٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 39 - من سورة الشورى والزخرف - رحمة الله.


1997-01-28

تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان أحياناً يخضع لحملة مركزة هادفة لإضعاف النفوس، نسمع في الغرب من حين إلى آخر أن الأرض تتفجر سكانياً، وأن مواردها لا تكفي لهؤلاء البشر جميعاً، وأن العالم مقبل على مجاعة، وأن هناك نقصاً حاداً في المواد الغذائية، دائماً هذه الحملة تورث النفس يأساً وحزناً وقنوطاً، مع أن الله سبحانه وتعالى إذا قنن فتقنينه تقنين تأديب لا تقنين عجز، لقوله تعالى في سورة الشورى:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

[سورة الشورى:27]

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾

 أي الله عزّ وجل جعل الرزق أحد الأدوات التربوية، هناك أشياء ثبتها لتنتظم الحياة، دورة الأرض حول نفسها ثابتة، حركة الأفلاك ثابتة، خصائص المواد ثابتة، أشياء كثيرة جداً ثبتها وأراح الناس منها، لا تحتاج لا إلى قلق، ولا إلى خوف، ولا إلى حزن، ولكن أداة الرزق حركها، وجعل الرزق أداة تربوية بيده، فيفتح ويغلق، يعطي ويمنع، يقنن ويبسط، إلا أنك ينبغي أن تعتقد دائماً أن هذه الموارد إذا شحت فهو تأديب من الله عزّ وجل، فالله عزّ وجل لا يقنن عجزاً بل يقنن تأديباً، وحينما يأذن للسماء أن تمطر، وللأرض أن تنبت، تجد خيرات لا يعلمها إلا الله.
 نحن - كما أقول دائماً في بعض السنوات- ليس في كل قطرنا مستودعات لتخزين القمح، أُنشئت مستودعات في العراء، جللت بمواد عازلة، ثلاثة ملايين طن وبلدنا هي بلدنا، وأمطارنا هي أمطارنا، لو شاء الله لأغرقنا بالرزق، ولكن تقنين الله تقنين تأديب فلا ينبغي أن ييئس الإنسان، أحياناً تضيق الأمور، تشح الأرزاق، تشح السماء، يضرب الموسم على تعبير التجار، وأحياناً يبسط الله يده بالخير، فالمؤمن مع حكمة الله عزّ وجل،

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

 إلا أنه كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام قال: اخشوشنوا وتمعددوا فإن النعم لاتدوم.
 الإنسان حتى لا يضحي بمبادئه، لا يضحي بقيمه، لا يضحي بدينه، لئلا يسقط من عين الله، فإذا قل رزقه لعله ينافق أو يداهن أو يأكل الحرام، وطن نفسك على دخل محدود، أو وطن نفسك من حين لآخر على حياة خشنة، هتى تتعود ألا تتأثر إذا شحت الأقوات.

على المؤمن أن يستوعب الآخرين :

 آية أخرى من سورة الشورى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[سورة الشورى:30]

 أيضاً لا تتهم الله عزّ وجل في شيء ساقه إليك مما تكره، فالله سبحانه وتعالى بيده الخير، ولذلك المصائب كلها بسبب كسب الإنسان:

﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

 شيء جميل جداً في هذه الآية أن المؤمن يبدو للناس إنسان بسيط، عاجز، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، يخاف الله دائماً، هذه الصورة مشوّهة، المؤمن قال الله عنه في سورة الشورى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ*وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الشورى:39-40]

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾

 لكن هذا الذي يقول للناس: سأكيل لك الصاع عشرة أصواع هذا ليس شرعياً، وجزاء سيئة سيئة مثلها الصاع بصاع، قال:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

