٠03رمضان 1417 هـ - تأملات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تأملات قرآنية - الدرس : 14 - من سورة التوبة - أحوال المؤمنين.


1997-01-16

المنافقون صنفان :

 أيها الأخوة الكرام؛ تحديد المصطلحات في أي علمٍ جزء أساسي في هذا العلم، وتحديد مصطلحات القرآن جزء أساسي من فهم القرآن، فالمنافقون صنف ليسوا مع المؤمنين وليسوا مع الكافرين، وهم في حقيقتهم صنفان؛ صنف منهم نفاقهم نفاق كفرٍ، وصنف منهم نفاقهم نفاق معصية، منافق المعصية أساسه مؤمن لكن أُلقيت فيه شبهات لم يستطع أن يحلها، أو عُرّض لضغطٍ شديد لم يستطع أن يقاومه، أو أصابه إغراء كبير فانساق وراءه، إما إغراء جذبه، أو ضغط أتعبه، أو شبهة حار في حلها، فصار عنده انفصام شخصية، بقي مع المؤمنين لكنه في خلوته يفعل بعض المعاصي، ويستجيب لبعض نداءات غريزته، هذا منافق، صار معه ازدواجية، ظاهر وباطن، شيء مُعلم وشيء غير مُعلم، شيء يفعله أمام الناس وشيء يفعله في خلوته، مادام في شخصية مزدوجة صار منافقاً، أساس نِفاق المعصية شبهة لم تنحل معه فاهتزت قيم الدين أمامه، أو جاءه إغراء شديد فانساق وراءه، أو ضغط لم يستطع أن يقاومه وكان توحيده ضعيفاً فسقط، هذا المنافق منافق المعصية، توبته ممكنة، ويمكن أن يعود مؤمناً كما كان.
 لكن المنافق الآخر نفاق الكفر، هذا أشد عند الله عذاباً من الكافر، الكافر مكشوف، كاشف أوراقه، الكافر لا يقتدي به أحد، الكافر أعلن كفره، طبعاً الكفر كبير جداً، لكن الناس عرفوا أنه كافر فابتعدوا عنه، لا أحد يقتدي به، هذا الكافر نافق، مصالحه مع المسلمين، عاش في بلد قيم الإسلام غالية جداً فوجد مصالحه التجارية ومكانته تقتدي أن يرتاد المساجد. هذا النفاق نفاق الكفر، هذا في الدرك الأسفل من النار، كافر لكنه منافق. لذلك قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 68]

 في آية أخرى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار ﴾

[سورة النساء: 145 ]

من خشي النفاق فهو مؤمن و من اطمأن فهو منافق :

