٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 57 - من سورة الكهف - قصة سيدنا موسى والخضر.


1997-02-06

الفرق بين الأمر التكويني و الأمر التكليفي :

 أيها الأخوة الكرام؛ قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى تقودنا إلى موضوعين في الإسلام خطيرين؛ الموضوع الأول: الأمر التكليفي، والموضوع الثاني: الأمر التكويني. يمكن أن نقول: إن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يمثل أمر الله التكليفي. بينما سيدنا الخضر يمثل أمر الله التكويني، أمر الله التكليفي افعل ولا تفعل، أمر الله التكويني فعل الله نفسه.
 لذلك ممكن أن توضع إشارة على طريق يكتب عليها: ممنوع المرور، هذا أمر تكليفي بإمكانك أن تمر، الأمر التكليفي يعصى أو لا يعصى، أما الأمر التكويني فليس في الكون كله جهة تستطيع أن تمنع أمراً تكوينياً، أو أن تحدث شيئاً الله جلّ جلاله ما أمر به، لأضرب لكم بعض الأمثلة:

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً ﴾

[سورة آل عمران:97]

 هذا أمر تكويني أم تكليفي؟ تكليفي، لأنه جرت فتنة في المسجد الحرام قديماً وحديثاً، لو أن هذا الأمر تكويني لانتقض هذا الأمر التكويني، مادام أناس دخلوا ونشبت معركة داخل بيت الله الحرام قديماً وحديثاً إذاً هذا الأمر تكليفي وليس تكوينياً، أي ينبغي أن يكون آمناً، كأن الله كلّفنا أن نجعله آمناً لأنه بيته.

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

[سورة النور: 26]

 أمر تكويني أم تكليفي؟ تكليفي، لأنك يمكن أن ترى إنسانة طيبة جداً عندها زوج سيئ جداً أو بالعكس:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

[سورة البقرة: 233]

 هذا إخبار وكأنه أمر تكويني، هو في الحقيقة أمر تكليفي، أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين.

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

[سورة الواقعة: 79]

 أمر تكويني أم تكليفي؟

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

[سورة الواقعة: 79]

 بإمكان إنسان غير طاهر أن يمسكه إذاً أمر تكليفي، فإذا قصدنا بكتاب الله هذا الورق نكون مخطئين، لو أنه أمر تكليفي لقال الله عزّ وجل: " لا يمسَسْه " بعكس الأولى، هذا أمر تكويني، أي أن المعاني التي ينطوي عليها هذا القرآن لا يستطيع إنسان غير طاهر النفس بريء من الشرك والشك أن يفهمها. يؤكد هذا المعنى:

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾

[سورة فصلت: 44]

 يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾

[سورة الإسراء: 82]

 إذاً: الأمر التكليفي يمكن أن يعصى، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
 سؤال؛ ما يعيشه الناس في مجتمعاتهم من فوضى أحياناً، من تسيب، من سرقة، من زنى، من انحراف، كيف يكون هذا الوضع؟ الأمر بالتناصح، والتوادد، والاستقامة، والصدق، والأمانة، والعفة، والبراءة، هذا أمر تكويني أم تكليفي؟ تكليفي، لذلك تجد سرقة وكذباً واحتيالاً وغشاً، هل سألت نفسك هذا السؤال: لماذا مجتمع النحل ومجتمع النمل في أعلى درجات النظام والانضباط والمسؤولية؟ الأمر تكويني، الفضل لله عزّ وجل، كل ما يتعلق بفعل الله مباشرة فيه كمال مطلق.
 إذاً: يجب أن نعرف دائماً ما الفرق بين الأمر التكويني والتكليفي. في الطريق لوحة ممنوع المرور، أمر تكليفي، لو كان أمراً تكوينياً ستجد أربعة مكعبات إسمنت مسلح، ارتفاعها خمسة أمتار، لا تستطيع أكبر سيارة أن تتخطاها، هذا الأمر التكويني. تكليفي لوحة.. ممنوع المرور، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.