 معنى ذلك أنه لك أن تجازي بالسيئة السيئة، ولك أن تعفو، لكن السؤال الآن: متى تعفو؟ ومتى تجازي السيئة بالسيئة؟ العلماء قالوا: إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه ينبغي أن تعفو عنه، إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يقربه من الله، كثيراً ما أسأل: هل نعطي زكاة مالنا لقريب بعيد عن الدين له أطفال جياع؟ أقول لهم دائماً: إن كان عطاؤكم هذا لهذا القريب يقربه إلى الله فأعطوه، أما إذا كان هذا العطاء يبعده فلا تعطوه، هذا المقياس، أحياناً الإنسان شارد، أو تائه، تأتيه معونة من جهة مؤمنة فيتأثر تأثراً بالغاً.
 أنا أعرف قصة قديمة جداً؛ إنسان تقاعد من وظيفته، وأدمن الخمر إلى درجة أنها أصبحت جزءاً من دمه، وصار الأطباء يحذرونه من ترك الخمر، لأنه يموت فوراً، افتقر إلى درجة أنه لا يملك ثمن قوته، له جار مؤمن طلب منه قرضاً، هذا الجار استوعبه، يوجد مؤمن قلبه كبير، وأفقه واسع، ونظره بعيد، استوعبه وقدّم له ما يحتاج كل شهر، مرة طرق بابه قالت له الزوجة: إنه يصلي، فلما لقيه قال: البارحة تبت إلى الله توبة نصوحة، وأعانني الله على تركها، و هأنذا أصلي، ومات فيما أعلم مؤمناً.
 أنت استوعب الناس، أنا لا أدعوك إلى أن تقرهم على أخطائهم- أعوذ بالله - هذا نفاق، وإن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، وفي رواية: إن عرش الرحمن يهتز إذا مدح الفاسق، لا أقل لك أن تمدحه، ولا أن تثني عليه، ولا أن تتواضع أمامه، ولكن أقول لك: استوعبه، لأن كل إنسان إذا انفتح على الناس، وخاطبهم بالعقل والمنطق والعاطفة الصادقة، وكان مخلصاً وجاداً في دعوته، لابد من أن تلقى دعوته أذناً صاغية.
 أحياناً تجد سيارة واقفة، وزنها كتلة لا تزحزح، مفتاح صغير يوضع في مكان معين ويضغط يدور المحرك فتنطلق، أحياناً الإنسان له مفتاح، أحياناً يعاني من مشكلة فيسمع آية فتحل مشكلته، يسمع حديثاً، يسمع قصة، لا تيئس في الدعوة إلى الله.
 أنا حدثني أخ قبل أسبوع؛ هو شخص يعمل في إنتاج الأفلام الإباحية في أمريكا، هل من عمل يهبط إلى هذا المستوى؟ سمع شريطاً أقسم بالله أنه سمعه خمسين مرة، وتاب على هذا الشريط، يبدو أنه أصاب مكاناً حساساً في نفسه، فالمؤمن ينبغي أن يستوعب الآخرين:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى:39]

 سائق أرعن طائش إن انتصرت منه توقفه عند حده، وتعطيه ما يسمى خبرة مؤلمة، أما إذا عفوت عنه بسذاجة فسيرى أن القضية سهلة.
 يروى أن معاوية رحمه الله تعالى كان حليماً، لكن حلمه أحياناً كان أكثر مما ينبغي، هناك إنسان أغرى فلاناً أن يغمزه من خلفه وهو يصعد المنبر، هذا الغلام غمزه، وكان سيدنا معاوية فطناً جداً، قال: خذ الرهن يا غلام، علم أنه قضية مراهنة.
 رأى هذا الطفل أن القضية سهلة أن يغمز خليفة، والخليفة لا يتأثر، أعادها مع آخر فقتله، فقالوا: حلم معاوية قتل الغلام، القاتل ليس الثاني بل الأول، فإذا كان عفوك عن إنسان منحرف يزيده طيشاً، يزيده احتقاراً للناس، يزيده حمقاً، فأنت مذنب:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى:39]

 سائق يمشي بسرعة قليلة جداً وفقير، هناك طفل قفز أمامه ودهس، ولهذا الطفل ولي، هو لم يرتكب شيئاً، الحادث قضاء وقدر، إذا كان هذا الوالد مؤمناً وفي قلبه رحمة، وأسقط حقه الشخصي، هو بهذه الطريقة قربّه من الله عزّ وجل، أنت معك ميزان، إذا كان عفوك يقربه من الله فاعف عنه، وإن كان عفوك يزيده انحرافاً فلا تعف عنه، يوجد ميزان دقيق :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى:39]

أجمل شيء بالحياة أن تحتسب عملاً عند الله :

 ثم قال تعالى :

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى : 40]

