٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 38 - من سورة غافر - الإخلاص.


1997-01-28

التوحيد ألا ترى مع الله أحداً :

 الآية الكريمة في سورة غافر وهي قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾

[سورة غافر: 84-85]

﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾

 مركز الثقل في هذه الآية كلمة:

﴿وَحْدَهُ﴾

﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾

 في الدنيا هناك من يؤمن بالله، وأكثر الخلق يؤمنون بالله عزّ وجل، ولكن يؤمنون أيضاً أن في الأرض قوى تعطي وتمنع، ترفع وتخفض، وهذا هو الشرك أما يوم القيامة فــ

﴿ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾

 يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾

[سورة الشورى:53]

 وقد يسأل سائل: بيد من كانت حتى صارت إلى الله؟ هي بيد الله دائماً، ولم تكن لتكون لغير الله عزّ وجل، ولكن رؤية أهل الدنيا القاصرة تجعلهم يرون شركاء مع الله عزّ وجل، من هنا يأتي النفاق، من هنا يأتي الخوف، من هنا يأتي الوجل، من هنا يأتي التدليس، رأوا أن بعض الأشخاص يعطون أو يمنعون، يرفعون أو يخفضون، رضاهم جنة وغضبهم نار. يوم القيامة:

﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا - طبعاً في الدنيا - آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾

 المؤمن هذه رؤيته، وهو في الدنيا لا يرى مع الله أحداً، المنافق يرى لله شركاء.
 أيها الأخوة؛ هناك محسوسات، وهناك مدركات بالحواس الظاهرة، يرى الأقوياء يفعلون، يعطون، يمنعون، يرفعون، يخفضون، ولكن إذا ألقى الله في قلب المؤمن النور من خلال اتصاله بالله، ومحصلة إيمانه، واستقامته، وإقباله فينتهي هذا بالتوحيد، والتوحيد ألا ترى مع الله أحداً.

محبة الإنسان للكمال و الجمال و النوال :

 لذلك في بعض الآيات الكريمة:

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾

[سورة البقرة:165]

 الإنسان يحب الجمال، ويحب الكمال، ويحب النوال، فإذا جاءه خير من إنسان أحبه، وإذا تمتع إنسان بنصيب وافر من الكمال يحبه، وإذا كان على مستوى رفيع من الجمال يحبه، لكن المؤمن يرى أن الله مصدر كل كمال، ويرى أن الإقبال عليه هو الجمال، ويرى المؤمن وهو في الدنيا أن الذي أحسن إليه الإحسان المطلق هو الله، لذلك قلب المؤمن متعلق بالله، يحبهم ويحبونه، الحب متعلق بالكمال وبالجمال وبالنوال، قوة الجمال، وقوة العطاء، وقوة الكمال لله عزّ وجل، فالدين كله توحيد، إذاً:

﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾

الفرق الدقيق بين المؤمن وغير المؤمن :

 الله عزّ وجل يقول في بعض الآيات:

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

[سورة التوبة: 40]

 لو الإنسان قال: وكلمةَ الله هي العليا، عطف عطفاً ساذجاً فوقع في المعنى الفاسد: وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا .
 دائماً أمره نافذ، هذا الفرق الدقيق بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يؤمن أن الله وحده بيده كل شيء، لذلك لا يرهب أحداً رهبة تحمله على المعصية، لا يرهب أحداً رهبة تحمله على أن ينسحق، على أن تخور قواه، يرى أن الله بيده كل شيء .

﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾

 إلا أنه المشكلة أن هذا الإيمان الذي يأتي مع الشدة لا قيمة له، هذا الإيمان سيحصل لمخلوق كائناً من كان:

﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾

النية أصل العمل :

 أيها الأخوة: آية دقيقة جداً يقول الله عزّ وجل:

﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾

[سورة فصلت: 6]

 حروف الجر التي تأتي بعد الأفعال لها معنى كبير، بل إن لها المعنى الحاسم:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

[سورة البقرة:130]

