٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 36 - من سورة الصافات - الكرب العظيم ..؟


1997-01-27

الكرب العظيم :

 أيها الأخوة الكرام؛ أحياناً يصف الإنسان الشيء بطريقة وصفية، أو بطريقة كمية، أي إذا قلت لإنسان: معي مئة ألف ليرة، هذا وصف كمي رياضي، أو تقول: معي مبلغ كبير، هذا تعبير وصفي، وصفت هذا المبلغ بأنه كبير، لو أن الوصف رياضي كمي ليس هناك خلاف إطلاقاً، أما إذا كان التحديد وصفياً- مبلغ كبير- كم تقدر هذا المبلغ؟ الآن لو أن طفلاً صغيراً قال: معي مبلغ كبير، ولو أن أحد أغنياء العالم قال: معي مبلغ كبير، العبارة واحدة تماماً، كم تقدر الحجم المالي للطفل الصغير إذ قال: معي مبلغ كبير، وكم تقدر مال هذا الغني إذ قال: معي مبلغ كبير؟ طبعاً وصف الكبير كبير، ووصف الصغير صغير.
 لفت النظر في هذه السورة أن الله سبحانه وتعالى ذكر الكرب العظيم. من وصف هذا الكرب العظيم؟ الخالق العظيم، فإذا ربنا وخالقنا والذي بيده ملكوت كل شيء يبين أن هناك كرباً عظيماً فما هو هذا الكرب العظيم؟ قال الله تعالى في سورة الحج:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

[سورة الحج: 1-2]

 بناء وقع في القاهرة في أثناء الزلزال، أسرة من زوج وزوجة وابنتين كانت تحت الأنقاض، طبعاً أكثر من أربعة أيام فيما أذكر ، اضطر الزوج أن يشرب بوله، عرض على زوجته أن تشرب من بولها فأبت فماتت، تصور إنساناً تحت الأنقاض أربعة أيام، لا يوجد طريق، مهما صاح لا أحد يسمعه، وسوف يموت موتاً بطيئاً، إلى أن أُنقذ الزوج وهو في الرمق الأخير وقد شرب من بوله حتى بقي حياً، أنواع المصائب، أنواع الكوارث، أنواع الفيضانات، إنسان راكب في باخرة وهو بغرفة من الدرجة الأولى، تغرق الباخرة إلى أن فاضت روحه، كم عانى؟ أنا أريد أن أضرب أمثلة: عذاب الحريق، عذاب الغريق، عذاب حبس الحرية، الله عزّ وجل عنده عذاب عظيم، فسمى هذا الكرب بأنه كرب عظيم.

على الإنسان أن يدعو من هو موجود ويسمع وقادر ومحب :

 إذاً الآية الأولى من سورة الصافات:

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[ سورة الصافات:75 ]

 أي ما من مجيب أعظم من الله عز وجل، الله عزّ وجل يجيب، أحياناً بعض الناس تقول: العين بصيرة واليد قصيرة، أحياناً يكون هناك أب غال جداً على أسرته، يصاب بمرض خبيث، من حوله يتقطعون لكنهم عاجزون عن أن يعطونه الشفاء. أما لو توجهت لله عزّ وجل فكل شيء بيده، كل شيء بيده على الإطلاق، حتى نمو هذه الخلايا بيده، وأحياناً تنكمش هذه الخلايا.
 كنا في تعزية البارحة، إنسان في الأربعين من عمره، وفي أعلى درجات النجاح في الدنيا، وهو صالح ولا أزكي على الله أحداً، لكنه أصيب بمرض عضال، من يستطيع أن ينقذه؟ لا أحد. الآية الكريمة:

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[ سورة الصافات:75 ]

 أي الإنسان بالدعاء أولاً لا يدعو إلا من يؤمن بوجوده، هل هناك إنسان يخترع اسماً من عقله ليس له وجود في الأرض؟ يا فلان أنقذني، لا تدع إلا من تؤمن بوجوده، فإذا آمنت بوجوده لا تدع إلا من يسمعك، ممكن أن تنادي قريباً لك مقيماً بحلب، النداء ليس له معنى، تخاطب من؟ لا تدع إلا من تؤمن بوجوده، ولا تدع إلا من يسمعك، ولا تدع إلا من هو قادر على أن يجيبك، ولا تدع إلا من يحب أن يجيبك، موجود، يسمع، قادر، محب، بالفطرة لا تدعو إلا من هو موجود ويسمع وقادر ومحب:

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[ سورة الصافات:75 ]

