٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 55 - من سورة الكهف - قصة أهل الكهف.


1997-02-05

التزام أمر الله في رمضان و بعده :

 أيها الأخوة الكرام؛ لا يعقل أن نلتزم أمر الله في رمضان ثم نحيد عنه بعد رمضان هذا ليس بمستوى أمرٍ إلهي، لكن الله سبحانه وتعالى حينما أمرنا بالصيام منعنا من المباحات.
 المباحات؛ الطعام والشراب. فالإنسان إذا ترك المباحات في سبيل الله لابد له عندئذٍ من أن يدع المحرمات من باب أولى وإلا يختل توازنه، كيف يبتعد عن المباحات ويفعل المحرمات؟
 إذاً كأن الله سبحانه وتعالى أرادنا في رمضان أن تقوى إرادتنا على طاعته، وهذه الإرادة التي تقوى على طاعته يجب أن تستمر، لذلك أعظم من رمضان أن تستمر كما كنت في رمضان بعد رمضان، أما أن نؤمن، وأن نستقيم، وأن نغض البصر، وأن نضبط اللسان، وأن نقرأ القرآن، وأن نصلي قيام الليل، وأن ننفق من أموالنا في رمضان ونعود بعد رمضان إلى ما كنا عليه كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً فهذا لا يليق بمسلم واعٍ، ولا بمؤمن مستبصر.
 شيء آخر؛ إذا استطاع إنسان أن يمد الصفاء الذي كان له في رمضان إلى كل شهور العام فقد حقق من رمضان غايته، إذا استطاع أن يمد الصفاء في رمضان إلى كل شهور العام يكون بهذا قد حقق من رمضان غايته، لأن الله فضّل هذا الشهر على بقية الشهور لينسحب هذا الصفاء على كل الشهور.

إنّ الله يحبّ من الأعمال أدومها وإن قل :

 شيء آخر أيها الأخوة؛ يقول عليه الصلاة والسلام:

((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))

[ البخاري عن عائشة]

 إن الله يحب من الأعمال أدومها وإن قل، فكل واحد منا المفروض أن يرتب برنامجاً لما بعد رمضان.
 أذكركم بقول النبي عليه الصلاة والسلام حينما صعد المنبر وقال: آمين، صعد الدرجة الثانية وقال: آمين، وصعد الدرجة الثالثة وقال: آمين. فلما سأله أصحابه علام آمنّت يا رسول الله؟ قال: رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له إن لم يغفر له فمتى؟
 لو أن إنساناً جدلاً لم يتح له في رمضان أن يكون كما ينبغي أن يكون هل ينتظر إلى رمضان الآخر؟ لا، بإمكان كل إنسان أن يجعل كل شهر رمضان، يمكن أن تستقيم فيما بعد رمضان، يمكن أن تصلي الفجر في مسجد بعد رمضان، يمكن أن تتلو كل يوم جزءاً من كتاب الله بعد رمضان، يمكن أن تلتزم حضور مجالس العلم بعد رمضان، يمكن أن تقيم الإسلام في بيتك بعد رمضان.
 إذاً: العبرة كأننا صعدنا درجة كي نستمر بهذا المستوى ثم صعدنا كي نستمر ثم صعدنا كي نستمر وهكذا إلى بقية الشهور والأعوام.
 لاشك أن رمضان مناسبة، وفيها روح جماعية كبيرة، لكن جميل جداً أن نأتي بعد رمضان إلى هذا المسجد ونحن في هذا الازدحام فجراً أو مساءً، لأن الله سبحانه وتعالى مع الإنسان في كل زمان، ومع الإنسان في كل مكان.

من يأوي إلى بيته في زمن الفتن يرتقي عند الله :

 شيء آخر.. مرّ في سورة الكهف:

﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾

[سورة الكهف: 10]

 هؤلاء الفتية آووا إلى الكهف لماذا؟ لينشر الله لهم من رحمته، ويهيئ لهم من أمرهم مرفقاً، أي كهف نأوي إليه نحن هنا في هذه الأيام؟ الحقيقة طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، طوبى لمن آوى إلى بيوت الله، بيوت الله كهوف تنشر فيها رحمة الله عزّ وجل. إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحُقّ على المزور أن يكرم الزائر. فالمسجد كهف نأوي إليه كي نتلقى رحمة الله عزّ وجل، البيت أيضاً كهف نأوي إليه، في زمن الفتن الإنسان إذا أوى إلى بيته، وضبط بصره، وضبط لسانه، وعبد ربه ارتقى إلى الله عزّ وجل.

المكتسبات التي يحصّلها الإنسان في رمضان :

1 ـ صلاة الفجر في جماعة وصلاة العشاء في جماعة :

 إذاً المكتسبات التي حصلناها في رمضان يجب أن نحافظ عليها:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]

 أول مكسب حققناه في رمضان صلاة الفجر في جماعة، وصلاة العشاء في جماعة، والذي يصلي في جماعة كأنما صلى قيام الليل، الذي يصلي الصبح والعشاء في جماعة كأنما قام الليل، هذه واحدة.

2 ـ المحافظة على تلاوة القرآن :

 تلاوة القرآن يجب أن نحافظ عليها على مدار العام، تلاوة التعبد وتلاوة التدبر، هذه تلاوة وهذه تلاوة، قد تقرأ آية أو آيتين من تلاوة التدبر، وقد تقرأ جزءاً أو جزأين من تلاوة التعبد، فحافظ على القرآن فيما بعد رمضان.

3 ـ الإكثار من الإنفاق و الأعمال الصالحة :

 الشيء الثالث؛ كان عليه الصلاة والسلام جواداً وكان أجود ما يكون في رمضان. الإنسان بعمله الصالح يرقى إلى الله.
 قلت لكم من قبل:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 وبإمكانك أن تعمل الأعمال الصالحة بعد رمضان وكأنك في رمضان.
 هذا الكلام الآن يقال لأن رمضان أوشك على الانتهاء، لا ينبغي أن تنتظر إلى رمضان القادم، ينبغي أن تهيئ برنامجاً لتجعل من رمضان الذي مضى استمراراً لكل شهور العام.

الاهتمام بالكليات و عدم الانشغال بالجزئيات :

 شيء آخر؛ الإنسان حينما يطلب العلم، في العلم أصول وفروع وجزئيات وتفاصيل، كأن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نبقى في الأصول، والتفاصيل والجزئيات أغفلها لحكمة بالغة، لأنك إن تتبعت التفاصيل لن تصل إلى شيء.

﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 22]

 إذاً لِمَ لم يقل الله كم عددهم ويحسم الأمر؟ قال أقوالهم ولم يأت الجواب الفيصل، لأن الله ما أرادنا أن ننشغل بهذه الجزئيات، أرادنا أن نبقى في الكليات، لأننا إذا أضفنا تفاصيل على هذه القصة توهمنا أنها وقعت ولم تقع، والله أرادها نموذجاً متكرراً لكل الناس، هؤلاء الفتية تركوا القصور، وتركوا الطعام الطيب، وتركوا اللباس الفاخر، وآووا إلى رحمة الله عزّ وجل، وكم من إنسان الدنيا بين يديه لكنه آثر طاعة الله عزّ وجل، آثر الإقبال عليه على ما في الدنيا من زين وزخرف.
 إذاً:

﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾

إيثار الدعوة إلى الله على الراحة :

 آخر آية:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[سورة الكهف: 28]

 الإنسان في بيته يوجد كرسي مريح، فرش، ضيافة، شراب، في المسجد ليس هناك شيء إلا الجلوس على الأرض، إذاً:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[سورة الكهف: 28]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018