 رغب في الشيء معنى، ورغب عن الشيء معنى آخر. رغب في الشيء أحبه وأقبل عليه، أما رغب عنه فكرهه وانصرف عنه، الحاسم في المعنى كلمة فيه وعنه، هنا فاستقيموا إليه، إلى تفيد انتهاء الغاية، استقامتك ينبغي أن تنتهي بك إلى الله، أما هناك استقامة ليست لله، قد تستقيم خوفاً من عقاب أليم في الدنيا، قد تستقيم خوفاً من إنسان، فهذه الاستقامة التي كان باعثها الشرك لا تنتهي بك إلى الله، تنتهي بك إلى غير الله.
 لذلك الإنسان عليه أن يدقق في نواياه، والنية أصل العمل، بل إن العمل الصالح منوط بنيته، بل إن قمة العمل الصالح محصورة قطعاً بنيته، لذلك من حكمة الله عزّ وجل أن بعض القوانين تتفق مع الشرائع السماوية، هذا الاتفاق يجعل تنفيذ بعض الأوامر الإلهية قد يكون بسبب الخوف من القانون، القانون يعاقب على السرقة، والإسلام حرّم السرقة، فالذي لا يسرق لا ندري ما الذي حمله على ألا يسرق خوفه من الله أم خوفه من القانون؟ شاءت حكمة الله أن تتوافق بعض الأوامر والنواهي مع تشريع الإنسان، في هذه الحالة لا يعلم إلا الله نية هذه الاستقامة، يا ترى يستقيم خوفاً من هذه الفضيحة؟ أم خوفاً من عقاب القانون؟ أم خوفاً من بطش القوي؟ أم يستقيم تقرباً إلى الله العليّ القدير؟ هذا لا يعلمه إلا الله، ولكن هناك حالات خاصة، هناك أوامر إلهية ينفرد بها الدين، والقانون لا يعاقب عليها، هذه الأوامر أوامر التعبد، أوامر الإخلاص، منها الصيام، إذا الإنسان دخل إلى بيته ودخل إلى المطبخ وفتح الثلاجة، وتناول طعاماً، ليس في الأرض من يراقبه إلا الله، البيت بيته والباب مغلق، إذا دخل إلى الحمام وشرب من صنبور بارد لا أحد يعلم هذا إلا الله، فالصيام عبادة الإخلاص، وغض البصر عبادة الإخلاص، الأشياء التي لا يعاقب عليها القانون إطلاقاً لكن الشرع يأمر بها هذه العبادة هي العبادة التي يريدها الله عزّ وجل.
 أحياناً الإنسان يكون عليه مبلغ من المال يدفعه، يقول لك: أنا أمين، أدفع كل ما يتوجب عليّ، لو أن الذي أعطاك هذا المبلغ كتب عليك سنداً وبإمكانه أن يطالبك، وبإمكانه أن يثير حولك ضجة كبيرة، وبإمكانه أن يقاضيك أمام القاضي، فأداء هذا المبلغ لعله خوف من صاحب الدين، أما حينما لا تكون في الأرض مداناً إطلاقاً وتؤدي ما عليك فهذه الأمانة التي أرادها الله عزّ وجل.
 أي الأخلاق الفاضلة لا يشوبها شائبة، أحياناً الإنسان يبتغي السمعة، يبتغي الرفعة، يبتغي أن يكون عند الناس موفور الكرامة، يبتغي أن يكون طيب الذكر، هذا الاستقامة لا تصل بك إلى الله، وهذا الذي يأتي الإنسان يوم القيامة علم العلم يقول: يا ربي علمت العلم، يقال: علمت ليقال عنك عالم وقد قيل خذوه إلى النار، هذا قاتل ليقال عنه شجاع، وقد قيل خذوه إلى النار،هذا قرأ القرآن ليقال عنه قارئ، وقد قيل خذوه إلى النار، المشكلة تحرير النية من الشوائب.