 الله موجود، ويسمع دعاءك، ويسمع تمنياتك، ويعلم أحوالك، ويعلم خفايا نفسك، وقادر على كل شيء مهما بدا لك الشيء فوق المعقول.
 إنسان يقع من طائرة فوق جبال الألب على ارتفاع ثلاثة و أربعين ألف قدم، يهبط فوق غابة من الصنوبر، يعلو أشجارها خمسة أمتار من الثلج، هذه الأمتار الخمسة من الثلج مصت الصدمة وأغصان الشجر مصت الصدمة فنزل واقفاً،الله عز وجل على كل شيء قدير.
 قبل خمس سنوات أو ست، طائرة تطير من جدة إلى باكستان، فوق الخليج صار هناك خلل بالنافذة، والطائرة كما تعلمون مضغوطة ثمانية أمثال، إذا صار هناك خلل فهناك قوة طاردة نحو الخارج، طفلان رضيعان خرجا من النافذة من بين يدي أمهما وسقطا في البحر، هل هناك أمل؟ طبعاً شيء بديهي أنهما ماتا، على ارتفاع اثنين و ثلاثين ألف قدم، المفاجأة بعد أكثر من أسبوعين تأتي برقية إلى أمهما وهي في الباكستان أن اذهبي إلى الخليج، ظنت من أجل الدية، الركاب في الطائرة مؤمنون على حياتهم، ذهبت إلى الخليج فإذا هي أمام طفليها، قصة مشهورة والصحف كلها عبّرت عنها، هذان الطفلان الرضيعان نزلا إلى جانب قارب صيد، الصياد رأى شيئاً نزل من السماء فغاص، وأنقذهما، وأخذهما إلى المستشفى:

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[ سورة الصافات:75 ]

 أنت عندما تعرف أن تجد من تدعو، تدعو إنساناً يحبك لكنه ضعيف، تدعو إنساناً قوياً لكن لا يحبك، إنساناً عاجزاً، إنساناً لا يسمع، إنساناً غير موجود، الذي يدعو بوذا، وهذه الآلهة المزعومة، كان العرب بجاهليتهم إذا كانوا في صحراء، وأرادوا أن يدعوا آلهتهم المزعومة يجلبون شيئاً من الحليب يجبلون به بعضاً من التراب ليصبح صنماً صغيراً ويدعونه. تدعو شيئاً غير موجود صنعته بيمنك؟ أو تدعو من لا يسمع؟ أو تدعو من لا يقدر؟ أو تدعو من لا يحب؟

﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[ سورة الصافات:75 ]

 هو معك حاضر، ناظر، بيده كل شيء.

الفرق بين كرب الدنيا و كرب الآخرة :

 قد لا تصدقون المؤمن أقوى إنسان في الأرض، من أين جاءت قوته؟ لأنه مع القوي، المؤمن أغنى إنسان، من أين جاء غناه؟ لأنه مع الغني، المؤمن أحكم إنسان لأنه مع الحكيم:

﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾

[ سورة الصافات:75 -76]

 الحقيقة من أنواع الكرب أن يفاجأ الإنسان بالموت، والموت أكبر مصيبة يفاجأ بها، أحياناً الانتقال من كل شيء إلى لا شيء، فإذا الإنسان سُحب من عنده الهاتف، شيء صعب إذا كان يسكن ببيت، وأُخلي منه، فاضطر أن يسكن في بيت صغير، شيء صعب، عنده مركبة وفقدها، عنده ابن وفقده، أما أن يخسر الإنسان كل شيء في ثانية أي كل ممتلكاتك مرهونة بسيولة دمك، فالناس يهتمون كثيراً بالمميع بعد الخمسين- مميع الدم- إنه احتمال تخثر الدم احتمال كبير جداً، وفي أي مكان، في الدماغ يعمل مشكلة، مشكلة كبيرة. بمكان عمى ، بمكان شلل، بمكان فقد ذاكرة، هذا الكرب العظيم في الدنيا فكيف كرب الآخرة؟ كرب الدنيا ينتهي بالموت، مهما عذبنا إنساناً يموت بعدها، ينتهي، أما كرب الآخرة فلا ينتهي:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

[سورة البلد: 4]

﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

[سورة طه: 74]

 وهذه أصعب شيء، لا موت ولا حياة.

ارتباط تضخم الذات بالبعد عن آيات الله عز وجل :

 يوجد نقطة ثانية على سيدنا إبراهيم، قال الله تعالى في سورة الصافات:

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾

[ سورة الصافات:88-89]

 لم يفهم المفسرون السقم هنا المرض، فسروه بالافتقار إلى الله، الإنسان بقدر بعده عن آيات الله تتضخم ذاته.
 ذكر لي صديق عنده مدجنة، دخل إلى المدجنة رأى ديكاً كبيراً، هو لا يوجد عنده ديك، عنده صيصان صغيرة، واحد حجمه خمسة أمثال، فسأل فقالوا له: معه مرض تضخم الشخصية، مرض يصيب بعض أنواع الدجاج، ينتفخ وينتفخ فيصبح أربعة أو خمسة أمثال، العلاج يأتون بشفرة ويذبحون طرف جلده فينفس، فهذا المرض يصيب البشر أحياناً يضخم حجمه، وتضخم نفسيته، وتضخم شخصيته، سموه بعض العلماء: التأله، هناك إنسان يؤله نفسه، يتأله أي يكبر حجمه كثيراً، لو أنه رأى الآيات العظيمة لعاد إلى حجمه الحقيقي، لعاد إلى عبوديته، لعاد إلى افتقاره.

