٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 21 - من سورة النحل - تربية البنات - اللبن.


1997-01-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

البنات في الجاهلية الأولى و الثانية :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة النحل : 58-59]

 السؤال: هذه الفتاة البريئة التي لا يزيد عمرها عن ست سنوات، عن أربع سنوات حينما يدسها أبوها بالتراب، ويقتلها وهي حيةٌ ترزق، ما مصيرها في الآخرة؟ أنا أسألكم؟ في الجنة، هذه البنت التي تكبر في عصرنا، ويطلقها أبوها تفعل ما تشاء، وترتدي ما تشاء، وتلتقي مع من تشاء، ما مصيرها؟ إلى النار، أيهما أكثر جريمةً أن تئدها وهي صغيرة أم أن تطلقها وهي كبيرة؟
 أيها الأخوة؛ من كان عنده بنتٌ، أو بنتان، أو أكثر، هذه البنات أحد أسباب دخول الجنة:

((من جاءه بنتان، فأحسن تربيتهما، حتى يزوجهما، أو يموت عنهما، فأنا كفيله في الجنة ))

 وبالمقابل إذا الفتاة فسدت، وكان أبوها سبباً في فسادها، لم يعتن بها، لم يعلمها، لم يربيها تربيةً إسلاميةً، أطلقها وشأنها، ربما كانت سبب دخوله النار، تقول:

(( يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ))

[ورد في الأثر]

 لذلك وأد البنات في الجاهلية عار، لكن إفساد الفتيات في الجاهلية الثانية، أما الجاهلية الثانية فمن أين جاءت؟

﴿ لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

[سورة الأحزاب: 33 ]

 كلمة أولى تعني هناك جاهلية ثانية، والجاهلية الثانية أشد، وأنكى، هذه الفتاة التي ترتدي ثياباً فاضحة، تصف جسمها تماماً، أليس لها أب؟ أليس لها أخ؟ أليس لها بيتٌ رُبيت فيه؟ ألم يرَ أبوها كيف تخرج؟ هذا أشد من الوأد، لأن الفتاة إذا وأدت وهي صغيرة دخلت الجنة وكان أبوها مجرماً، أما إذا أُطلقت، وفسدت، أو أُفسدت، دخلت النار، وكان أبوها أكثر جريمةً من الأولى.

تربية البنات جزءٌ من الدين :

 أيها الأخوة؛ كل بيت فيه بنات، هذه البنات ضمانة لأبيهم لدخول الجنة، لذلك تربية البنات جزءٌ من الدين، إنك إن علمت فتىً علمت واحداً، وإنك إن علمت فتاةً هديت أسرة بأكملها، وكم من شابٍ أتى إلى بيوت الله بدافعٍ من زوجته المؤمنة، وكم من زوجٍ كانت زوجته سبب هدايته، وسبب إقباله على الله عز وجل.

* * *

تذليل الأنعام للإنسان :

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

[سورة النحل : 66]

 الحقيقة الفرث معروف هو الروث، لكن بعض العلماء وجه هذه الآية توجيهاً جديداً، الفرث يعني فضلات الاستقلاب، فضلات الطعام، فضلات الاحتراق، يوجد فضلات غازية، أين هي؟ هواء الزفير، الأكسجين الذي نستنشقه يحرق السكر في الخلايا، ناتج الاحتراق coغاز الفحم، هذا يخرج من الرئة على شكل زفير، فالهواء الذي نطلقه من أفواهنا هو الزفير الناتج عن احتراق السكر في الخلايا، والعرق الذي نفرزه أيضاً ناتج عن تفاعل الخلايا مع بعضها ومع الغذاء، والروث الذي يطلقه الإنسان أيضاً هذا ناتج الهضم، ويوجد بالدم حمض اللبن الناتج عن الاستقلاب الخلوي، هذا سماه بعض العلماء فرثاً، فرث سائل، يوجد فرث غازي وفرث صلب، يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

[سورة النحل : 66]

 أي هذه الخلية الثدية هي قبةٌ محاطةٌ بشبكة أوعيةٍ دمويةٍ بالغة الدقة، هي تختار من الدم ما يصلح للحليب، تختار