التوحيد أساس الإخلاص :

 طبعاً نحن أول الأمر نطمح للإنسان أن يستقيم، إذا استقام نطالبه بتحرير نيته، الإنسان يمر بمراحل عديدة يكون تائهاً، شارداً، غافلاً عن الله عزّ وجل، طموحنا أن يستقيم على أمر الله، حين يستقيم نطالبه بتحرير نيته التي هي أصل العمل، لذلك التفكر، والاتصال بالله، والأعمال الصالحة، وتعلم القرآن، مجمل هذه النشاطات تنتهي بالإنسان إلى التوحيد، والتوحيد أساس الإخلاص.
 أحياناً ببعض السيارات نجد أحياناً عدادين يتحركان معاً، واحد للسرعة، والثاني لدورة المحرك، المنظر لطيف أن العقربين يتحركان معاً، وأنا أقول لكم: إذا كان هناك تدريج للإخلاص والتوحيد فعقرب التوحيد وعقرب الإخلاص يتحركان معاً، أي أنت مخلص بقدر ما أنت موحد، وأنت موحد بقدر ما أنت مخلص. الدليل أنك حينما لا ترى مع الله أحداً رؤية صحيحة يقينية لا ترجو غير الله، أنت الآن في علاقاتك الدنيوية، إذا لك معاملة في دائرة، وفي الدائرة ألف موظف، ولهؤلاء الموظفين مدير عام، وقضيتك معقدة، لا يمكن أن يسمح لك أن تسافر إلا بموافقة المدير العام، لا يوجد حاجة أن تبذل ماء وجهك لإنسان من كل هؤلاء الموظفين حينما توقن أن هذا الأمر بيد واحد لا تتجه إلا إليه، ولا تبذل ماء وجهك لغيره، فكلما أيقنت أن الله وحده بيده كل شيء، كلما وحّدت الوجهة إليه، وكلما علّقت عليه الأمل وحده، وخفته وحده، وتوكلت عليه وحده، وأعطيت له وحده، ومنعت له وحده، هذا كمال الإيمان، كمال الإيمان أن تعطي لله، وأن تمنع لله، وأن ترضى لله، وان تسخط لله، وأن تكون أعمالك كلها في سبيل الله، أي الآية كلها في كلمة:

﴿ إِلَيْهِ ﴾

﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾

 أي هذه الاستقامة يجب أن تنتهي إلى الله، مادامت خالصة لله تنتهي إليه.

اقتران الأعمال الخالصة لله عز وجل بالسكينة و الطمأنينة :

 الآن ندخل بمعنى دقيق؛ الأعمال الصالحة الخالصة لله عزّ وجل يرافقها شعور يغمر قلب المؤمن، من أن الله يحبه وهو راضٍ عنه، فسعادة المؤمن بعمل صالح مخلص واضحة، العمل إذا كان فيه شائبة، إذا ابتغى به غير وجه الله عزّ وجل، يقدم العمل ويوجد شعور بالجفاف، شعور بالتصحر، وأناس كثيرون يشكون هذا الشعور، يا أخي أنا أعمالي كثيرة لكن لا يوجد شعور بالسعادة، الواحد يخاف أن يكون بهذه الحالة، الإخلاص ضعيف لله عزّ وجل لأنه ما معنى ثواب العمل الصالح؟ ثواب من ثاب، ثاب أي رجع، عمل رُفع إلى الله وحده أي صاحبه لم يرد به الدنيا، ولا السمعة، ولا المديح، ولا الثناء، أراد الله وحده، هذا العمل رُفع إلى الله، ما الذي يعود من الله إليك؟ السكينة، والطمأنينة، والرضا، أي شعور المؤمن أن الله راضٍ عنه هذا شعور ثمين جداً، أساسه أن العمل الذي فعله المؤمن يبتغي به وجه الله، فعاد عليه من الله هذه السكينة، أنا أسميها تسميات عديدة، الله عزّ وجل سماها في القرآن: السكينة، وهي أصح تسمية، بعضهم يقول: التجلي، بعضهم يقول: الحال، بعضهم يقول: الطمأنينة، والقرآن قال: السكينة، هذه مسميات لشيء واحد، هذا الشيء رحمة الله، الله عزّ وجل يرحم الإنسان الذي أخلص له.
 إذاً: كل عمل صالح أخلصت فيه النية جاءك من الله من خلاله الرحمة، هذا هو الإخلاص، أما هناك من يعمل أعمالاً صالحة كبيرة ولا يشعر بهذا الشعور، بالقرب من الله عزّ وجل، أي أنا لا أقول إن هذا العمل سيئ، أعوذ بالله، هذا عمل طيب جداً، لكن الإنسان عليه أن يتعاهد قلبه، مادام مع العمل الصالح لا يوجد الشعور العالي جداً من السكينة والرحمة إذاً يجب أن نبحث عن شوائب هذا العمل. لأنه يا معاذ أخلص أخلص دينك يكفك القليل من العمل. أوضح مثل سيدنا زيد الخير، بين إسلامه وبين موته يوم أو يومان فقط، جاء إلى المدينة واستمع إلى خطبة النبي، أعلن إسلامه، ودعاه النبي الكريم إلى بيته، قدّم له وسادة ليتكئ عليها، قال: والله ما كنت لأتكئ في حضرتك يا رسول الله، أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو بهم الروم، النبي أثنى عليه، وعلى أخلاقه، وعلى نواياه الطيبة، وغادر المدينة إلى نجد، وفي الطريق توفاه الله عزّ وجل، فالعمل بإخلاصه يعظم عند الله، والعمل الكبير بلا إخلاص:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[سورة الفرقان: 23]