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾

[ سورة الصافات:88-89]

 إذا فرضنا شخصاً عنده آلة متواضعة جداً مصنوعة عام ألف و تسعمئة و أربعين، ولم يشاهد أية آلة أخرى، يقول لك: هذه أعظم آلة في العالم، لو شاهد الآلات الحديثة الإلكترونية مع الكومبيوتر تعطي مئة كنزة بالساعة مع ألوان مع نقشات جميلة. لم أعد أقول: إن آلتي أعظم آلة بالعالم، فالإنسان كلما اطلع يتحجم، كلما اطلع يصغر حجمه ليكبر كبراً صحيحاً، أنا أقول: الإنسان بالعزلة يصاب بأمراض كثيرة، العزلة وحدها مرض، وسبب لعشرات الأمراض، أما الإنسان عندما يفكر بالكون فإنه يرى ضعفه، لا يؤله نفسه، ليس الشرط أن تقول: أنا إله، لكن لأيام يتصرف وكأنه إله. يعتد بنفسه اعتداداً غير مقبول، وغير معقول، وغير مسموح به. الآن أنت تقول: أنا لم أترك مكاناً ولم أزره، أين ذهبت؟ إلى اليابان، إلى كندا، إلى البرازيل، هل ذهبت إلى المريخ؟ لا، إلى القمر؟ لا، الأرض كلها طول محيطها يقدر بأربعين ألف كيلو متر، وهذا القمر بعده عنا ثانية ضوئية، هل ذهبت إلى الشمس؟ لا، مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، بعد الشمس عنا ثماني دقائق، وصلت إلى المشتري؟ ست سنوات، والمركبة تجري بسرعة أربعين ألف ميل بالساعة، وصلت المشتري بعد ست سنوات، والمشتري ضمن المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية قطرها الضوئي ثلاث عشرة ساعة، ذهبت إلى أقرب نجم ملتهب؟ لا، تحتاج إلى خمسين مليون سنة لكي تصل له، ذهبت إلى أبعد مجرة؟ ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، إذا الشخص فكر بالمسافات الفضائية يصغر. أنا ذهبت إلى كل مكان، لم يترك مكاناً إلا و ذهب إليه، وصلت إلى اليابان؟ تحتاج إلى ست عشرة ساعة بالطائرة كي تصل إلى هناك، وصلت أنت لمجرة بعدها عنا ثلاثمئة ألف بليون؟ كلما فكر الإنسان بالكون يصغر، إن كان بجسمه، إن كان بآلاء الكون، إن كان بالجبال، بالبحار، المحيط الهادئ أعمق نقطة فيه في خليج مريانا - اثنا عشر ألف متر تحت الأرض - وعلى سطح قعر البحر هناك أسماك لها أرجل تمشي، هناك غواصة مصنوعة من الفولاذ الصلب، تعطل مرة جهاز قياس العمق فتحطمت، مصنوعة من الفولاذ، ضغط الماء حطمها، تعطل جهاز ضغط العمق فغاص صاحب الغواصة أقل مما ينبغي فتحطمت غواصته، معقول غواصة مصنّعة من الفولاذ المصفح تتحطم وسمكة في خليج مريانا تمشي على أرض القعر دون أن تتأذى؟ الله عزّ وجل عمل توازناً، لها فتحات فيها ماء من الداخل وماء من الخارج فأصبح الضغطان متكافئين.
 إذا شخص لا سمح الله سمع انفجاراً، أو كان قريباً من مدفع رمضان مثلاً، يجب أن يفتح فمه، إذا فتح فمه يدخل الصوت من الفم ومن الأذن فيتوازن، لو أغلق فمه يصاب بالصمم، أحياناً الأصوات القوية جداً تمزق غشاء الطبل، العلاج يفتح فمه فيصبح هناك توازن.
 هذه السمكة التي على قعر القاع لها فتحات يدخل الماء إلى جوفها لم يعد هناك ضغط يحطمها، يوجد ضغط من الداخل وضغط من الخارج متكافآن.
 إذاً:

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾

[ سورة الصافات:88-89]

