٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 40 - من سورة السجدة - الأزمة أزمة علم.


1997-01-29

أزمة الناس في هذا الزمان أزمة علم و كفاءة :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية الثانية عشرة من سورة السجدة وهي قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾

[سورة السجدة:12]

 أضرب لكم مثلاً لتوضيح هذه الآية لأن هناك آية أخرى تشبهها:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك: 10 ]

 نقول: الأزمة أزمة علم، أحياناً يقول لك أحدهم: أزمة أخلاق، أزمة مال، أزمة سكن، الموضوع الآن أزمة علم فقط، الدليل: لو أن سيارتين، واحدة في أعلى مستوى، والثانية في أدنى مستوى، مضى على صنعها خمسون سنة، لا يوجد بها مراجعة إطلاقاً، والسيارتان تسيران في طريق حاد هابط، وعن اليمين واد، وعن اليسار واد، وفي النهاية منعطف حاد، السيارة ذات الكفاءة المتدنية جداً التي مضى على صنعها خمسون عاماً غير مراجعة إطلاقاً، لا مكابحها، ولا جهاز التعليق، ولا جهاز التوازن، تدهورت بفعل ضعف إمكاناتها، نقول: سبب تدهور الأولى كفاءتها المنخفضة، لكن لو أن السيارتين من أعلى مستوى، من أعلى ماركة، من أحدث موديل، من أعلى كفاءة، شخص أطفأ مصباحه، والدنيا ليل، والطريق غير واضح، على اليمين يوجد واد، وبالنهاية منعطف حاد، فتدهور الثاني لأن سيارته من أعلى مستوى إلا أنه أطفأ الضوء ولم يعد يشاهد، الحادث الأول: أزمة الكفاءة، الحادث الثاني: أزمة رؤية.
البشر كلهم جميعاً مصممون ليكونوا في أعلى درجات الجنة، مصمم بعقل وبفطرة وبكون ينطق بوحدانية الله. التصميم واحد والدليل:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

[سورة الأعراف: 189]

 الذي يشقى في النار إلى أبد الآبدين، والذي يسعد في الجنة إلى أبد الآبدين، هذا بسبب أنه عرف الحقيقة فاستفاد منها، وهذا بسبب لأنه جهل الحقيقة فهلك وأهلك. هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 المثل الأول سبب هلاك السيارة المتدنية في كفاءتها مستواها المتدني، لا يوجد فيها مكابح، الطريق واضح لكن لا يوجد مكابح، لا يوجد جهاز تعليق جيد، لا يوجد جهاز توازن جيد، تحطمت وأهلكت صاحبها، نقول: ركب سيارة عتيقة، سيئة جداً، غير مراجعة. أما الثاني فراكب أحدث موديل بأعلى الكفاءات، أعظم مكبح، أعظم دوزان أعظم جهاز تعليق، لكن عندما أطفأ ضوءه فجأة، والطريق ملتو، وعلى اليمين يوجد واد سحيق وينتهي بمنعطف حاد تدهور، الحالة الثانية أزمة رؤية، الأولى أزمة كفاءة، فالإنسان يدخل إلى النار ليس لأن خصائصه متدنية، لا، أي إنسان إذا أتيح له أن يعرف الحقيقة التزم، أي إنسان إذا أتيح له أن يرى الحقيقة كما هي لاستفاد منها، بدافع فطرته، بدافع حبه لذاته، بدافع حرصه على سلامته، كل واحد منا عنده حرص على سلامته من أعلى مستوى، ولا أظن أن واحداً يختلف عن الثاني، كلنا حريص على سلامتنا، وعلى سعادتنا، أما الأزمة فأزمة رؤية، هذا رأى كل السعادة والطمأنينة والرقي في طاعة الله، وطلب العلم، وهذا غفل عن الدين، ظن الدين خرافات، الدين غيبيات، الدين تناقضات، الدين أداة تفريق، الدين ليس لهذا العصر، لم يتعلم، تحرك حركة عشوائية، مجهّز لأعلى مستوى، مجهز بفكر، مجهز بنفس حساسة، له فطرة سليمة، لكن غفل عن الحقيقة فشقي بها، فالإنسان حينما يكون عنده أعلى سيارة فيتدهور ويتحطم هو وأهله لأنه أطفأ المصباح فقط لسبب تافه، الأول لا يندم كثيراً لأن سيارته سيئة، فالإنسان عندما يهلك لسبب بعيد عن إرادته لا يندم كثيراً، أما عندما يهلك لخطأ طفيف، الحقيقة أحياناً تأتي مصائب كبيرة جداً لسبب تافه جداً، مثلاً تجد معملاً احترق كله، كلّف سبعين مليوناً، نسوا الكهرباء بالليل صار هناك كونتاك، الشيء المؤلم جداً أن تأتي مصيبة كبيرة جداً لسبب تافه جداً، فكل إنسان يطلب العلم سينشأ عنده بدافع فطرته، بدافع حرصه على سلامته، حرصه على سعادته، رغبة مندفعة نحو الحق، مثلاً أي إنسان فرضاً لو أتيح له أن يرى ما يراه المؤمن لكان مثله، أزمة رؤية، والدليل قال:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