 إذاً: كان محور الدرس اليوم الإخلاص، الإخلاص محصلة التوحيد، أنت مخلص بقدر ما أنت موحد، وأنت موحد بقدر ما أنت مخلص، نقولها أقوى: أنت مخلص بقدر ما أنت موحد، فالإنسان يراقب نفسه، أعطى عطاء، كلما جلس يتكلم عن العطاء، أينما جلس يتكلم عن فلان، أنا عاونت فلاناً، أنا عملت فلاناً، كأنك تريد أن تنتزع إعجاب الناس، مع هذا العطاء ومع هذا الإكرام لا تشعر بهذا الإقبال، معنى هذا أنه يوجد بالإخلاص شائبة.

المتباريان لا يجابان :

 الآن المتباريان لا يجابان، شخص عمل وليمة اعتنى بها عناية بالغة، الثاني أحب أن يريه التفوق عمل وليمة أكبر، هذا التنافس في إطعام الطعام فقد معناه التعبدي، صار موضوع كسر عين، موضوع منافسة، قال: المتباريان لا يجابان، إذا كانت العزيمة هدفها الاستعلاء لا تحقق لصاحبها هدفه، أما إذا كانت دعوة لوجه الله عزّ وجل فلبّ هذه الدعوة إنك تدعم الحق، إذاً: قيمة العمل بإخلاصه.

العمل الصالح قيمته بإخلاصه والإخلاص قيمته بالتوحيد :

 الآن أربع قطع من الذهب بوزن واحد، لكن واحدة عيار، عيار الأولى أحد عشر، و الثانية ستة عشر، و الثالثة ثمانية عشر، و الرابعة أربعة و عشرون ثم نحاس مطلي بالذهب، ثم نحاس ملمع، بالوزن الوزن واحد، والشكل واحد، والصياغة واحدة، والزخارف واحدة، لكن الأولى غالية جداً لأن عيارها أربعة وعشرون، أي إذا شبهنا الإخلاص بعيار الذهب فالإخلاص عيار أربعة و عشرين، يوجد عيار أحد عشر، وعيار ثمانية، ونحاس مطلي بالذهب، ونحاس ملمع، فالعمل الصالح قيمته بإخلاصه، والإخلاص قيمته بالتوحيد.
 بالاقتصاد العلماء يقولون: سعر العملة يلخص اقتصاد الأمة، أي إذا الأمة كان عندها إنتاج صناعي مزدهر، ولها أسواق في أكثر الدول، ويوجد عندها ثروات باطنية، وعندها كفاءات علمية عالية، فهذه الدولة سعر عملتها عال، أنتم تلاحظون إذا صار هناك حروب يكون الدينار فرضاً بمئتي ليرة فيصبح بربع ليرة، سعر العملة يتناسب مع الاقتصاد، مع تماسك الأمة، مع قوتها، مع ثرواتها الباطنية، مع تقدمها، ملخص تقدم الأمة بسعر عملتها، أيضا ملخص نشاطك الديني كله، تفكرك مع استقامتك مع عملك الصالح مع طلبك للعلم مع كل النشاط الديني يلخص هذا كله نية المؤمن، لدرجة أن المؤمن إذا مارس النشاطات العادية، الآن الناس كلهم، الشام يوجد بها خمسة ملايين إنسان أو ستة ملايين، في النهار ستة ملايين إنسان يأكلون، ويشربون، وينامون، ويعملون، ويستجمون أحياناً، ويسهرون، ويلتقون، ويدعون بعضهم بعضاً في نشاط موحد، أكل، شرب، نام، عمل، ذهب بنزهة، هذه الأشياء المألوفة تغدو عند المؤمن عبادات بالنوايا الطيبة، مثلاً تناول الطعام، اشترى بذلة، جاء العيد لبس لباساً أنيق، عايد الناس، الأعمال المألوفة المباحة التي يفعلها الناس جميعاً في العالم كله، المؤمن وحده تكتب له أعمال صالحة أبداً لأن نواياه طيبة، لأن المؤمن يمثل الدين، فإذا كان مظهره لائقاً فهذا المظهر اللائق يقوي مركزه في المجتمع، إذا جلس مع أولاده ليؤنسهم، هذه الجلسة تعد عند الله عبادة، إذا خدم أهله، هذه الخدمة تعد عبادة، إذا أقام نزهة لأولاده، تعد عبادة.