من كان مع الله جعل خصومه في الأسفلين :

 كلمة راغ من سورة الصافات:

﴿ فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾

[ سورة الصافات:91]

 تفضلوا كلوا، كلوا. إلى الآن مئات الملايين بالعالم يعبدون بوذا، و هو عبارة عن حجر يقفون أمامه خاشعين، يضعون له الفواكه في الليل، ويأكلها كهان المعابد في الليل ويزعمون أن الآلهة أكلتها، أرقى أنواع الفواكه تقدم لهذه الآلهة توضع مساءً، صباحاً يجدونها قد أكلت، من أكلها؟ أكلها الكهان، صنم، حجر، وكذلك في سورة الصافات:

﴿ فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ* مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ* فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ* قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة الصافات:91-96]

 أي أنتم خلقكم الله عزّ وجل، وهذه الحجارة التي نحتموها وجعلتموها أصناماً أردتم بها كيداً فجعلناكم الأسفلين، إذا كنت مع الله لو أراد بك خصومك كيداً يجعلهم الله مع الأسفلين.

ابتلاء كل إنسان على قدر إيمانه :

 يوجد نقطة دقيقة في سورة الصافات:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ* فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة الصافات:100-102]

 الأمر إذا اتضحت حكمته قلَّ فيه الجانب التعبدي ، أما إذا خفيت حكمته فيعظم فيه الجانب التعبدي ، فإن صح القول هذا الأمر بذبح ابنه أمر تعبدي، أحياناً تعطي أمراً لابنك توضح له العلة، شيء مقنع، نظّف أسنانك لئلا تخسرها في وقت مبكر، كلام طيب، لا تكذب لتكون ذا مكانة عالية، جيد، كلما أعطى الأمر أعطاه العلة، أما لو قال له: لا تأكل الطعام معنا ولا يوجد سبب أبداً، لا يمتحن عقل الابن هنا يمتحن ولاءه، العقل يمتحن، والولاء يمتحن حينما قال الأب لابنه: لا تأكل، الابن جوعان، والأكل طيب، والأكل حلال، ولا يوجد داع لئلا يأكل، الآن لا يمتحن عقله يمتحن ولاءه، فإذا قال: سمعاً وطاعةً يا أبت فولاؤه عال جداً.
 سيدنا إبراهيم- أبو الأنبياء- قيل له: اذبح ابنك في المنام، اذبح ابنك، ابنه نبي، بلغ معه السعي، أصعب شيء أن تربي شاباً حتى يصبح بسن يعاونك فتفقده، شيء لا يحتمل، إلى أن بلغ معك السعي قال: يا بني إني أرى أني أذبحك في المنام، قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، قال:

﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الصافات:106]

 هذا امتحان، لا أريد أن يقع الإنسان بالتشاؤم، لكن الحقيقة المرة كما أقول دائماً أفضل من الوهم المريح. لابد من أن تبتلى، لكن كل إنسان يبتلى على قدر إيمانه، الله حكيم لا يحملك حملاً لا تحتمله، لكن دائماً كل إنسان له قوة تحمل، يأتيه امتحان من الله يتناسب مع قوة تحمله ليظهر صدقه، ليظهر إخلاصه، ليظهر ثباته، لتظهر طاعته، ليظهر حبه لله عزّ وجل، أما من دون ابتلاء فلا الحب يظهر، ولا الطاعة تظهر، ولا الثبات يظهر، ولا التضحية تظهر، لا يظهر شيء.
 مثلاً زوجان يعيشان في بيت واحد، كل منهما يدّعي أنه مولّه بالآخر، غارق في حبه إلى قمة رأسه، جيد، هذا وهم، لأن كل منهما يحقق للآخر مصلحته الكاملة، يأتي الزوج ظهراً يجد الزوجة بأبهى زينة، والطعام جاهز، والبيت نظيف، والأولاد مرتبون، فمصلحته مع زوجته، وهي ضعيفة لها زوج ملء السمع والبصر، قوي، غني، محب، لطيف، فهناك مصالح متبادلة.
 هناك إدعاء أنني أنا أحبه حباً لا حدود له وهو يقول كذلك، الآن لو أن الزوجة أصابها مرض عضال أو بالعكس، لو أن الزوج افتقر فجأة لم يعد معه مصروف، المصلحة انقطعت، إذا كان هناك ولاء حقيقي، إذا كان هناك حب حقيقي الآن يظهر. الأول لم يكن ظاهراً، الأول الأوراق مختلطة، كل من الطرفين يحقق للآخر كل مصلحته، فهناك إدعاء أنني أنا أفديها بروحي، فلما مرضت لا حول الله على هذا البلاء، يدعو الله أن يخلصه منها، اختلف الوضع.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018