٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 54 - من سورة آل عمران - الفتنة.


1997-02-05

الاختلاف بين المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام؛ في سورة آل عمران آية هي الآية المئة وهي قوله تعالى:

﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة آل عمران:100-101]

 ورد في أسباب نزول هذه الآية أن رجلاً من أهل الكتاب غاظه الوئام والحب والتعاون بين الأوس والخزرج في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل غلاماً، ودفع إليه قصيدة كانت قد قيلت في أيام الجاهلية تثير فيهم العصبية الجاهلية، ألقيت هذه القصيدة وثار حماس البعض إلى أن تلاسنوا، ثم سلّوا السيوف من أغمادها، وكادت تقع فتنة، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر فخرج غاضباً وقال: أتقتتلون وأنا بين أظهركم؟ ثم نزلت هذه الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

[سورة آل عمران:100-101 ]

 هذا الموضوع يقودنا إلى موضوع الاختلاف بين المسلمين، القرآن الكريم أشار إلى أنواع ثلاثة من هذا الاختلاف؛ الاختلاف الأول قبل نزول الوحي اختلاف طبيعي، سببه نقص المعلومات، أي في وقفة العيد قد نستمع إلى صوت ضخم يا ترى مدفع العيد أم أن هناك صخرة أرادوا أن يفجّروها من أجل شق طريق؟ اختلفنا،. الاختلاف بسبب نقص المعلومات، تكهّن، أما حينما يذاع أن غداً عيد الفطر السعيد إذاً هذا الصوت مدفع العيد.
 بعد أن ينزل الوحي، وتتضح الأمور، وتنجلي الحقائق، إذا كان هناك خلاف هذا الخلاف مبعثه الغيرة، والحسد، والبغي، والعدوان.

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

[سورة آل عمران:19]

 كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين، كانوا أمة واحدة فاختلفوا. الاختلاف بسبب نقص المعلومات، جاء الوحي، فلما جاء الوحي اختلفوا.
 الخلاف الأول طبيعي أما الخلاف الثاني فغير طبيعي، الاختلاف الثاني اختلاف بغي وعدوان وحسد، بعد أن جاء الوحي فهدى الله الذين آمنوا بما اختلف فيه من الحق بإذنه، الآن بعدما تتضح الأمور هناك اجتهادات متباينة، إنسان يرى مثلاً أن أعظم شيء في الدين أن يقرأ القرآن الكريم، إنسان أن يفهمه، إنسان أن يفسره، إنسان أن يعلم أحكام التجويد، إنسان أن يدرس أحكام الفقه، إنسان أن يغوص في علم الحديث، لا يوجد مانع، هذا اختلاف تنافس.
 عندنا اختلاف طبيعي اختلاف نقص معلومات، واختلاف أساسه البغي والعدوان والحسد، واختلاف تنافسي، هذا جيد، اختلاف مقبول، اختلاف مردود، اختلاف محمود. قال تعالى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[سورة المطففين: 26]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 61]

 بالعكس إن الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان فطرة تنافسية، يغار الإنسان، هذه الفطرة حيادية، التنافس حيادي، إن كان في أمور الدنيا كان الحسد والبغضاء، وإن كان في الدار الآخرة كان التنافس الشريف والغبطة، الحسد غير مقبول في الدنيا، أما التنافس فهو في الآخرة غبطة.
 إذاً اختلاف مقبول طبيعي، اختلاف مرذول قذر اختلاف البغي والعدوان والحسد، اختلاف محمود التنافس.

الدين واسع جداً وكل إنسان سدّ ثغرة فيه :

 في الحقيقة الدين واسع جداً، كل إنسان سد ثغرة في الدين، الدين واسع جداً، إنسان اشتغل بالعلوم التطبيقية، إنسان اشتغل بالتطبيق العملي، إنسان اشتغل بتسليك النفوس إلى الله عزّ وجل، المجال واسع جداً. وربنا عزّ وجل رحمة بهذه الأمة جعل كل عالم أو كل داعية يغطي شريحة من الناس، فكل شريحة لها ترتيب معين، شريحة تؤمن بالعقل وبالنقل وبالتطبيق، شريحة تؤمن بالقصص، تستفيد في القصص وبعض الكرامات، كل شريحة تناسبها طريقة، والله سبحانه وتعالى جعل لكل شريحة ما يناسبها، لذلك الاختلاف الذي أساسه البغي والعدوان هذا اختلاف قذر، اختلاف مرجع.
 الاختلاف الثالث اختلاف تنافسي، كل إنسان تفوق في جانب وغاب عنه ذلك، هو يكمل أخاه، أما الشيء الدقيق في الآية فهو أن الله سمى الاختلاف القذر الاختلاف المرذول سماه كفراً:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة آل عمران:101]

 الإنسان أحياناً يتألم أشدّ الألم لأن غير المسلمين أو أعداء المسلمين يتعاونون تعاوناً رائعاً على قواسم مشتركة لا تزيد على خمسة بالمئة، بينما المسلمون يتنافسون ويتخاصمون وفيما بينهم خمسة و تسعون بالمئة قواسم مشتركة، خمسة و تسعون بالمئة قواسم مشتركة ويختلفون، وأعداء المسلمين خمسة بالمئة قواسم مشتركة ويتعاونون.