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

 من الدم وحمض البول تأخذ البروتين، والسكريات، والمواد الدسمة، والمعادن، والفيتامينات لتصنع الحليب، وحتى هذه الساعة لا يدري أحدٌ كيف تعمل هذه الخلايا عملها، ربنا عز وجل يقول:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

[سورة النحل : 66]

 هذا اللبن هو غذاءٌ كاملٌ للإنسان، والحجم الواحد من الحليب نتيجة دوران أربعمئة حجمٍ من الدم، كل أربعمئة حجم من الدم نتاجه لتر حليب واحد، والحليب كما تعلمون غذاءٌ أساسي للإنسان، هذه البقرة معمل، معمل صامت، كل منتجاتها فيه نفع، وكذلك مذللة، وكيف عرفناها مذللة؟ بعد أن جنت في بريطانيا، اضطروا أن يحرقوها، الخطة أن يحرقوا ثلاثين مليون بقرة، ثلاثة عشر مليون ثمنها يقدر بثلاثين مليار جنيه إسترليني، توحشت البقرة، مرضٌ يصيب البقر تصبح متوحشة، فنعمة التذليل نعمةٌ لا يعرفها إلا من رأى بقرةً متوحشة، قد تقتل الرجال، وحش، قال تعالى:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾

[سورة يس:72]

* * *

تفاوت الناس في خريف عمرهم :

 أخواننا الكرام؛ ورد في القرآن الكريم:

﴿ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾

[سورة النحل : 70]

 الحقيقة الناس يتشابهون في شبابهم، شاب قوي، لكنهم يتفاوتون أشد التفاوت في خريف عمرهم، ومن الناس:

﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

[سورة النحل : 70]

 هناك شخص احتل أعلى المناصب قبل أربعين أو خمسين سنة، كان إذا خرج من بيته يضيع في الطرقات، لا يعرف طريق العودة، تتصل زوجته بالشرطة كي يبحثوا عنه، الإنسان إذا ردّ إلى أرذل العمر:

﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

[سورة النحل : 70]

 ومن تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، ضمانةٌ من الخرف أن تتعلم القرآن، وأن تؤدي الصلوات الخمس، لأن هناك نشاطاً فكرياً دائماً، العضو الذي يعمل لا يضمر ما دام في تفكر، ما دام في ذكر، في قراءة، في ركوع، في سجود، في حسابات، ما دام العقل نشيطاً فهو لا يضمر، ولا يخرف.

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ ﴾

[سورة النحل : 70]

 بعضكم:

﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾

[سورة النحل : 70]

 حدثني أخ، قال لي: والدتي نربطها على الديوان من يديها ورجليها، قلت له: لماذا؟ قال: لأنه إذا أطلق يداها مزقت ثيابها، وبقيت عاريةً، وأكلت من غائطها، فلابد من ربطها.
 فالمؤمن المستقيم في شبابه، في الأعم الأغلب الله سبحانه وتعالى يحفظه في خريف عمره، هذه الصلوات، والصيام، وغض البصر، وضبط اللسان، والدخل الحلال، والتوجه إلى المساجد، وفعل الطاعات، وترك المنكرات، هذا كله يضمن للإنسان خريفاً متألقاً في حياته.
 هناك أشخاص سبحان الله! تراهم في خريف عمرهم متألقين، أي كوكب دري، حكمة، وفهم، ودعابة، وذاكرة قوية، ومكانة علية، يستقطب الناس وهو بالثمانين، بالتسعين، بالمئة، أحد شيوخ الأزهر عاش مئة وثلاثين سنة، التقيت مع ابنه في بعض المؤتمرات، عاش مئة وثلاثين سنة، يتمتع بصحته، وذكاء، وهناك رجل علم بالشام، عمره ثمانون سنة، علم أجيالاً، توفي في السادسة والتسعين، وهو يتمتع بأعلى درجات الفطنة، والذكاء، قامته منتصبة، نظره حاد، سمعه مرهف، أسنانه في فمه، عاش ستة وتسعين عاماً، كان يقول دائماً: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، والدعاء النبوي:

(( اللَّهمَّ أَمتِعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقُوَّتنا ما أَحيَيتنا، واجعَلُه الوارثَ منا ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمر]

 يموت الإنسان سمعه جيد، بصره جيد، نطقه جيد، قوته جيدة، سمعه، وبصره ونطقه، وقوته، أما وهو حي فقد بصره، وهو حي فقد سمعه، وهو حي فقد حركته، التقوى أقوى، هذا كلام العامة، التقوى تجعلك أقوى.

