٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 52 - من سورة الزلزلة - يريد موعظة موجزة.


1997-02-04

حال المسلمين اليوم لا ترضي الله سبحانه :

 أيها الأخوة الكرام؛ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي قال: يا رسول الله عظني ولا تطل، يريد موعظة موجزة، فقال عليه الصلاة والسلام.. تلا عليه قوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" فقال هذا الأعرابي: كفيت. فقال عليه الصلاة والسلام: فقُهَ الرجل. ما قال فَقِه، لو قال فَقِه أي عرف الحكم الشرعي، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال: فقُهَ.. أي أصبح فقيهاً. أيعقل أن أعرابياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يتعلم.. يتلو عليه النبي آية واحدة من القرآن الكريم يقول: كُفيت.
 والله أيها الأخوة؛ كل آية في القرآن الكريم لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتنا، فنقرأ القرآن صباحاً ومساءً، وليلاً ونهاراً، ونسمعه مجوّداً، ونشاهده بأعيننا، ونتصفحه بطبعات أنيقة، ومع ذلك حال المسلمين لا ترضي الله عزّ وجل.

الزلازل تنبيه من الله لعباده :

 هذه الآية من سورة قصيرة هي سورة الزلزلة:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة: 1-8]

 الأرض تزلزل الآن.. قبل يومين كان هناك زلزلة مركزها قبرص، وقبل شهر زلزال آخر مركزه تدمر، وقبل هذا العقبة، وقبل هذا مصر، هذه الزلزلات بحسب مقياس ريختر أربع درجات أو خمس، ولو كانت فوق ست درجات لا تبقي ولا تذر، خمس فما دون، ثلاثون ثانية، هذا اسمه تلويح العصا، سياسة تلويح العصا أي انتبهوا أيها العباد. الله عزّ وجل يقول:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[سورة هود:117]

 يوجد قرية سياحية بالمغرب، من أجمل القرى السياحية اسمها أغادير. وهي قرية مغلقة للسياح الأجانب.. النوادي و المسابح و الشاليهات، ممنوع لأهل المغرب أن يدخلوا إليها لشدة ما فيها من الفسق والفجور ونوادي العراة وما إلى ذلك. أصابها زلزال جعل عاليها سافلها في ثلاثين ثانية. أما الشيء الذي لا يصدق فهو أن فيها فندقاً من أضخم الفنادق ذات النجوم الخمس، هذا الفندق عبارة عن ثلاثين طابقاً نزل بأكمله إلى الأرض، غطس في الأرض، إلا أنه لحكمة أرادها الله بقي الطابق الأخير فوق سطح الأرض..آخر طابق وعليه لوحة كبيرة باسم الفندق وكأنها شاهدة لهذا القدر.
 هذا زلزال... وصار زلزال في إيطاليا، وزلزال في أمريكا، وزلزال في اليابان.. أضخم شركات في اليابان سوني وميتسوبيشي، وهناك مكان باليابان أصيب بزلزال لم يبق ولم يذر.

الآية التالية دليل على هول الموقف يوم القيامة :

 الذي أريد أن أقوله لكم... الزلزال الذي تتحدث عنه الآية غير هذه الزلازل، سماه الله زلزالها المعهود: إذا زلزلت الأرض زلزالها، وفي آية أخرى تفسير هذا. قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

[سورة الحج: 1-2]

 أيها الأخوة الكرام؛ في اللغة العربية الصفات الخاصة بالمرأة لا تؤنث، متى تؤنث؟ إذا كان هناك معلم ومعلمة، عالم وعالمة، طبيب وطبيبة، مدرّس ومدرّسة، خياط وخياطة، نؤنث إذا كان هناك صفة مشتركة بين الذكور والإناث، أما إذا كان هناك صفات خاصة بالإناث فلا تؤنث، تقول: امرأة صالح، وامرأة بكر، و امرأة ثيب، وهكذا... وامرأة مرضع. لأن الرجل لا يرضع، إذاً نقول: امرأة مرضع، وامرأة حامل، لأن الرجل لا يحمل، الآن إذا قلنا: رجل حامل، أي على ظهره، إذا قلنا: امرأة حاملة أي على ظهرها، لو كان هذا الحمل في بطنها لقلنا: حامل، لا يوجد تاء مربوطة، حامل في بطنها، حاملة على ظهرها، قياساً على هذه القاعدة، امرأة مرضع أي هي في طور الإرضاع، أما إذا قلنا: مرضعة، أي وضعت ابنها على صدرها، لأن الرجل بإمكانه أن يضع ابنه على صدره. فالإنسان أحياناً ينسى لشدة الهول، أما أن يكون ابنها على يديها، وقد ألصقته بصدرها، وتشاهد زلزال الساعة فتلقيه وتشرد عنه لا يوجد سورة في القرآن الكريم أكثر دلالة على هول الموقف من هذه السورة، امرأة وقلب الأم معجزة، وكلما كان الطفل أصغر كان التعلق به أشد، طفل رضيع تحمله أمه بين يديها، وقد ألصقته بصدرها، حينما رأت زلزلة الساعة ألقته، وشردت عنه، ونسيت ابنها لهول الموقف:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾

 يوجد بناء سقط بالقاهرة قبل أشهر، قرأت عنه الشيء الكثير، حالات الذهول، حالات الفزع، الصحف كتبت عنه ما هب ودب، حالات الفزع، حالات الخوف، حالات الدمار، حالات الإغماء. هذا زلزال بسيط عبارة عن خمس درجات على مقياس ريختر:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ﴾

 لعل القارئ يظن أنهم يشربون الخمر قال:

﴿ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ﴾

 سكارى ليس من الخمر بل من هول الموقف

﴿ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

الإنسان هو المخلوق الأول و المكرم :

 يقول الله عزّ وجل:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة:1 – 2]

 الإنسان.. الكون كله خُلق من أجله، الدليل:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه ُ﴾

[سورة الجاثية: 13]

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾

[سورة البقرة: 29]

 الإنسان مخلوق أول:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب: 72]

 الإنسان مخلوق مكرم:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

 نحن والحمد لله نأكل على المائدة، بهذا المفصل، لولا هذا المفصل كيف نأكل؟ كنا سنضطر أن ننبطح على بطوننا ونأكل كما تأكل الهرة لولا هذا المفصل:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ ﴾

 أعطانا عقلاً بنينا بناء، سكنا ببناء، فرشنا البناء بالأثاث، صنعنا أجهزة وأدوات، الإنسان مكرم، الإنسان المخلوق الأول، كل المخلوقات تسبّح الله عزّ وجل.. والدليل:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾

 هذه الخشبة ذرات تسبّح:

﴿ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم ﴾

[سورة الإسراء: 44]

 الكون كله مسخّر للإنسان، الكون يسّبح، والإنسان غافل.

خروج الناس يوم القيامة من قبورهم ليكشفوا أعمالهم :

﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾

 الناس المدفونون في باطن الأرض خرجوا، هؤلاء الذين حملوا الأمانة، هؤلاء الذين خانوا العهد، هؤلاء الذين انغمسوا في الدنيا، هؤلاء الذين عبدوا الدرهم و الدينار من دون الله، هؤلاء الذين قتّلوا بعضهم، هؤلاء الذين افتعلوا الفتن،

﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴾

 ما الموضوع؟

﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾

 كل مخلوق سوف يحدثّ عن أخباره في الدنيا، فعلت يوم كذا وكذا، طلقت طلاقاً تعسفياً، غششت فلاناً، أكلت مال فلان، اعتديت على عرض فلان، دلّست، احتلت، كل أعمال الإنسان مسجلة بأوقاتها وأماكنها وصورها وحركاتها وسكناتها.. أبداً.. شريط.. يوجد طريقة سريعة جداً في التحقيق يعرضون على المتهم شريطاً مصوراً عن جريمته.. انتهى لم يعد هناك مناقشة..

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

[سورة الإسراء: 14]

 قال لي شخص كان في أوروبا الشرقية، يبدو خالف بعض القوانين، فسُحب إلى مكان، قال لي: جلست.. شاشة كبيرة أمامي عرضوا عليّ كيف أخذت كروز الدخان، يجب ألا أشتريه من جناح، كيف اشتريته ودفعت ثمنه وبعته لشخص بدولة في أوروبا الشرقية، هذه مخالفة، أنت سائح يجب أن تستهلك، لا أن تبيع.. فقال لي: سحبوني لمكان وعرضوا عليّ فيلماً كيف أنا اشتريت وكيف بعت. اعترف فاعترف فوراً لأنه صوره. أحياناً يعرضون عليك صورة مخالفة سيارتك، رقمها على الكمبيوتر، الرقم والتاريخ، أنت كنت ماشياً بالسرعة الفلانية، لا يوجد مجال للمناقشة، لذلك ربنا عزّ وجل قال:

﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾

 تحدث أخبار هؤلاء جميعاً، واحداً واحداً، دقيقة دقيقة، حركة حركة، ثانية ثانية، سكنة سكنة، أبداً...