 أيها الأخوة الكرام؛ علاقة عكسية، كل من اطمأن إلى أنه مؤمن فهو على جانب من النفاق، وكل من خشي النفاق فهو مؤمن. أحد التابعين التقى بأربعين صحابياً من صحابة رسول الله ما منهم واحد إلا ويخشى على نفسه النفاق. الصحابي الجليل الذي عاش مع رسول الله، والذي وضع روحه على كفه في الحرب، والذي فدى النبي بروحه وماله يخشى أن يكون منافقاً.
 لذلك قالوا: المؤمن يمر في اليوم بأربعين حالاً، حال الخوف، حال الرجاء، حال الخشية، حال الطمع برحمة الله، حال الخوف الشديد من عقاب الله، قال: المنافق يبقى أربعين سنة في حال واحد، مطمئن، النفاق من علاماته أن المنافق لا يعلم أنه منافق، أما المؤمن فمن علاماته أنه يظن أنه منافق.
 أيها الأخوة؛ ما من سورة في كتاب الله فيها شرح مفصّلٌ جداً لأحوال المنافقين كسورة التوبة، والإنسان إذا قرأ هذه السورة قد يعلم من نفسه شيئاً قريباً من النفاق فليحذر. وإن كان بعيداً عن وصف المنافقين فليحمد الله عزّ وجل، لكن لابد من قراءة هذه السورة من حين إلى آخر من أجل أن تعلم أين موقفك من النفاق ومن الإيمان.
 أوضح مثل سيدنا عمر عملاق الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، ونحن بالعقيدة الإسلامية لا يوجد عندنا إنسان سيدخل الجنة حقيقة وتحقيقاً وقطعاً ويقيناً إلا عشرة. والباقون نرجو الله أن يدخلنا الجنة، أما الذين بشرهم النبي فأبداً، النبي لا ينطق عن الهوى. ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة سأل سيدنا حذيفة قال له: يا حذيفة أاسمي مع المنافقين؟
 سألت أحد الدعاة إلى الله عزّ وجل كيف تفسر هذا؟ سيدنا عمر معه من النبي بشارة بأنه من أهل الجنة ويسأل سيدنا حذيفة؟ فأجابني هذا الداعية الكريم قال لي: لعله من شدة خوفه من الله نسي بشارة رسول الله، أي مادام قال: لو تعثّرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها لِمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟
وحينما أصاب المسلمون مجاعة قال لبطنه: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو اللهِ لن تذوق اللحم حتى تشبع منه صبية المسلمين، وحينما وضع له سنام الجمل ليأكله بكى وقال: بئس الخليفة أنا إن أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها، وجاءه من أذربيجان رسول عامله هناك، معه طعام نفيس قدّمه إليه قال: أيأكل عندكم عامة المسلين هذا الطعام؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، فقال عمر: ما كان لبطن عمر أن يذوق طعاماً لا يطعمه فقراء المسلمين. ورأى إبلاً سمينةً في الطريق قال: لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لابنك عبد الله، قال: ائتوني به، فلما جاؤوا به قال: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت؟ فقال عمر: ويقول الناس: ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل وخذ رأسمالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين. هذا الإنسان قال لحذيفة: اسمي مع المنافقين؟
لذلك إذا اتهمت نفسك بالنفاق فهذه علامة طيبة جداً، معنى هذا أنت مؤمن وتخشى الله، وتخشى أن تكون مع المنافقين، وتخشى ازدواج الشخصية، أي أقل درجة بالنفاق إن صليت أمام إخوانك بالمسجد تتقن صلاتك، إن صليتها في خلوتك لا تتقنها، هذا نوع من النفاق، أي أردت أن تثبت مركزك بين المسلمين. إذا كان سنّة لا تصليها وحدك، صليتها مع المجموع من أجل أن تبقى في مكانة معينة، هذا نوع من النفاق، مادام هناك ازدواج، مادام هناك موقف معلن وموقف غير معلن، إذا الشيء لا تتكلم به أمام الناس، تتكلم به في مجلس معين، هذا نوع من النفاق، النفاق واسع، لذلك الإنسان ليحرص حرصاً بالغاً على ألا يكون منافقاً.

أساس النفاق المعصية و الفسق :

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾

 إن سألته ناصحك بالدنيا دائماً، و يخيفك من العمل الصالح، إن وجدك تنفق يخوفك، يقول لك: اضبط يدك، إن وجدك تنفق. وإن وجدك ترتاد بيوت الله يخوفك، كلما رآك على طاعة حذرك منها، وكلما رآك على معصية شجعك عليها، هذا المنافق،

﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

 طبعاً الله لا ينسى، قال تعالى:

﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾

[سورة طه: 52 ]

 هذا النسيان سماه العلماء مشاكمة، نسوا الله فأهملهم. لماذا أهملهم؟ لأنهم لم يؤمنوا ولم يطلبوا من الله الهداية، فالله عزّ وجل أعطاهم اختيارهم:

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[سورة التوبة : 67]

 أساس النفاق الفسق، أساس النفاق المعصية، أي إذا الإنسان استمرأ معصية أقام عليها، هذه المعصية تجره وحدها إلى النفاق،

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

 لا يوجد منافق مستقيم إطلاقاً، مادام هناك تساهل في كسب المال، تساهل في إنفاق المال، تساهل في إطلاق البصر، تساهل في العلاقات الاجتماعية، أي إذا كان الشيء مختلطاً لا يوجد عنده مانع أبداً، هو إنسان عصري، وهذه المرأة لن تأكله، ماذا حصل؟ إن الله جميل يحب الجمال. المعصية سهلة عليه، قالوا: ذنب المنافق كذبابة وقفت على وجهه يدفعها، وذنب المؤمن كجبل جاثم على صدره، فكلما كان الذنب كبيراً عليك معنى هذا أنت مؤمن، وكلما وجدته صغيراً، ماذا حدث؟ معنى هذا نوع من النفاق:

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[سورة التوبة : 67]

 المصير:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾

[سورة التوبة : 68]

أكبر عقاب أن تُحجب عن رحمة الله وأكبر عطاء أن تنظر إلى وجه الله :