 أما كلمة

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾

 أي أسقط حقه الشخصي، الآن انتقل أجره من الدية إلى عطاء الله، والله ماذا يعطي؟ كلمة دقيقة:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

 أي أجمل شيء بالحياة أن تحتسب عملاً عند الله، أن تعمل عملاً صالحاً لا تبتغي به لا سمعة، ولا مكانة، ولا تنويهاً، ولا ذكراً، ولا ثناء، ولا شكراً، ولا لوحة، ولا توقيعاً.. أبداً.. تبتغي به وجه الله.
 الذي جاء بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة رفض أن يدلي باسمه، أنا بهذه المناسبة ذكرته الآن مع بعض الأخوة أن سيدنا عمر سأل: من الذي قتل في نهاوند؟ قال القائد: مات خلق كثير لا تعرفهم، فبكى بكاءً شديداً ثم قال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟

ابتغاء الأجر عند الله يبعد الإنسان عن كل ما يحزنه :

 الإخلاص يبعدك عن استجداء المديح، هذا مرض الناس، يجب أن تمدحه، يجب أن تثني عليه، يجب أن تعظمه، وإذا كان أقل مما يجب فيغضب، هذا مرض، أنت إذا كنت في عملك مخلصاً لا تتأثر بردود الفعل إطلاقاً.
 بالمناسبة المخلص إذا عمل عملاً صالحاً وقد رد عليه إنسان بالسوء على هذا العمل لا يتأثر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله))

[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخه]

 إذا كان الإنسان غير مخلص، يتألم أشدّ الألم حينما لا يقدر معروفه، يتهم الناس بقلة الذوق، وبعدم الإحساس، وبالكفران للناس، وبعدم الجميل، وبالجحود، وهذا المجتمع كله كالذئاب لأنه ابتغى عندهم الأجر، فلما ضيعوا الأجر غضب منهم، أما الذي يبتغي عند الله الأجر فلا يتأثر إطلاقاً بردود الفعل.

المؤمن لا يحقد على أحد لأنه يرى أن يد الله تعمل في الخفاء :

 يوجد نقطة دقيقة أن الله عزّ وجل أحياناً يسوق للعبد شيئاً على يد إنسان، يوجد مشكلة هنا، أحياناً الإنسان يغيب عن التوحيد، يرى أن هذا الشخص أوقع به الشر فيحقد عليه، المؤمن لا يحقد على أحد، يرى أن يد الله تعمل في الخفاء، وأن يد الله فوق أيديهم، لذلك الله عزّ وجل قال في سورة الشورى:

﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

[سورة الشورى:43]

 أحياناً تأتي مصيبة على يد إنسان، الموحد لا يتأثر، يعده عصا بيد الله عزّ وجل، وهذه صفة واضحة جداً للمؤمن، أحقاد الناس هو بعيد عنهم، لو شخص سبب له مشكلة، لو شخص وشى عليه، لو شخص خسّره، سمح الله لهم والله حكيم ورحيم، ما كان له أن يفعل إلا أن يسمح الله له.

(( أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ سَالِمًا الْفَرَّاءَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ وَكَانَتْ تَخْدِمُ بَعْضَ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ابْنَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ: قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ ))

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

 فالذي يجري بين الناس من أحقاد، ومن اتهامات، ومن قلق، المؤمن معافى منها، لأن هذا الذي أوقع فيه الأذى لولا أن الله سمح له لما فعل ذلك، ولولا أن الله حكيم بأعماله لما كان هناك داعي أن يقول الله عزّ وجل:

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

[سورة آل عمران:26]

انتظار الله عز وجل كل إنسان أن يؤمن و يتوب إليه :

 الآية قبل الأخيرة؛ هناك أب، وأخ، الأخ إذا وجد من أخيه انحرافاً شديداً يقول: أخي لا يوجد به خير، يرتاح، الأخ يسقط، يشرد، يدمر، الأخ يقول لك: أصلح الله أخي، لكن لا يشعر بالحاجة إلى إصلاحه، لعله يشمت به. أما الأب فيتألم ألماً لا يوصف إذا رأى ابنه قد سقط، فلذلك الله عزّ وجل يعلمنا في سورة الزخرف فيقول:

﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ﴾

[سورة الزخرف:5]

 الإنسان حينما يسرف، الناس ييئسون من هدايته فيهملونه، لكن الله ليس كذلك، لو أن الإنسان انحرف أشدّ الانحراف الله ينتظر أن يتوب عليه، ورد ببعض الآثار القدسية: " لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطّعت أوصالهم من حبي، هذه إرادتي بالمحبين، فكيف بالمقبلين؟" الله ينتظرنا، هل تصدق أن الله يفرح إذا تبت إليه، هل تصدق أن الله ينتظرك، وأن الله ينتظر كل العباد، حتى فرعون.

