٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 25 - من سورة طه والحج والأنبياء - الخشوع والإنابة


1997-01-21

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإنسان في بحبوحتين :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

[سورة طه : 129]

 صياغة الآية في الأصل:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾

 وأجلٌ مسمى

﴿ لَكَانَ لِزَاماً ﴾

 عذابكم، وإهلاككم، الكلمة التي سبقت من الله أنه خلقنا ليرحمنا، وأنه خلقنا ليسعدنا، والأجل المسمى هو الأجل الذي حدد للإنسان، لا يهلك قبله، أعط كل إنسان فرصةً كي يعبر عن ذاته، لأن الله عز وجل خلقنا ليرحمنا، ولأن لنا آجالاً لا تتقدم، ولا تتأخر، نحن في بحبوحتين؛ في بحبوحة أن الله خلقنا ليسعدنا، هو ينتظر أن نعود إليه، ينتظر أن نتوب إليه، والبحبوحة الثانية أن لنا آجالاً لا تتقدم ولا تتأخر.

الأحمق من انشغل بما ضمن له وتشاغل عما طلب منه :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[سورة طه:131 ]

 النبي عليه الصلاة والسلام كيف يمد عينيه؟ يمد عينيه طمعاً بهداية هؤلاء، إلا أن الله يخبره أن الذي غرق في حبّ الدنيا، وجعلها زوجاً له، هؤلاء الناس بعيدون على أن يستفيدوا من الهدى:

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[سورة طه:131 ]

 مرة ضربت مثلاً: لو خيروك بين أن تعطى مركبةً فخمةً تركبها ساعةً واحدة، وبين أن تملك دراجة، ماذا تختار؟ الدراجة، لو خيروك بين أن تملك دراجة أو سيارة، ماذا تختار؟ السيارة، لو خيروك بين أن تركب الدراجة ساعة واحدة، ولك السيارة دائماً، تتردد ثانية؟
ذكرت هذا المثل لأوضح لكم

﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

﴿ خَيْرٌ ﴾

((ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

﴿ وَأَبْقَى ﴾

  إلى أبد الآبدين، أيعقل أن نستعد للدنيا أربعين عاماً، لنعيش عشر سنوات، أو عشرين سنة؟ وهذه الآخرة الأبدية لا نستعد لها، موطن الشاهد:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه:132 ]

 أنت مكلفٌ بشيء، وقد ضمن لك شيء، من الحمق والغباء وعدم التوفيق أن تنشغل بما ضمن لك، وأن تتشاغل عما طلب منك:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))

[ مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 يقوتُ يطعمه، لكن كيف يضيعه؟ يضيع دينه، يضيع عقيدته، يضيع توجيهه، هو يطعمه، لكن لا يؤدبه، يطعمه ولكن لا يدله على الله عز وجل، إذاً:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه:132 ]

((خلقت السموات والأرض، ولم أعيَّ بخلقهن، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فالأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً ))

[ ورد في الأثر]

 ورد أن الإمام أبا حنيفة - رحمه الله تعالى- قرأ حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانعطفت حياته انعطافاً جذرياً، الذي قرأه أنه:

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))

[مسند الشهاب وقال المناوي في فيض القدير يجوز الاحتجاج به]

 أي:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾

[سورة طه:132 ]

 لا تدعي أنك مشغول بكسب الرزق:

(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

((ابن آدم أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك))

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه:132 ]

طاعة الله عز وجل تولد الخشوع و الإقبال :

 أيها الأخوة؛ إلهٌ عظيم أمرنا بالصلاة، ما الصلاة التي تنبغي أن تليق بهذا الأمر العظيم؟ الصلاة التي فيها إنابة، التي فيها إقبال، التي فيها خشوع، الإقبال، والخشوع، والإنابة، لا يكونون إلا بطاعة الله عز وجل، فإقامة الصلاة تبدأ وأنت في الطريق، وأنت في دكانك، وأنت في عيادتك، إذا نصحت المسلمين، إذا كنت صادقاً معهم، إذا كنت أميناً، إذا بنيت حياتك على العطاء، إذا كنت نصوحاً، إذا حررت دخلك من الحرام، إن فعلت كل هذا الآن إذا وقفت بين يدي الله عز وجل من أجل أن تصلي شعرت بطعم الصلاة التي أرادها الله عز وجل، المؤمن ليس بينه وبين الله حجاب بسبب استقامته.
 الأخوان الكرام أحياناً يلتقون مع بعضهم، يقول لك: وقعت بذنب، حجبت، كلام واضح، كلامٌ واضحٌ كالشمس، ضبط استقامتي، الطريق إلى الله سالك، حررت دخلي، قلبي عامر بذكر الله، تحريت الحلال، دعائي مستجاب، صليت الصلوات على وقتها، بارك الله لي في وقتي، الوقت أحياناً يبارك الله فيه، أي تفعل في وقت قليل أشياء كبيرة جداً، وأحياناً تذهب بركة الوقت:

(( من أخر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ))

 أداء الصلوات، أنتم حينما تأتون إلى هذه البيوت، أنتم تؤدون زكاة أموالكم، الإنسان إذا أدى زكاة ماله، كيف يعامله الله عز وجل؟ يحفظ له بقية المال، فإذا أدى زكاة وقته يحفظ الله له بقية الوقت، الوقت المتبقي من العبادات وقتٌ مباركٌ فيه، في وقتٍ قليل تفعل شيئاً كثيراً فلذلك:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه:132 ]

المؤمن الصادق يطيع الله في السراء و الضراء :

 أخواننا الكرام؛

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾

[سورة الحج: 11 ]

 أنا مرة دخلت إلى معمل إسمنت، وجدت مكعبات إسمنتية، وهذه المكعبات معلقة من طرفها الأعلى، وفي طرفها الأسفل كفة، يوضع فيها أوزان، سألت عن هذا، فقال: كلما طبخت طبخة إسمنت يصب من هذه الطبخة هذه المكعبات، تعلق من طرفها الأعلى، وفي طرفها الأسفل كفة ميزان، توضع الأثقال، كل طبخة تكسر على وزن معين، هذه قوة التحمل تحمل قوة الشد، الإسمنت يتحمل قوة ضغط كبيرة جداً، السنتمتر خمسمئة كيلو، أما قوة الشد فقد لا يتحمل السنتمتر خمسة كيلو، فيمتحن سلامة طبخة الإسمنت من قوة التحمل.
 المؤمن الصادق يطيع الله عز وجل، ويرجو رحمته، ويخشى عذابه في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، قبل الزواج، وبعد الزواج، قبل الغنى، وبعد الغنى، في الحضر، وفي السفر، معه أولاد، بلا أولاد:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب:23]

امتحان كل إنسان لمعرفة مستوى إيمانه :

 أيها الأخوة؛ لا تصدق أبداً أن تكون على مستوى من الإيمان متدن وأنت تتوهم أنك مؤمن كبير دون أن يسوق الله إليك ما تمتحن به:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت :2]

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[سورة آل عمران: 179 ]

 لا بد من أن تمتحن، الامتحان يسوق الله للإنسان بعض الشدائد، فإما أن يبدو مؤمناً، قوياً، صابراً، متوكلاً، وإما أن يبدو ضعيفاً، خواراً، ينهار أمام هذه المصائب، لذلك:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ﴾

[ سورة الحج: 11 ]

 أيها الأخوة؛ مستحيل الإنسان يظن حاله بحجم وهو بحجمٍ أقل من حجمه دون أن يحجمه الله، لذلك إذا قوي الإيمان، صمد في الرخاء، وفي الشدة، في السراء والضراء، يقول أحد أصحاب النبي: بايعنا رسول الله على الطاعة في المنشط والمكره، والحقيقة الإنسان حينما يثبت على إيمانه، وعلى استقامته في أثناء الشدة، فهذه علامة إيمانه.
 وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين".
 قصص الأنبياء؛ أي سيدنا إبراهيم له قصةٌ عجيبة حينما دخل على معابدهم، وكسر أصنامهم، ووضع الفأس في عنق أكبر صنمٍ فيهم:

﴿ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ* فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة الأنبياء:62-64]

 لفت نظرهم، ثم اتخذوا قراراً بإحراقه، كان من الممكن أن يختفي، فلا يستطيعون أن يحرقوه، لو كان كذلك لقالوا: لو تمكنا من القبض عليه لأذقناه ألوان العذاب، فآلهتنا له بالمرصاد، هذا لم يكن، الذي كان أنه ألقي القبض عليه، كان من الممكن أن تأتي الأمطار الغزيرة فتطفئ نارهم، ولو كان كذلك لقالوا: لولا أن هناك مطراً لأحرقناه، لكن حكمة الله أرادت أن تسفه أحلامهم، وأن تحقر أصنامهم، فألقوا القبض عليه، وأوقدوا ناراً عظيمة، وألقوه فيها:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[سورة الأنبياء : 69]

 لو أن الله عز وجل قال:

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً ﴾

 لمات من شدة البرد، ولو قال:

﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾

 ولم يقل:

﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

 لانتهى إحراق النار إلى يوم القيامة، لن ننتفع منها، ولكن كلام الله دقيقٌ جداً:

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

  هذا الإله العظيم الذي من قدرته أن يلغي خصائص الأشياء، نار تحرق منذ أن خلقها الله، بكلمة واحدة تلغى خصائص النار، البحر صار طريقاً يبساً، هذا الإله القوي، الذي بيده القوانين، بيده المعطيات كلها يعصى؟