[سورة هود: 28]

 يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، وهذه البينة من لوازمها، قال تعالى:

﴿ وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

[سورة هود: 28]

 الأصل بيّنة، فهذا الذي يدعى إلى سماع مجلس علم، يدعى إلى حضور مجلس علم، يقول: ليس عندي وقت كم هو جاهل.
 إنسان أعطيناه أعلى سيارة فيها خصائص عالية جداً، ودعوناه إلى تعلّم قيادتها، فقال: ليس عندي وقت لتعلم أصول القيادة لكن سأركبها وأمشي بها، أهلك نفسه، مجهزة بأعلى مستوى لمن يحسن قيادتها، أما إذا لم يتعلم قيادتها وفيها سرعة عالية فستتدهور حتماً، فكل إنسان يوجد ضمن وقته وقت لمعرفة  الحقيقة و إلا فإنه سيهلك، لسبب بسيط، مجهز بأعلى تجهيز لكن يحتاج إلى نور ليريه الحق حقاً والباطل باطلاً.

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾

[سورة السجدة: 12]

الإنسان مخير وهذا التخيير سبب سعادته الأبدية :

 الآية الثالثة عشرة من سورة السجدة:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[سورة السجدة: 13]

 الإنسان يميل إذا وقع في مشكلة أن يعزوها إلى غيره، يرتاح، المخلفون في حياتهم دائماً يتهمون الأقدار، مع أن القرار الذي اتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، الإنسان إذا أراد الحق وصل إليه، فالإنسان المخطئ في حياته دائماً يبرئ نفسه، ويلقي بتبعة تقصيره على غيره، فالناس دائماً إذا حققوا إنجازاً كبيراً يعزون هذا لأنفسهم، أنا عصامي، أنا درست، أنا تعبت على حالي، أنا تاجرت بوقت مبكر، كل الإنجازات والميزات تنسب إلى جهده، أما إذا ابتلي في معصية يقول لك: هكذا قدّر الله لي، إذا غفل عن الصلاة يقول لك: الله لم يكتب لي أن أصلي، هذه الفكرة المضحكة الفكرة الجبرية، أن كل الخير ينسب إلى ذاته، وأن كل الشر ينسب إلى خالقك، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾

 كما تزعمون، لو أننا أردنا أن نجبركم على شيء ما هم يدّعون أنهم مقهورون على معصية الله، مجبرون عليها، لو شئنا أن نجبركم على شيء ما لما أجبرناكم إلا على الهدى، ولو شئنا أن نلغي اختياركم، ولو شئنا أن نلغي الأمانة التي حملتموها، لو شئنا أن نلغي التكليف الذي كلفناكم به، لو شئنا أن نلغي هويتكم، الإنسان الأول المكلّف المكرم، لو شئنا أن نجبركم كما تزعمون لما أجبرناكم إلا على الهدى.
 أي إذا الله عزّ وجل أراد أن يجبر لا أن يخير على ماذا يجبر؟ على الهدى، على الخير. أما الإنسان بالأساس مخيّر، وهذا التخيير سبب سعادته الأبدية، يقدر أن يفعل الشر أو الخير، يصلي أو لا يصلي، يستقيم أو ينحرف، يصدق أو يكذب، يخلص أو يخون، بيده يفعل أو لا يفعل.