الدين النقي الصافي أساسه النفوس الصحيحة :

 ثم يقول الله عزّ وجل:

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة آل عمران:101]

 الدين النقي الصافي الذي أساسه النفوس الصحيحة هذا الدين يجمعنا، والنفوس الموضوعة، والضعيفة، والاجتهادات الباطلة، والاختلاف، والرأي غير المنضبط بالنص هذا يفرقنا، يجمعنا الكتاب والسنة، تفرقنا الأهواء، والنفوس الموضوعة والضعيفة، وتفرقنا الرغبات الشخصية.

وجوب طاعة الله و شكره :

 ثم يقول الله عزّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[سورة آل عمران:102]

 حق تقاته أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، هذه معنى حق تقاته.
 والحقيقة أضرب لكم مثلاً: إنسان بحاجة إلى سيارة اشترى عجلات فقط، جيد هذه عجلات ولكنها ليست سيارة، لها ثمن تباع وتشترى، اشترى مقعداً، جيد. هذا المقعد ليس بسيارة، هذا المقعد لا يسير، ممكن أن تشتري أشياء كثيرة جداً من أجزاء السيارة، وهذه الأشياء على كثرتها وعلى أنها غالية الثمن لا تشكل بمجموعها سيارة تنقلك من مكان إلى مكان، السيارة التي تنقلك من مكان إلى مكان فيها كل الأجزاء، من محرك، إلى هيكل، إلى مقاعد، إلى وقود، إلى مكبح، إلى كهرباء، إلى آخره، فمن أجل أن تركب هذه المركبة، وأن تسير بك لابد من أن تكون مستوفية الشروط، وأن تكون كاملة الأجزاء، فإنسان يصلي، جيد، الصلاة جيدة، يصوم، جيد، أما إذا تعامل بالربا فيحُجب عن الله عزّ وجل، لم يتعامل بالربا يوجد له علاقات غير منضبطة مع النساء اللواتي لا يحللن له، صار هناك تفلت، المشكلة أن تحكم استقامتك، إن أحكمتها قطفت ثمارها.
إذاً: اتقوا الله حق تقاته أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تذكره فلا تنساه.

على الإنسان ألا يأتيه الموت إلا و هو مسلم لله عز وجل :

﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

 الموت بيدنا؟ أما هذه الآية فرائعة جداً، مادام الموت ليس بيدك، قد يأتي فجأة، إذاً أنت ينبغي من أجل أن تطبق هذا الأمر الإلهي أن تكون مستعداً له دائماً.
 ضربت مرة مثلاً مضحكاً، شركة طيران، البطاقة غالية جداً، مئة ألف، إن تخلفت عن الركوب لا تسترد ثمن البطاقة، هكذا نظام الشركة، موعد إقلاع الطائرة بين الثامنة صباحاً والثامنة مساءً، هم يأتون إليك ليأخذونك من بيتك، إن لم تكن جاهزاً جاهزية تامة يمشون، يقفون نصف دقيقة، اجمع هذا المثل: بطاقة غالية جداً، لا يمكن أن تسترد قيمتها إن تخلفت عن الركوب، موعد الإقلاع بين الثامنة صباحاً و الثامنة مساء، هم يأتون إليك يقفون على الباب نصف دقيقة، ماذا تفعل أنت؟ مادام المجيء فجأة، والانتظار قليل جداً، والبطاقة غالية جداً، وإن تخلفت لن تسترد قيمتها، يجب أن تكون مرتدياً ثيابك، ممسكاً بمحفظتك، واقفاً وراء الباب من أجل أن تضمن ثمن هذه البطاقة وأن تسافر.
 هذه الآية معناها هكذا بالضبط، مادام الموت يأتي فجأة، ولا يسمح لك أن تنتظر، ولا ينتظرك أبداً، إذاً يجب أن تكون مستسلماً لله عزّ وجل دائماً إن أتاك الموت فجأة، كل شيء جاهز،

﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ﴾

 أي لا يأتينكم الموت إلا وأنتم مسلمون لله عزّ وجل.
 النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا وضع رأسه على الوسادة يقول: " اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها" أحدنا يستيقظ صباحاً، مادام استيقظ:" الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي، والحمد لله الذي عافاني في بدني". وقف، مشى، توضأ، سمعه وبصره وكل الأجهزة سليمة، الأعضاء سليمة، عافاني في بدني. والشيء الثالث: " أذن لي بذكره " سمح لي أن أستيقظ باكراً لأكسب هذه الرحمة في وقت الفجر.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

[سورة آل عمران:102]

 قطعتان أو ثلاث سكراب في السيارة هذه لا تجعل من هذه القطع سيارة، لابد من أن تستكمل الشروط من أجل أن تقطف الثمار.