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[ سورة طه: 43 -44 ]

 هذا كلام له معنى كبير، عنده استعداد لكي يكون مؤمناً.

حاجة الناس بعضهم إلى بعض :

 الآية الأخيرة من سورة الزخرف:

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة الزخرف:32]

 هذه الآية دقيقة جداً، كل إنسان رفعه الله باختصاصه، وهبط به بما يحتاج، فأنت باختصاصك متفوق، وتعرف أسرار الموضوع، وعندك حلول جاهزة، بغير اختصاصك مفتقر لغيرك، تجد إنساناً - عالم كبير- تتعطل سيارته فيقف أمام المصلح بكل أدب، يسأله: أتحل هذه المشكلة؟ تحتاج إلى قطع؟ كم تكلف؟ لأن هذا ليس باختصاصه، قد يأتي هذا الإنسان لعند هذا العالم ليتعلم منه، أيضاً يقف أمامه بأدب لأنه بحاجة إلى علمه، فالله جعل الناس جميعهم، مرة يحتاج، ومرة يقدم الحاجات.
إذاً: الآية دقيقة:

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ ﴾

 كل إنسان صاحب اختصاص، إذا كنت محتاجاً إليه هو أعلى منك الآن، أبداً، أحياناً مترجم، أنت لا تتقن اللغة الأجنبية، تذهب إليه وتنتظر وتسأله أن يترجم لك بعناية، وتريد ختمه، أنت الآن أضعف منه وهو أقوى منك بخدمة الترجمة، المدرس، المهندس، المحامي، الطبيب، البنّاء، كل إنسان متفوق بعلمه، بغير اختصاصه مفتقر، فالمجموع ثابت، الله عزّ وجل جعل الناس جميعاً بعضاً، كل إنسان هو بعض، بقسم متفوق، وبقسم مقصر، ويحتاج لأخيه الإنسان بالقسم المقصّر.
 تجد شخصاً كسب المال عنده جيد جداً لكنه يحتاج إلى محام يرشده لطريقة كسب الدعوى، يحتاج لمدرس لابنه، يحتاج إلى طبيب، يحتاج إلى مهندس، هو تاجر المهندس عنده خبرة عالية في بناء البيوت، يحتاج إلى محام، يحتاج إلى معلم، المعلم يحتاج إلى خدمات من نوع معين، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

 أحياناً الإنسان يحس بشيء في قلبه، أو بجسمه، يذهب إلى الطبيب يسأله: هل هناك خطر؟ الوضع طبيعي أم عارض؟ يحتاج دواء، يحتاج عملية، هو في مكان عمله كبير جداً، أما حينما أصيب بهذا المرض فصار أمام الطبيب صغيراً جداً، فالطبيب بعيادته سيد، والمرضى دونه، الطبيب نفسه عند مهندس بحاجة إلى علمه والمهندس سيد، المهندس نفسه عند معلم يحتاج دروساً لابنه أنه سينجح يا ترى، هل النجاح سهل؟ ممكن هذا المنهاج أن ينتهي بهذين الشهرين؟ نريد كل يوم درساً يا أستاذ، فتجده بمكان عمله كبيراً أما الآن فصغر.. هذا معنى

﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

.

رحمة الله خير من الدنيا و ما عليها :

 لكن في النهاية:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

 الإنسان أحياناً يصل لدرجة أن الموضوع ليس موضوع كسب رزق، موضوعه جمع ثروة وهو أكبر شيء، الآن شخص معه ملايين مملينة يعد متفوقاً، الله يطمئننا:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

 الواحد يسمع عن ثروات خيالية، شخص صاحب شركة كومبيوتر، حجمه المالي ثلاثة و عشرون مليار دولار، مبلغ كبير جداً، الله يقول:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

 هذا كلام الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018