المغزى من قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى :

 إذاً ما المغزى من قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى؟ المغزى أن الأمر التكليفي واضح، واضح أنه لصالح الإنسان، أمرنا بالاستقامة لصالحنا، بالورع لصالحنا، بالأمانة لصالحنا، بالصدق لصالحنا. أما ربنا عزّ وجل فيخبرنا في هذه القصة أن الأمر التكويني لصالحنا أيضاً، الأمر التكليفي صلاحه واضح للعيان كله، الصدق منجاة، الكذب مهواة، أما الأمر التكويني فأنت قد تجد إنساناً مريضاً، قد تجد إنساناً فاقد البصر، قد تجد إنساناً مقطوع اليد، قد تجد إنساناً فقيراً، قد تجد إنساناً معذباً، هذه كلها أوامر تكوينية، أراد الله جلّ جلاله من خلال هذه القصة أن أوامره التكوينية كأوامره التكليفية لصالح الإنسان، ولكن أوامره التكليفية يبدو صلاحها لكل إنسان، بينما أوامره التكوينية لا تبدو إلا للمؤمن، والدليل.. إنسان عنده سفينة يرتزق منها، يركب فيها إنسان مجاناً بلا مقابل لوجه الله، هذا الراكب الضيف يخرق السفينة، هل يقبل هذا العمل؟ إطلاقاً. فلما تبين فيما بعد أن كل سفينة سالمة من كل عيب تصادر وتؤخذ من صاحبها، وأن هذه السفينة لأن فيها خرقاً نجت من المصادرة، يوجد عندك سيارة جديدة جاء إنسان وكسر لك البلور الأمامي، ثمنه اثنا عشر ألفاً، هناك حاجر لو أنها سليمة لصودرت، لأن هذا البلور مكسور نجت، ألا تفرح؟ تفرح فرحاً كبيراً، ألا ترى أن كسر هذا البلور نعمة، نعمة كبيرة، وهكذا أفعال الله كلها، كل أفعال الله عزّ وجل ظاهرة، فقر، مجاعة، مرض، ورم، مشكلة، لكن يجب أن تقيس على قصة الخضر كل أفعال الله عزّ وجل، كلها لصالح الإنسان، لكن أحياناً الأمر التكويني قد لا يتفق مع الأمر التكليفي، هنا يوجد قتل غلام، هنا يوجد بناء جدار بلا مقابل، هنا يوجد خرق سفينة، ثم تبين أن كل هذه الأفعال التي فعلها الخضر بناءً على أمر من الله عزّ وجل كانت كمالاً مطلقاً.
 إذاً ملخص هذه القصة: كما أن أمر الله التكليفي واضح خيره لكل الناس ينبغي أن تعتقد أيضاً أن أمر الله التكويني لصالح الإنسان، ولو بدا لك في الظاهر أنه ليس في صالحه، هذه القصة.

الشرع هو الأساس في كل شيء :

 من الذي يقول: إن سيدنا الخضر نبي؟ الذي يقول: نبي، استنبط أنه لا يستطيع إنسان كائناً من كان أن يقتل إنساناً إلا أن يقتله بأمر من الله، وهذا غير متوافر إلا في الأنبياء فقط، لا يستطيع إنسان في الأرض أن يفعل شراً، ويقول: إن الله أمر بذلك، هذا كلام مرفوض، الشرع هو الأساس، إلا النبي فهو مستثنى، النبي ذبح ابنه.

﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾

[سورة الصافات: 102]

 هذه حالة خاصة، لكن الله عزّ وجل أراد أن يبين أن هذا الأمر الذي لا يرضى لا يقبل عند أصحاب العقول السليمة، والفطر السليمة، لو رأيت إلى ما انتهى إليه ترضاه، وتقبل به.