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

[سورة ق: 18]

صدور الناس يوم القيامة متفرقين :

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾

 الحياة فيها تجمعات، أحياناً شخص قوي لن تستطيع أن تشتكي عليه، لا تقدر، ليس كل الأشخاص مثل بعضهم، يوجد أشخاص أقوياء، يوجد شخص له جماعة، وشخص له أمة، وشخص يمثّل فئة، فالحياة تجمعات، يوجد ترابط و تعاون على الحق أو على الباطل لكن يوجد تعاون.. هذا في الدنيا. أما في الآخرة:

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

[سورة الأنعام: 94]

 أحياناً إنسان في بلده يهز البلد كلها، تاجر كبير، له معارف، له أصدقاء، بكل الدوائر، أي بهاتف يعمل أكبر مشكلة، وبهاتف يحل كل مشكلة، إذا سافر إلى بلد لا أحد يعرفه، الآن إذا شخص سافر إلى الحج، لا أحد يعرفك هناك، لا تستطيع أن تخبر أحداً، لا تستطيع أن تتوسط، فالإنسان يأتي يوم القيامة فرداً:

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾

 متفرقين، لا يوجد تجمعات، لا يوجد هذا من جماعتنا اتركوه، مرة روى شيخ شيئاً غير صحيح، وشيئاً مضحكاً، وشيئاً غير مقبول إطلاقاً، أن أحد المريدين توفي، في أول ليلة جاء منكر ونكير حتى يحاسبوه، فتلقوا ضربة قاصمة، هذه الضربة من شدتها أخرجتهما إلى خارج القبر، هذا شيخه، قال: أمثل هذا يسأل؟ القصة لا أصل لها، سيدنا رسول الله قال:

((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ))

[أبو داود عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

 استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل، هكذا قال النبي: استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل.
 إذاً:

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾

 لا يوجد تجمعات،

﴿ لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾

 وجدت قشة على السجادة في الجامع حملتها ووضعتها في جيبك، هذا العمل ما قيمته؟ أي هل يوجد أقل من هذا؟ لا يوجد أقل من ذلك، هذا العمل سوف تراه يوم القيامة. أنت تتوضأ فوجدت نملة على المغسلة، فوقفت حتى تجاوزت مرحلة الخطر، أنقذت حياة نملة، هذا محسوب، أطعمت هرة، أنا أعطيك أعمالاً بسيطة جداً، مهما بدا لك العمل بسيطاً له عند الله أجر كبير، الإنسان قد يضع اللقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أحد لعِظمها، فأي عمل صالح تقدمه للآخرين هو قرضٌ حسنٌ لله عزّ وجل.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة: 245]

من أيقن أن الله موجود يعلم ويحاسب لا يمكن أن يعصيه :

 قال:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

 كل شيء بحسابه، إن لكل سيئة عقاباً، وإن لكل حسنة ثواباً.
 هناك قصة رمزية أن شوحة سألت سيدنا سليمان قالت له: يا سليمان الحكيم ربك أو ربنا عجول أم مهول؟ أي يعاقب سريعاً أم يعطي مهلة؟ فسأل الله عزّ وجل، فقال: قل لها إني مهول ولست عجولاً فاطمأنت، وقفت على قطعة لحم معدةٍ لأشخاص سرقتها وطارت بها، يبدو أن قطعة فحم مشتعلة علقت باللحم، وضعت هذه اللحم في عشها فاحترق العش، واحترق أولادها، فعجبت أشد العجب، عادت إلى سيدنا سليمان قالت له: يا سليمان الحكيم ألم تقل قبل قليل إن الله مهول هاهو ذا عجول؟ فلما سأل الله عزّ وجل. قال له: قل لها إن هذا حساب قديم.
 أخواننا كل شيء بحسابه، لو دققت ما من عثرة ولا اختلاج عرقٍ ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر.
 أخواننا التجار إذا كان التاجر مستورداً، يوجد معه ورقة استيراد حمراء، هذه تذهب إلى المالية، إذا أنت أخفيت هذه الصفقة عن المالية يهدرون لك كل حساباتك فتعمل هذه الورقة، مادام هناك نسخة تذهب من الجمارك إلى المالية لا يمكن أن تخفي حسابات الصفقة.
 أقولها لك بشكل صريح أكثر: إذا أنت أيقنت أن الله موجود ويعلم وسيحاسب، لا يمكن أن تعصيه أبداً، مستحيل، لأنك مع إنسان لا تخالف أمره، مع إنسان لن تتفلت من قبضته، مع إنسان من بني جلدتك، لا تستطيع أن تتفلت من قبضته إذاً تطيعه، فكيف مع الواحد الديان؟؟
 قال له: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، فَقُه الرجل، صار فقيهاً، لأنه

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

 هذه سورة الزلزلة، وهي من السور القصيرة، وفيها آية لو تدبر الناس هذه الآية لوسعتهم ولاكتفوا بها. وعندما قلت لكم عن الراعي الذي امتحنه سيدنا عمر، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: والله إنني عنده صادق أمين ولكن أين الله؟ نريد نحن مسلمين ملتزمين مطبقين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018