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ ﴾

[سورة السجدة: 13]

 هذا الجبر الذي تعتقدونه وهم من أوهامكم،

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

عدم وقوع شيء في ملك الله إلا بإرادته :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[سورة السجدة: 13]

 هذه الأفعال السيئة إنما تقترفونها باختياركم، وهي من كسبكم، وسوف تحاسبون عليها، فيما لو أراد الله أن يجبر لما أجبر إلا على الخير، وقد قال الله تعالى:

﴿ بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 28]

 من هنا قال علماء التوحيد: أراد ولم يأمر، أراد ولم يرض. معنى أراد أي سمح لأنه لا يقع شيء في ملك الله إلا بإرادة الله، فإذا أراد شيئاً أي سمح به، ولماذا سمح به؟ لأن الإنسان مخيّر، وتخييره سبب سعادته، لولا أنه مخيّر لما كان لعمله من قيمة، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبَطَلَ الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة.
 طبعاً هذه الآية قد يفهمها بعضهم فهماً ما أراده الله أنه:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

 طبعاً المعنى الضمني، ولكننا لم نشأ. أردنا أن نملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين. هذا المعنى على ظاهره لا يتناسب مع كمال الله عزّ وجل، أي الله عزّ وجل لو أراد لهدى الناس جميعاً، وأسعدهم جميعاً، وأدخلهم الجنة جميعاً، ولكنه لم يرد، ماذا أراد؟ أراد أن يملأ جهنم منهم، هذا المعنى لا يتناسب مع كمال الله إطلاقاً، أما المعنى الذي يليق بحضرة الله عزّ وجل فهو أن الله عزّ وجل أعطانا حرية الاختيار، لو سلبنا إياها لما أجبرنا إلا على الخير، لكنه أبقاها لنا من أجل أن نسعد بها،

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ﴾

 أما حينما يرتكب الإنسان المعاصي، هذه من كسبه، ومن اختياره، وسوف يحاسب عليها،

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

 الشاردين، التائهين، الذين كانوا في غطاء عن ذكري.

أوصاف المؤمنين :

 الشيء الثاني:

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[سورة السجدة: 16]

 أتمنى على كل أخواننا الكرام أن يجمع في قراءة القرآن بين أوصاف المؤمنين، هذا وصف للمؤمن:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 2]

 وصفهم بأنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، لو جمعت أوصاف المؤمنين لكان الإنسان النموذج.
 السؤال الدقيق، ليسأل نفسه سؤالاً صعباً: هل أنا في هذا المستوى؟ هذا وصف الله للمؤمنين، هل أنا في هذا المستوى؟ هنا من أوصاف المؤمنين:

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾

 بالمعنى الواسع لا يركن إلى الدنيا، لا يستسلم لشهواتها، لا يميل إلى الدعة والراحة. حينما جاء النبي الوحي وكان مضطرباً جداً، قالت له السيدة خديجة: خذ قسطاً من الراحة. فقال عليه الصلاة والسلام: انقضى عهد النوم يا خديجة، الراحة انتهت، نحن في دار عمل، نحن في دار ابتلاء، نحن في دار إعداد، نحن في حياة دنيا فيها إعداد لحياة عليا،

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾

 أي الله عزّ وجل يدخل على المؤمن السرور بطريقة أو بأخرى، من حين إلى آخر. أما أن يجعل المؤمن ديدنه وهمه أن يستريح، وأن يسعد، وأن يسترخي، وأن يتنعم، ويتقلب في أنواع النعيم، إن جعلت النعيم هدفاً، انقلب النعيم شقاءً. هذه حقيقة في الفلسفة، مبدأ اللذة، اللذة إذا اتخذت مبدأ انقلبت إلى مبدأ ألم، أما إذا الإنسان له هدف كبير، في طريقه لهذا الهدف يوجد واحات يستريح بها فهناك سرور لكن من حين لآخر وبتقدير الله عزّ وجل، أما أن يتخذ المؤمن السرور والانغماس في الملذات هدفاً واضحاً له فهذا يتناقض مع مهمته في الحياة الدنيا.

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

 أي المكابدة، حمل النفس على ما تكره، إنفاق المال المحبب، ترك الفراش الوثير في ساعة النوم اللذيذة، طبعاً الله عزّ وجل ذكر شيئاً وقصد كل الأشياء، أحياناً يكون الدخل حراماً، الدخل الحلال قليل جداً، الإنسان يؤثر الدخل القليل الحلال على الدخل الكثير الحرام، امرأتان واحدة بارعة الجمال، والثانية أقل، الأقل أكثر تديناً، والبارعة أقل ديناً، يؤثر الأقل على الأكثر ليسعد في زواجه..