الاعتصام بحبل الله و عدم التفريق بين المؤمنين :

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

[سورة آل عمران:103]

 الحقيقة الوحدة من دون شيء نعتصم به جميعاً لا تكفي، الكفر يفرّق، التفلت يفرّق، المعصية تفرّق، الأهواء تفرّق، التشرذم سببه لا يوجد شيء يجمعنا، أما المؤمنون فمجتمعون، وأكبر دليل: قد تجد طالب علم أتاك من الصين، أو أتاك من أقصى الشمال، أو من أقصى الشرق، أو من أقصى الجنوب، أو من قارة أخرى، آلاف القواسم المشتركة بينك وبينهم ما الذي جمعك به؟ كتاب الله وسنة رسوله.
 إذاً:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

 - هو القرآن الكريم –

﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾

 بصراحة كل إنسان يكرّس التفرقة بين صفوف المؤمنين هو يخالف نص هذه الآية، لأن الله عزّ وجل يقول:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾

[سورة الحجرات: 10]

 الذي يقرًب بين المؤمنين مؤمن، والذي يبعد ما بينهم غير مؤمن، الذي يجعل الإسلام ديناً واحداً مؤمن، الذي يجعلهم أدياناً متفرقة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ْ﴾

[سورة الأنعام: 159]

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن :

 الآن:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة آل عمران:104]

 هذا اسمه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، لأن علماء التفسير عربوا من: للتبعيض، وليكن بعضكم دعاة للخير. قالوا: هذا فرض الكفاية هو التبحّر في أمور الدين والتفرغ للدعوة إليه، أما فرض العين فهو الدعوة إلى الله، و الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن.
 في الحقيقة هذا سر، إن أردت أن تفهم الكتاب فهماً عميقاً لا يكفي أن تقرأه، لابد من أن تدّرسه، لأنك إن أردت أن تدرسه يجب أن تفهمه بعمق، قد تواجه بسؤال، الاقتحام أحياناً هو سبب النجاح، الاقتحام إن دعوت إلى الله ما الذي يحصل؟ صرت أمام الناس تحت المراقبة الشديدة، قلت كذا، ألا تستحي ألا تطبق؟ يا عيسى عظ نفسك، فإن وعظتها فعظ غيرك، وإلا فاستح مني. إذا الإنسان دعا إلى الله بطريقة أو بأخرى ليست من نوع فرض العين، ليست من نوع فرض الكفاية، من نوع فرض العين أن تدعو إلى الله بحدود ما تعلم، وتدعو من تعرف، في حدود ما تعلم وفي حدود من تعلم، أي شخص حوله أشخاص، أقرباؤه، جيرانه، زملاؤه، زملاء عمل، جيران بيت، علاقات وشيجة، هؤلاء الذين يعرفهم يدعوهم إلى الله في حدود ما يعلم، سمع خطبة نقلها لهم، سمع درساً نقله لهم، درس سر به سروراً بالغاً، اقتنى شريطه وقدمه لمن يثق أن هذا الشريط يفيده، هذه دعوة فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعلم.
 عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة، طبعاً فرض العين مغطى بآية:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر : 3 ]

 فرض العين مغطى بآية:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[سورة يوسف: 108]

 مغطى بقول النبي الكريم:

((عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 بلّغوا عني ولو آية، فالإنسان سمع آية، سمع تفسيراً، حديثاً، سمع حكماً فقهياً، سمع قصة عن الصحابة، هذه عليه أن يسجلها، في أي لقاء في الأعياد مثلاً، قلت لكم البارحة: العيد ثلاثة أيام، كله لقاءات، فإذا شغلنا أنفسنا بذكر الله بالذكر المناسب، بالذكر النافع المجدي، يوجد طريقة في الدعوة إلى الله عالية المستوى أساسها المعرفة العميقة، والأدلة الدقيقة، والسور الموحية، والأمثلة الموضحة.

الاعتصام بكتاب الله عز وجل :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

[سورة آل عمران:104-105]

 اتقوا،

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾

 ما هذا النوع من الاختلاف؟ الأول طبيعي، والثاني ممدوح، أما الأوسط فمرذول، اختلاف قذر.

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾

[سورة آل عمران:105-108]

 هذه التفرقة تساوي عند الله في نص هذه الآيات الكفر، وليس منا من كفر. الاتحاد يحتاج إلى شيء نعتصم به جميعاً وهو كتاب الله.
 الشيء الثالث: الدعوة إلى الله فرض كفاية،

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾

 فرض عين، قال تعالى:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر: 3]

 فرض العين في حدود ما تعلم ومع من تعرف.
 آخر شيء نهي شديد عن التفرق بعد أن جاء العلم، إذاً هذا التفرق هو تفرق الحسد والبغي والعدوان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018