما هذا الذي لا يعرفه فيقول له: اذهب، اذهب عنا، إذاً التعنيف يتناسب مع الحب، التعنيف، والتشديد، والتضييق يتناسب مع الحب، أقام على ابنه النكير، وعاتب ابن أخيه، وترك الثالث، من هو ابنه؟ إذا شخص كان واقفاً يراقب يعرف ابن المعنف من شدة التعنيف، يعبأ الله بنا لأنه يحبنا، يعبأ الله بنا لأنه أراد هدايتنا، يعبأ الله بنا لأنه خلقنا للجنة.

﴿ يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾

.

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

 لولا أنه دعاكم إلى معرفته، وطاعته، وجنته لما عبئ بكم، ما الذي يدل على أن الله يعبأ بنا؟ معالجته لنا، تربيته لنا، مثلاً لو أن الله سبحانه وتعالى وهو قدير ألغى المرض من الدنيا كلها، ألغى الفقر، ألغى القوة والضعف، ممكن، الله عز وجل:

﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة الحشر:6]

 تتعلق قدرته بكل ممكن، لو ألغى المرض، وألغى القوة، وألغى السيطرة، وألغى التفاوت، وألغى الفقر، معنى ذلك أنه لم يعبأ بنا، أما لأنه عبئ بنا، أحياناً الأب إذا عنده ابن مقصر، يعنفه، يؤدبه، يضع له أستاذاً خاصاً، يدرسه بنفسه، لو عنده ابن زوجة يقول لك: لا يوجد به خير، عقله مغلق، لا يعالجه أبداً، لأن هذا ابن زوجته و ليس ابنه، دقق أن تعبأ بإنسان فإنك تحبه، تحبه حباً شديداً، الآية دقيقة جداً:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 77 ]

 تعذيبكم، لذلك إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، الله عز وجل قادر.
 مرة أخ تبرع ببيت لجمعية خيرية، ثمنه ثمانية ملايين ليرة، صار الآن مشغلاً -الحمد لله- لتدريب الفتيات الفقيرات على الخياطة، أقيمت حفلة تكريم لهذا الإنسان المحسن، ما من واحد إلا وأثنى على هذا المحسن، إلا أخ كريم من أخواننا ذكّر هذا المحسن بأنه كان من الممكن أن تكون أيها المحسن الكبير أحد المنتفعين بجمعيتنا، ونعطيك راتباً شهرياً لا يزيد عن ألفي ليرة، لكن الله مكنك أن تكون غنياً، وأن تعطي.
 فالإنسان عندما يعطي هذا من فضل الله عز وجل، جعله هو المعطي، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.

ارتباط فلاح الإنسان بقلبه السليم :

 أخواننا الكرام؛ الدنيا فيها كل شيء، فيها قصور جميلة جداً، فيها بساتين، فيها حدائق، فيها مناصب، فيها متع رخيصة، وغير رخيصة، يقول الله عز وجل سيأتي يومٌ:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 إلا من أتى ونفسه زكيةٌ طاهرة، هذا مقياس، الفلاح أن يكون قلبك سليماً، وهذا رأس مالٍ كبير.

الشقي من يتخذ مع الله إلهاً آخر :

 آخر آية:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء:213]

 أحد أكبر أسباب العذاب النفسي، والشقاء النفسي، والخوف، والقلق، وأمراض النفس أن

﴿ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ﴾

 بالمعنى المخالف إذا كنت موحداً فأنت من السعداء، ولن

﴿ تَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ* وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء:213-215]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018