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾

 يوجد ألف طريق للمتعة، غير مسموح إلا متعة واحدة هي الحلال، القناة اللطيفة التي رسمها الله له، هذا معنى التجافي، أي لا يركن إلى الدنيا، لو فرضنا أنه ممكن أن يستلقي بفراشه، تعبان لأنه سهران للساعة الثانية، يؤثر على نفسه أن يأتي إلى مجلس علم، عندما يخرج من بيته يتنشط، وعندما يعود يكون أسعد حالاً

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

 هذا حالهم في الدنيا، في الآخرة كما قال الله في سورة السجدة:

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة السجدة: 17]

 نقول: قبل خمسين سنة لم يكن هناك طريق للدنيا إلا العلم فقط، لذلك نقول: إذا لم يدرس الواحد تكون حياته تعيسة جداً، والذي درس يستلم وظيفة، كان الموظف بوضع يحسد عليه قديماً.
 قرأت نصاً قبل خمسين عام، يقول كاتب النص - هو من مصر- : يا ليت آباءنا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس، فكنا استغنينا عن التجارة، وذل البيع والشراء، وترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين، عندما كانت الوظيفة لها قيمة كبيرة جداً، ولها دخل كبير جداً، نقول نحن: إذا الإنسان لم يتعلم يشقى، الآن لاحظ إنساناً تعب في الدراسة، ارتاح طوال حياته، إنسان تعب أيام الدراسة ارتاح طوال حياته، هناك تكامل، نحن في الدنيا الآن الذي يتعب في الدنيا أينما افتقدته في المسجد، دائماً يغض بصره، دائماً يضبط لسانه، دائماً يتحرى الحلال، دائماً ينيب إلى الله عزّ وجل، هذا الوضع الذي فيه خوف، وفيه قلق، وفيه ضبط للشهوات، وضبط للأعضاء وللجوارح، نهايته جنة إلى أبد الآبدين.
 المتفلت الذي يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، يلتقي مع من يشاء، يقبض أي مبلغ يشاء، لا يوجد رقابة، ولا قانون، ولا قيمة تحجزه، هذا ينتهي إلى جهنم، هذا التكامل،

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾

 لو شخص قال: فلو تعلم نفس؟ أي يمكن أن يعلم لكنه لا يعلم، أما فلا تعلم نفس أي لا يمكن أن تعلم ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون.

العبرة بالنهايات :

 الآن جاءت الموازنة:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة: 18]

 الآية وحدها البدايات والنهايات، البدايات: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. البدايات: يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، البدايات: ومما رزقناهم ينفقون. النهايات: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون.
 لذلك ذكرت الحديث الشريف:" ألا يا ربّ نفسٍ جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم" العبرة في النهايات، العبرة من يضحك أخيراً.

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

[سورة المطففين: 34]

 في الدنيا إذا كان الشاب متديناً يقولون: جاء الشيخ، أهله يسخرون أحياناً أصدقاؤه هو ورع يقحمونه على جلسة فيها بنات، يغض بصره ويخرج، يبدو أنه تضعف شخصيته بهذه العملية، أما لو نظر و بحلق ومزح معهم فيقوى مركزه الاجتماعي، من شدة خوفه من الله يبدو كأنه ضعيف: ألا ياربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم، دائماً ابحث عن النهايات، ابحث عن المصير، ابحث عن العاقبة:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة القصص: 128]

 الأيام تدور، يصعد أناس، يهبط أناس، يغتني أناس، يفتقر أناس، يقوى إنسان، يضعف إنسان، العبرة بالنهاية، العاقبة للمتقين، واليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، المؤمن ينقلب إلى أهله مسروراً يوم القيامة، الكافر إنه كان في أهله مسروراً، الفرق: واحد ينقلب إلى أهله مسروراً، والكافر إنه كان في أهله مسروراً.
 الملخص:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

 هل تستوي عندك قطعة ألماس ثمنها مئة ألف أو مليون وهناك ألماسة يقدر ثمنها بمئة و أربعين مليون دولار مع قطعة فحم، والألماس فحم أساسه؟ هل يستوي عندك قطعة لحم طازجة مشوية وأنت جائع مع قطعة لحم متفسخة رائحتها تصد النفس، والاثنتان لحم:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018