٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 17 - من سورة يوسف - قصة يوسف.


1997-01-17

الحقائق التي تستنبط من قصة سيدنا يوسف :

1 ـ الله يرجع إليه الأمر كله :

 أيها الأخوة الكرام؛ في قصة يوسف عليه السلام عِبر كثيرة، بل إن الأحداث التي سمعتموها والحوار الذي جرى بين هذا النبي الكريم وأخوته وما مرّ به من أزمات، من عقبات، وكيف دخل السجن، هذه الأحداث وهذه الشخصيات ليست مقصودة لذاتها، إنما المقصود أن نستنبط القوانين الني تضيء لنا الطريق. فما هي الحقائق التي يمكن أن تستنبط من قصة سيدنا يوسف؟ أنا أسألكم.

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة يوسف: 21]

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 عبدي أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيا أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.

((أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ سَالِمًا الْفَرَّاءَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ وَكَانَتْ تَخْدِمُ بَعْضَ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ ابْنَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ: قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ ))

[ أبو داود]

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[سورة الأعراف: 54]

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾

[سورة السجدة: 4]

﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 26]

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هذا هو التوحيد:

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة فاطر: 2]

 إذاً افعل ما تشاء، وخطط ما تريد، وصمم، واكتب، وتحرك، ودبّر، وافعل، واتصل، لا يكون إلا الذي أراده الله، إليه يرجع الأمر كله، كيد عظيم، أخوة يوسف أرادوا به كيداً، جعلوه في الجب فجعله الله عزيز مصر.
 لذلك قال: مرّ موكب هذا النبي الكريم مرة فرأته جارية تعرفه يوم كان في السجن، فقالت: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته. هذا استنباط.

2 ـ التولي و التخلي :

 استنباط آخر؛ الإنسان عليه أن يوحد، لو أنه اتكل على غير الله خيّب ظنه، وهذا التخييب بإلهام من الله، بأن الله يضله عن شركائه ليكون الطريق سالكاً إليه، وهذه حكمة الله في خلقه، كلما اعتمد الإنسان على مخلوق كائناً من كان، لو اعتمد على زوجته اعتمادا كلياً لخيبت ظنه، لو اعتمد على أولاده لخيبوا ظنه، لو اعتمد على ماله لأتاه شيء لا يحل بالمال، مرة إنسان تكلم كلمة قال: كل شيء يحل بالدراهم لأنه الدرهم مراهم، وقع في ورطة، قضى ثلاثة و ستين يوماً في مكان لا يحتمل، وكل يوم يأتيه خاطر: حُل هذه المشكلة بمالك، من اتكل على ماله خاب ظنه، من اتكل على إنسان مهما كان عليّ الشأن خاب ظنه، لذلك: لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي ولكنه أخ وصاحب في الله .

((لو كنتُ متخذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي))

[البخاري عن عبد الله بن عباس ]

 هذا هو التوحيد، والله عزّ وجل غيور حينما تتجه إلى غيره، وحينما تتكل على قوتك، أو على مالك، أو على ذكائك، أو على خبرتك، يخيب الله ظنك ولو كنت صحابياً.
 في حنين أصحاب النبي وفيهم النبي:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[سورة التوبة: 25]

 قل: الله، الله يتولاك، قل: أنا، يتخلى عنك الله، هذا قانون.

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[سورة آل عمران: 123]

 ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلة، ويوم حنين إذ أعجبتكم، كثرتكم بعملك اليومي، قل بنفسك: أنا عندي خبرات كبيرة متراكمة، أنا أقوى إنسان في السوق، أنا أعلى مستوى، وانظر ماذا يكون، تهتز الأرض من تحت قدميك، إذا قلت: أنا. فإذا قلت: الله، سخّر الله لك عدوك فهو في خدمتك.
 ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك في نيته فتكيده أهل السموات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعّت أسباب السماء بين يديه، هذا استنباط ثاني.

3 ـ الإخلاص ثمن الجنة :

 استنباط ثالث؛ سيدنا يوسف لأنه آثر مرضاة الله، لأنه قال: إني أخاف الله رب العالمين. ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه.
 والله أيها الأخوة؛ من سابع المستحيلات أن تدع شيئاً لله، أن تخاف الله، أن تستحيي من الله، أن تؤثر جانب الله، أن تؤثر مرضاة الله ثم تكون في الآخرين، تكون في الأوائل، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه.
 أية خيانة على وجه الأرض لا تنجح، كيد التدبير هذه ما جاءت حواراً، جاءت قانوناً، إنه لا يهدي كيد الخائنين.

﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

[سورة يوسف: 52]

 فالإنسان عليه أن يكون مخلصاً، والإخلاص ثمن الجنة، سيدنا زيد الخير جاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب، كان سيد قوم، وكان من أندر الأشخاص في الجاهلية في جماله ومروءته وشجاعته، دخل على النبي عليه الصلاة والسلام واستمع إلى خطابه فدهش فقال: يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: من أنت؟ قال: أنا زيد الخيل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل زيد الخير، وأخذه إلى بيته تكريماً له، قال له: يا زيد ما وُصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دونما وُصف إلا أنت يا زيد، لله درك فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الصمت والأناة. أعطاه وسادة ليتكئ عليها، كم مضى له في الإسلام؟ ساعة أو أقل من ساعة، قال: والله يا رسول الله ما كنت لأتكئ في حضرتك، قال له: يا رسول الله أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو بهم الروم، فقال النبي: لله درك أيّ رجل أنت؟ هذا زيد الخير غادر المدينة وفي الطريق توفاه الله. أعتقد مضى على إسلامه يوم أو يومان فقط، أما إخلاصه الشديد جعله من أصحاب رسول الله.
 أخلص دينك يكفك القليل من العمل.

4 ـ الصبر :

 أيضاً الصبر؛ الصبر هو الإيمان، الحياة الدنيا في أساسها، في جوهرها أن هناك أشياء تتعارض مع الطبع، فإن استجبت للطبع خسرت الآخرة، امرأة تمشي في الطريق متبرجة، الطبع يقتضي أن تنظر إليها، وأن تستمتع بمنظرها، لكن التكليف يأمرك أن تغض البصر عنها. أساس الجنة أن تخاف مقام ربك، وأن تنهى النفس عن الهوى، ثمن الجنة أن تخاف مقام ربك وأن تنهى النفس عن الهوى. أحياناً يكون المال مغرياً لكنه مشبوه تقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين.
 أحياناً قصة تلقيها على الناس ممتعة جداً لكن فيها غيبة، الطبع يقتضي أن ترويها، وأن يستمتع الناس بها، وأن يضجوا بأحداثها، والتكليف يأمرك أن تصمت.
 فالصمت يحتاج إلى صبر، وغض البصر يحتاج إلى صبر، وأن تستيقظ باكراً والفراش وثير والبرد قارس وقد نمت الساعة الثانية ليلاً، الاستيقاظ على صلاة الفجر يحتاج إلى مقاومة، أي أساس الجنة أودع الله فيك الشهوات وأعطاك أوامر، هذه الأوامر فيها منافذ، فيها قنوات، لكن غير مطلقة.
 وردت آية تشير لهذا المعنى في سورة هود:

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾

[سورة هود: 86]

 ما بقية الله؟ أي بقي لك من النساء زوجتك، بقي لك من المال الكسب الحلال، بقي لك من اللهو اللهو المباح، أن تجلس مع أهلك، بقي لك من أشياء كثيرة جانب الله سمح فيه، هذا الذي بقي لك هو الخير، فيه البركة، فيه السعادة، فيه السرور، فيه الإقبال. أي أهم شيء أن يكون الاتصال مع الله مستمراً، هذا الاتصال يحتاج إلى استقامة، فتاقت نفسك إلى النساء تزوج، تحتاج إلى المال اعمل ولو كان عملاً شاقاً، من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له، حينما تؤثر جانب الله على أيّ شيء يرقى الله بك، يسمو بك، يعزّك، يرفع شأنك.

5 ـ الدعوة إلى الله :

 هناك استنباط لم أذكره، الصدق أمتن، أي عندما قالوا:

﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾

[سورة يوسف: 17]

 يا أبانا...

﴿ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ﴾

 أي ظهر الكذب، يكاد الكاذب يقول: أنا كاذب، اضطرابه ولحنه في القول يشير إلى كذبه، ليست القصة مقصودة لذاتها، المقصود لذاته الاستنباط.

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة يوسف: 22]

 الدعوة إلى الله ولو كنت في السجن، أحياناً الإنسان ولو كان في بحبوحة ورخاء، مرتاح كثيراً، صحته طيبة، لا يوجد شيء عنده، وقته فارغ، يتكلّم عن الله، أدنى مشكلة تسكته، لست مهتماً، عندنا موسم، اتركني الآن، وهو في السجن، فالدعوة إلى الله فرض عين، وهو في السجن دعا إلى الله.

6 ـ أدب الأنبياء :

 يوجد استنباط أخير؛ هذا أدب الأنبياء، أيهما أخطر أن يكون في السجن، مضمونة حياته، مضمون طعامه وشرابه، أم أن يكون في الجب وموته قاب قوسين؟ فلما ذكر لأخوته قال:

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾

 ولم يقل: من الجب، لأنه لو قال من الجبّ لذكّرهم بجريمتهم:

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة يوسف: 100]

 أرأيت إلى هذا الأدب، ثم إن الخلاف بينه وبينهم جعله من جهة خارجية، قال:

﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾

 لم يجعل نفسه مظلوماً وهم الظالمون، جعل نفسه معهم سواءً بسواء، والشيطان أفسد بينهما. من هنا قال عليه الصلاة والسلام: " لا تحمّروا الوجوه" لا تخجلوا الناس، المؤمن كريم، والمؤمن هدفه تقريب الناس إلى الله، لا يحرج أحداً، لا يحّمر وجه أحد، لا يضع إنساناً في زاوية ضيقة، يوجد شخص يتلذذ إذا أحرج الشخص، أنت البارحة تكلمت غير هذا، يسفهه أو يتكلم كلمة لا تمس عقيدة، يكذبه، لا تحمّروا الوجوه هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
 الله هو الحق، اطمئن إذا كنت على حق فلا تخف، فتوكل على الله إنك على الحق المبين، الله هو الحق، ولأنه الحق سيحق الحق، تستطيع أن تخدع الناس جميعاً إلى أمدٍ قصير، وتستطيع أن تخدع واحداً إلى أمدٍ طويل، أما أن تخدع الجميع إلى أمدٍ طويل فهذا مستحيل،

﴿ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ﴾

 والله عزّ وجل لأنه حق يكشف الحق:

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾

[سورة يوسف: 51]

تزكية النفس تأل على الله و تجاوز للقدر :

 الآن الإنسان أول ما يمشي في طريق الإيمان يقول لك: أنا عندي إرادة قوية، أنا أغض بصري، لا أعبأ بالنساء، من أنت أمام سيدنا يوسف؟

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[سورة يوسف: 33]

 مرض تزكية النفس، هذا مرض، قال تعالى:

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾

[سورة النجم: 32]

 لا تزكِّ نفسك. تزكية النفس تألٍ على الله، تزكية النفس تجاوز لقدرك:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

[سورة الإسراء: 17]

 هذه عادة سيئة جداً.
 شيء ثان:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾

[سورة النساء: 49]

 الله جل جلاله يذمهم أم يمدحهم؟ يذمهم.

﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة النساء: 49]

 دع التزكية لله عزّ وجل، دعه يزكيك.

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[سورة الشرح: 1-4]

 التزكية دعها لله، أنت عليك أن تطيعه وكفى.

العبرة بالنهايات :

 الوفاء بالعهد، العفو والصفح، العبرة بالنهايات لا بالبدايات، العبرة بالنهايات، النهاية صار عزيز مصر. دقق العبرة أن هذا النبي الكريم كان عبداً أسيراً، كان في السجن فصار عزيز مصر. قال تعالى:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 128]

 الأيام تدور، أناس يصعدون، أناس يهبطون، أناس يغتنون، أناس يفتقرون، أناس يرتفعون، أناس يسقطون. وفي النهاية المؤمن هو الذي له العاقبة.
 أجياناً يحضرون كرة، يضعون في داخلها قطعة رصاص، هذه الكرة تتدحرج، لا تستقر إلا والرصاص في الأسفل، الأمور تتحرك، الباطل له جولات، الحق قد يغلب وقد يُغلب، أما في النهاية

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 مثلاً: أصحاب رسول الله الذين نصروه، وأيدوه، وصدّقوه، وآمنوا به، وقاتلوا معه، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، هم في لوحات الشرف في التاريخ، والذين ناصبوه العِداء، وأخرجوه، وائتمروا عليه، أين هم الآن؟ يلعنهم اللاعنون. هكذا.. فالعبرة في النهايات.
 إن المسامح كريم لأن الإنسان بسبب توحيده لا يحقد على أحد، أحد أسباب عدم الحقد التوحيد، لأن أيّ شيء أصابك من إنسان سمح الله به مادام الله سمح فيه يوجد حكمة، ألم يقل سيدنا عمر: دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إليّ منه وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي.
 كثرة الظهور تقصم الظهور، لا أحد يرغب أن يظهر ما عنده، يعمل عرض عضلات، دخل إلى منزلك، سأريك المنزل كله، ابق في غرفة واحدة، يريد أن يريه أن المنزل مساحته أربعمئة متر، سأريك ما سعر هذه، يتكلم له عن أسعارها، سافرت، أين نزلت، ما مستوى الفندق الذي نزلت به، كثرة الظهور تقصم الظهور..

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾

[سورة القصص: 79]

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[سورة القصص: 81]

خدمة الناس واجب على كل إنسان :

 إذا الإنسان واثق أنه يستطيع أن يخدم المسلمين، وعُرض عليه منصب حساس، وقد أُطلقت يده- أقول كلاماً دقيقاً- إذا كان واثقاً من علمه، من خبرته، من إخلاصه، وأُطلقت يده، وامتنع عن تسلم هذا المنصب فهو آثم. والدليل هذه الآية:

﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة يوسف: 55]

 أحياناً الإنسان يهرب، الهروب ليس بطولة، يوجد عقبة ليس البطولة أن تقفز عليها، أن تواجهها، فأحياناً الإنسان يقوم بعمل عظيم، أنا مرة قال لي أخ عنده معمل: لا يوجد ربح إطلاقاً، وعنده ثمانون عاملاً، قلت له: بقاء العمال عندك ومعيشة هؤلاء العمال هذا عمل عظيم ولو لم تربح، أنت لماذا تعيش؟ لخدمة الناس، إن لم يكن هناك أرباح لكن بقاء ثمانون إنساناً يعملون ويأكلون ويشربون هذا عمل، فإذا إنسان ليس له عمل ليس له شيء عند الله عزّ وجل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018