قياس أفعال الله عز وجل على الحوادث :

 ليست القصة أن نستمع إلى حدث، إلى قتل غلام، إلى بناء جدار، إلى خرق سفينة، ولكن القصة أن تقيس كل أفعال الله عزّ وجل على هذه الحوادث.
 العلم حرف كما يقال والتكرار ألف، قس على هذه القصة كل ما ترى عينك في العالم الآن، كل ما تسمع أذنك، هناك حروب، ومجاعات، وصقيع، وفيضانات، وحرّ، وبراكين، وزلازل، وبأس فيما بين الناس، هذه تقيسها على أمر الله التكويني، أمر الله التكويني لصالح الإنسان، أي غير معقول الله عزّ وجل يعمل مذكرة إيضاحية لكل شيء يفعله للبشر، لكن أعطاك أمثلة، هذا الذي تراه أمامك لصالح الناس، أصحاب الجنة، أصحاب البساتين الغناء، المثمرة، ذات الدخل الكبير:

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ* كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة القلم:17-33]

 إذاّ: أن يأتي صقيع يتلف كل هذا الإنتاج في دقائق معدودة، هذا أمر تكويني، كيف انتهى هذا الأمر التكويني؟ انتهى هذا الأمر التكويني إلى توبة أصحاب الجنة، تابوا إلى الله، وقَبِلَ الله توبتهم، وصلح أمرهم.

أوامر الله التكوينية و التكليفية لصالح الإنسان :

 الذي أريد أن أقوله في هذه السهرة أو هذا اللقاء قبل الأخير: أمر الله التكليفي يمثل لوحة ممنوع المرور، لك أن تخالف هذا الأمر، لكن هناك ثمناً تدفعه، أما أمر الله التكويني فلا تستطيع أنت و لا أهل الأرض مجتمعين أن يخرقوه، كما أن أوامر الله التكليفية لصالح الإنسان، أوامره التكوينية لصالح الإنسان.
 إذاً كونك مولوداً من فلان وفلانة، في الزمن الفلاني، بالشكل الفلاني، بالعقلية الفلانية، بالطباع الفلانية، بالقدرات الفلانية، هذا أمر تكويني أم تكليفي؟ تكويني، قسه على الخضر لصالح الإنسان؟ لصالح الإنسان. ليس في الإمكان أبدع مما كان، أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذه الفكرة وحدها تلقي في قلبك الطمأنينة، والرضا بقضاء الله وقدره.
 فرّق بين الأمر التكويني والأمر التكليفي، أنت في الأمر التكويني مخير أم مسير؟ مسير، في الأمر التكليفي مخير، أنت مخير في الأمر التكليفي فقط، أما التكويني فلست مخيراً فيه، أي هل هو ضدك؟ لا، لا، ليس ضدك بل لصالحك، الآن موت الإنسان أمر تكويني أم تكليفي؟ تكويني، قسه على هذه القصة، لصالح الإنسان؟ أي يموت الإنسان في يوم هو أنسب يوم لكن هذا لا يعرفه في الدنيا، إلا في الآخرة. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
 هل هناك استنباط آخر من قصة الخضر مع سيدنا موسى؟ أي سيدنا موسى لما رأى الغلام يقتل بلا سبب، ولما رأى السفينة تخرق بلا سبب كان مخطئاً؟ لا، أبداً، لم يكن مخطئاً، في حدود معلوماته التكليفية لم يكن مخطئاً.
 سيدنا الخضر حينما أمره الله أن يقتل، أو أن يبني، أو أن يخرق، هل كان مخطئاً؟ لا.
 إذاً يجب أن نوفق بين ما ترى أعيننا وبين ما نقرؤه في كتاب ربنا، أكثر الناس ينقمون على الذات الإلهية إذا رأوا مجاعة، أو فقراً، أو حرباً، أو وباء، ينقمون، لو قرؤوا هذه القصة لارتاحت نفوسهم.
 هذا أمر الله التكويني، لذلك أهم شيء نقوله الآن: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، ولا يليق بالله أن يقع في ملكه إلا ما أراده.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018