النية محصلة الإيمان :

 انتبه الآن؛ الأعمال الصالحة التي يفعلها الناس من دون نوايا طيبة تغدو آثاماً، عمل صالح لكن همه السمعة، همه الجاه، فالأعمال الصالحة بغير النوايا الطيبة تنقلب إلى أعمال سيئة، والأعمال الطبيعية المباحة تنقلب إلى أعمال صالحة.
 ما قولك أن الإنسان مثلاً يحسّن نيته، كل شيء يفعله يكتب له عمل صالح، أي لو فرضنا كل هذه القطع التي أمامه أصبحت أربعة و عشرين، القطعة الواحدة متفاوتة في نسبة الذهب فيها، لو عندنا جهاز سحري يجعل كل هذه القطع بمعدل واحد من الذهب ارتفعت قيمتها، فتجد شخصاً عمله قليل، لكن مقامه عند الله كبير، وشخص عمله كبير، ومقامه عند الله صغير، السبب هو النية، والنية علاقتها بالتوحيد، والتوحيد أساس الدين، أكبر وهم عند الناس أنه أنا مؤمن بالله، إيمانك بأن الله خلق الكون لا يقدّم ولا يؤخر، وهذا الإيمان قاسم مشترك بين كل الناس، لكن مدى إيمانك بأن الله بيده كل شيء عندئذٍ لا تتجه إلا إليه، ولا تعلق الأمل إلا عليه، ولا ترجو إلا ما عنده، ولا تخاف إلا من عقابه، ولا تخشى إلا منه. الدعاء: " اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك ".
 هذا الذي ردّ أوروبا بأكملها سيدنا نور الدين الشهيد قال: مرة سجد وقال: يا رب من نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك. الافتقار إلى الله يرفع، والكبر يخفض، فنحن حتى يكون عملنا بأعلى ثمن، الواحد مثلاً يقول لك: أنا معي مليون، أكمل لأرى مليون ماذا؟ مليون لير إيطالي، لا قيمة لهم إطلاقاً، مرة أعجبني كتاب صغير ثمنه مليون ليرة تركي، المليون ليرة تركي خمسمئة ليرة، قل مليون دولار ترتيب ثان، خمسون مليون ليرة ما معنى هذا؟ خمسون مليون ليرة سوري، قل مليون ليرة تركية لا قيمة لهم، مليون لير إيطالي لا قيمة لهم، يجب أن تضيف الكلمة بعد مليون، مليون ماذا؟ هذه الكلمة هي النية، تقول: مليون دولار معنى هذا أن المبلغ كبير، قل: مليون لير إيطالي نزل الرقم إلى واحد بالمئة، هذه النية، النية ترفع العمل، أو تفقده قيمته، والنية محصلة الإيمان، فأنت مخلص بقدر ما أنت موحد، ملخص كل نشاطك الإيماني؛ دروس العلم، طلب العلم، معرفة القرآن، معرفة السنة، العمل الصالح النية، والنية علاقتها بالتوحيد، والتوحيد يرفع قيمة الأعمال كلها.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018