تذكر سيدنا يونس كلما ألمَّ بالإنسان مصيبة :

 شيء آخر: الله عز وجل يرزقنا الصبر لكن أي واحد منا واقع في شدة مهما تكن هذه الشدة بالغةً لا يمكن أن تكون شدته كمن وجد نفسه فجأةً في بطن الحوت، والحوت في البحر، وفي الليل، في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
 أيها الأخوة؛ كلامٌ ذكرته كثيراً، قال تعالى:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87 ]

 وهو في بطن الحوت، نبيٌّ كريم:

﴿ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[سورة الأنبياء: 87-88 ]

 الآن البشارة لكل مؤمن، قال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88 ]

 في أي مكان، وفي أي زمان، دائماً قس مصيبتك بمصيبة سيدنا يونس، حتماً أقل بكثير، حتماً أقل بمليون مرة، بطن الحوت، الحوت أذا أحب أن يعمل وجبة بين الوجبتين يريد أربعة أطنان، أربعة أطنان هذه وجبة بين الوجبتين، وليد الحوت رضعته الواحدة ثلاثمئة كيلو، ثلاث رضعات عبارة عن طن، يحتاج إلى طن حليب كل يوم، نبيٌّ كريم رأى نفسه في بطن الحوت، الحوت وزنه يقدر بمئة وخمسين طناً، خمسون طناً لحماً، وخمسون طناً دهناً، وتسعون برميل زيت سمك يخرج منه، وجد نفسه في بطن الحوت، في الظلام، وفي البحر، هل يوجد أمل؟ الأمل صفر، الله قال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88 ]

كن عن همومك معرضاً  وكلِّ الأمور إلى القضــا
وابشر بخيـــــرٍ عاجـــــــــلٍ  تنسى به مــــا قد مضى
فلربما أمــرٍ مسخطٍ  لـــــك في عواقبــــــــه رضــــــــــــا
ولربمــا ضاق المضــــــيق  ولربما اتســــــع الفضـــــــا
الله يفعــــــل مــــا يشـــــــاء  فلا تكـــــــن معترضـــــــــــا
الله عودّك الـجميــــــــــــــل  فقس على ما قد مضى
* * *

 أي كلما ألمَّ بالإنسان شيء يتذكر سيدنا يونس، ويقول:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87]

 عندما دعا الله قال:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

 ما دعا، العلماء قالوا: الثناء دعاء، يا رب أنت الرحيم، يا رب ارحمني، أنت الغني، أي أغنني، أنت القوي أي انصرني، أنت الرازق أي ارزقني، سواءٌ أدعوت الله أو أثنيت عليه كلاهما دعاء:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[سورة الأنبياء: 87]

ضرورة التعامل مع الله مباشرة :

 أيها الأخوة الكرام، تعامل مع الله مباشرةً، كلما أنابك شيء ثق به، وناجه، وادعه، واعتذر إليه، واستغفره، وتب إليه، وسبحه:

(( وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسَنَةَ تَمْحُهَا ))

[الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 أي أقم علاقةً بينك وبينه، أقم مناجاةً بينك وبينه، أقم استغفاراً، أقم توحيداً، تهليلاً، تكبيراً، إن أردت أن يناجيك الله فاقرأ القرآن، إن أردت أن تناجيه فادعه، سيدنا يوسف:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

[سورة يوسف: 33 ]

 انظر التواضع، أي أنا يا رب لا أعصيك:

﴿ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ﴾

 من أن أعصيك، وكل مؤمن له مع الله حوار، له مع الله ابتهال، له مع الله دعاء، أنا كلما أخ وضعني أمام مشكلة، أي وضعني بظرف صعب، قال لي: مشكلتي كذا، زوجتي، أولادي، بيتي، لا أعمل، أقول له كما قال النبي:

﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

[ سورة الجن : 21]

 ولكن أقول لك:

(( إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل مِنْ مُستَغْفِرٍ؟ هل مِن تائِبٍ؟ هل من دَاعٍ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 هذا كلام النبي، وكلام النبي لا ينطق عن الهوى، جرب، ضع حاجتك في باب الله عز وجل، اقطع أملك من الخلق، وعلق الآمال على الحق، وانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يفرج ما بك.
 أخواننا الكرام؛ الصادقون المؤمنون عندهم آلاف القصص، وقعوا في أزمات، وقعوا في ورطات، ناجوا ربهم، ابتهلوا إليه، فأزاح الله عنهم همهم، هذا شيء ثابت، فذكرت لكم قصة سيدنا يونس، وسيدنا إبراهيم، سيدنا نوح دعا ربه، سيدنا إبراهيم، سيدنا زكريا، كل الأنبياء دعوا ربهم، واستجاب الله لهم، أما أجمل شيء:

﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 4]

 أي في حياتي، في كل حياتي ما دعوتك يا رب دعاءً وخيبت ظني.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018