* * *

الطيور و الأسماك من آيات الله الدالة على عظمته :

 الآن الطائر من آيات الله الدالة على عظمته، حتى الآن لم يتوصل العلم إلى معرفة كيف يقطع هذا الطائر قريباً من عشرين ألف كيلو متر، فوق البحار، فوق الصحارى، ليلاً أو نهاراً، ولا يزيح عن هدفه درجة واحدة ؟
 سمك السلمون ينطلق من شواطئ أوروبا إلى أمريكا، السمكة التي أتت من المسيسيبي تعود إلى مصب نهره، التي أتت من الأمازون تعود إلى مصب النهر، لو أنها في خط عودتها- رحلة عودتها - انحرفت درجة واحدة، لجاءت بعد كيلو متر، من الذي يهديها في ظلمات البحر إلى هدفها الدقيق؟ الله جل جلاله، والآن العلماء حاروا في أمر الطير، ينطلق عشرين ألف كيلو متر، قد يطير ثماني عشرة ساعة متواصلة دون توقف، ومع ذلك الطيور التي من الشام و التي ذهبت إلى جنوب إفريقيا تعود إلى الشام وإلى أحيائها القديمة، إذا كان هناك طائر مثلاً في الشيخ محي الدين، الطلعة الثالثة في بيت معين، يذهب إلى جنوب إفريقيا، ويرجع إلى المكان نفسه، وهو يطير لو انحرف درجة واحدة يأتي بالعراق، درجة نحو اليسار جاء بمصر، من الذي يهديه؟

﴿ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾

[سورة القصص : 22]

 الله جلّ جلاله.

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة النحل : 79]

 أي الله جل جلاله بذاته، من دون واسطة، هو الذي يهدي الطير إلى هدفه، أحياناً الله عز وجل بواسطة، أما هذه الآية:

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 لا يوجد واسطة، فسروا ذلك بالجاذبية، فسروا بالمغناطيس، فسروا بالتضاريس، فسروا بالشمس، فسروا بالجهات، كل التجارب فشلت، حتى جاؤوا بطيور وعلموها بمادة ملونة، وأخذوها لا جنوباً بل شمالاً، من إنكلترا إلى أستراليا، عادت إلى إنكلترا، الآن بحوث كثيرة جداً قرأتها، ملخص هذه البحوث العلم عاجزٌ عن معرفة من الذي يهديها إلى أهدافها، مع أن بواخر، وطائرات تحتاج إلى بوصلات، الآن الطائرات كيف تسير؟ هناك مراكز بث أرضية في كل مكان بالعالم، مركز البث تحدد للطائرة موقعها، يمشي الربان على خطة، أما الطائر لا يوجد مراكز بث، ولا أبراج، ولا لاسلكي، ولا اتصالات، يعود إلى البيت الذي خرج منه في دمشق.

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة النحل : 79]

* * *

العدل و الإحسان :

 وقال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[سورة النحل : 90]

 العدل قسري، الإحسان طوعي، لكن:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

  هناك أشخاص لا يحتملون الإحسان، عدل فقط، والله أمرك بالإحسان، أي إذا قضية لا تحل بمقياس العدل تحل بمقياس الإحسان، وهذه الآية تحل مليون مشكلة، أحياناً العدل ليس في جانب خصمك، الإحسان يخلصه، الإحسان ينقذ الموقف.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة النحل : 120]

 نحن علاقتنا بهذه الآية، الإنسان يسأل نفسه هو كم واحد؟ واحد، ما ترك أثراً بإنسان أبداً؟ ما كان سبب هداية إنسان؟ النبي عليه الصلاة والسلام في قلوب مليار ومئتي مليون الآن، كل إنسان له عند الله مكانة، الله عز وجل يجري على يده الخير، فاسأل نفسك هذا السؤال: أنت كم واحد؟

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 هناك شخص في قلوب المئات، بل الألوف.

(( ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة ))

 على قدر إخلاصك وطاعتك يجعل قلوب المؤمنين تميل إليك.

* * *

اقتران التوبة بالإصلاح :

 آخر آية:

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة النحل : 119]

 دقق في كلمة:

﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾

 تاب، وأصلح،

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018