 إذا سألتني: ما هو أعظم شيء في الحياة؟ أقول لك: أن يقبلك الله عزّ وجل، أن يحبك الله عزّ وجل، أن تكون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، أن تكون في رعايته، أن تكون في حفظه، أن تكون ممن يتجلى على قلبه، ولو سألتني بالمقابل: ماهي أكبر مصيبة على الإطلاق؟ أقول لك: أن يلعن الله الإنسان، يلعنه، قد يعطيه كل شيء لكنه ملعونٌ عنده، خذ من الدنيا ما شئت، خذ مالها، وبيوتها، ونساءها، ومركباتها، وبساتينها، لكنك ملعونٌ عند الله، بعيد، لذلك أكبر عقاب يعاقب الإنسان به يوم القيامة:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15 ]

 أكبر عقاب على الإطلاق أن تُحجب عن رحمة الله، وأكبر عطاء في الجنة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

[سورة القيامة: 22- 23]

 أكبر عطاء أن تنظر إلى وجه الله الكريم، وأكبر عقاب أن تكون محجوباً عن الله، محجوب بالعمل السيئ.

المؤمنون بعضهم أولياء بعض :

 بالمقابل:

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 71]

 في المنافقين: بعضهم من بعض، أما هنا فبعضهم أولياء بعض، يتعاونون، يتكاتفون، يتضامنون، يتناصحون، يتزاورون، يتحاببون، يتهادون، يعزي بعضهم بعضاً، يهنئ بعضهم بعضاً. أنت واحد ضمن مجموع، والمجموع كتلة واحدة،

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

 في التفاصيل، في أحكام الفقه.

رحمة الله لا يحدها شيء :

﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾

 ورحمة الله عزّ وجل لا يحدّها شيء، أحياناً مثلاً يعطى إنسان شيكاً مفتوحاً موقّعاً، تحب أن تأخذ مئة ألف، مئتي ألف، خمسمئة ألف، مليون، مئة مليون، خمسمئة ألف مليون، مفتوح، ضع الرقم وخذ ما شئت، هذا المال، تأخذ بيتاً، تأخذ مركبة، تأخذ بستاناً، تسافر، تتاجر، تؤسس شركة، كلمة رحمة الله عزّ وجل واسعة جداً، تبدأ بالصحة، الوفاق الزوجي، الأولاد الأبرار، تأتي بالعلم والمكانة والتوفيق والتأييد والنصر، بالدعم، بالتجلي، بالسعادة، بالأنوار. رحمة الله لا يحدها شيء لكن هذه الرحمة قريبة من المحسنين، قال:

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة التوبة : 71-72]

 طبعاً هنا جنات تجري من تحتها الأنهار، أما أكبر ما في الجنة فهو رضوان الله، أحياناً يدعوك شخص يضع لك من الطعام ما لا يوصف، لكن إذا كنت أنت راقياً جداً أبلغ من كل هذا الطعام ترحيبه بك، واحترامه لك، وفرحه بمجيئك، هذا أبلغ من الطعام. التكريم أبلغ من الإطعام. الإطعام شيء والإكرام شيء، هنا:

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 أي أكبر شيء في الجنة أن تكون في مرضاة الله.

أسعد إنسان من كان الله راضياً عنه :

 لذلك أيها الأخوة؛ صدقوا لو أن ألوان المتاعب في الدنيا كلها مجتمعة وكان الله راضياً فأنت أسعد الناس، الدليل أن النبي عليه الصلاة السلام في الطائف، الخط البياني للدعوة الإسلامية وصل إلى الحضيض، مكة أخرجته، وأهل الطائف كذبوه، وسخروا منه، وتهجموا عليه، وأغروا فتيانهم بإيذائه، ومع ذلك قال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي.
 بصراحة شخص يتقلّب بألوان النعيم والله لا يحبه وقد لعنه، وإنسان آخر يعاني من كل أنواع المشاكل والعذاب لكن الله يحبه، الثاني أسعد لأن الله عزّ وجل يحجب رحمته، المال لا ينفع، والجاه لا ينفع، والأولاد لا ينفعون، وأحياناً يتجلى برحمته فينقلب المرض إلى صحة، والفقر إلى غنى، والقلق إلى طمأنينة، شيء عجيب، إن جاءت رحمة الله أنستك كل شيء، وإن غابت عنك لم تنتفع بشيء. لذلك قالوا: يا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟

النبي معصوم وحده :

 ثم قال تعالى :

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

[سورة التوبة : 74]

 أحياناً كلمة الإنسان يقولها يدخل في الكفر، أحد ممن كان مع رسول الله
 الجلاس، كان محسوباً من صحابته، عنده ابن زوجته وجاءت معركة تبوك وكل الأصحاب قدّموا، وبذلوا، وقدموا أموالهم، وهذا كان غنياً جداً، لم يتحرك، فلم وصف له ابن زوجته ما يفعله الصحابة، قال هذه الكلمة: والله لو كان محمد صادقاً فيما يقول لكنا شراً من الحمر، هذه كلمة كفر، فقال: والله يا عماه ما من مخلوق على وجه الأرض أحب إليّ منك بعد رسول الله، ولقد قلت كلمة الكفر وسأنقلها لرسول الله فتدبر أمرك، قال أحد العلماء - يمكن ابن قيم - قال: والله ما من أحد في الأرض أحبُ إليّ من شيخي لكن الله أحب إليّ من شيخي، بمعنى لو فرضاً صار هناك توجيه خلاف الشرع الله أغلى عليك من كل شيء.
 فنحن كما قال سيدنا علي: نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، القضية عندما تنعكس تصبح خطيرة جداً، ليس لأن فلاناً قال هكذا، لا، لأن فلاناً قال الحق فهو على حق، الحق أبدي، الحق هو الأصل، هو المقياس. فإذا اتبعته وخضعت له فأنت على العين والرأس، أما إذا خالفته فالله جل جلاله أحبّ إلى أي مؤمن من أي إنسان.
 النبي معصوم وحده، والصحابة الكرام رضي الله عنهم، لكن ما بعد الصحابة يؤخذ منه ويرد عليه، المعصوم هو رسول الله.
 الإمام الشافعي يقول: اعرضوا كلامي على الحديث، الحديث هو الأصل، فإن خالف كلامي فاضربوا كلامي عرض الطريق. لا يصح لمؤمن يثبت له حديث لرسول الله المعصوم الذي يوحى إليه ويتبع كلام إنسان آخر مهما علا شأنه، فقال: لو كان محمد صادقاً فيما يقول لكنا شراً من الحمر، هذا الطفل الصغير ذهب إلى النبي، فاستدعاه النبي فأنكر، قال: هذا كاذب يا رسول الله. عندما قال: كاذب، نظر الصحابة إلى هذا الطفل، وجهه صار أحمر اللون من شده خوفه وحيائه، ما هي إلا دقائق حتى جاء الوحي ونزلت هذه الآية:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾

 فأمسك النبي بإذن هذا الغلام وقال: يا غلام لقد صدّقك ربك من فوق سبع سموات، ماذا فعل الجلاس؟ قال: والله أنا أتوب إلى الله لقد قلتها واستغفر لي ربي، وصار يكرم هذا الطفل إكراماً لا حدود له لأنه آمن عن طريق الطفل. فهذه الكلمة:

﴿ وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾

 أحياناً أسمع كلاماً من الناس كفراً، شخص تحمّل ضريبة معينة يترجى، قال له ربّ العزة لا ينزّلها، هذه كفر بكل معنى الكلمة.

بطولة الإنسان أن يكون عند عهده :

 شيء ثان؛ أحياناً الإنسان يكون بضائقة، ضائقة مالية، يا رب إذا أكرمتني أستقيم و أفعل الخيرات فيكرمه الله عزّ وجل فلا ينفذ وعده، يوجد آية قرآنية تذيب القلب.

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 102]

 تحت الضائقة تعاهد الله على كل شيء، أحياناً بالعمرة، بالحج، وأنت تقبّل الحجر الأسعد تعاهد الله على الطاعة التامة. تأتي إلى الشام تعود إلى ما كنت عليه، البطولة أن تكون عند عهدك:

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾

[سورة النجم: 37]

 إذا أنت عاهدت الله أنت رجل:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب: 23]

 لا في السراء ولا في الضراء، ولا في المنشط ولا في المكره، ولا في الغنى ولا في الفقر، ولا في الصحة ولا في المرض، ولا في الإقامة ولا في السفر. أنت في السفر مثل الحضر، في خلوتك كجلوتك، في صحتك كسقمك، في غناك كفقرك، مع الناس ووحدك، هذا المؤمن، لا يغير ولا يبدل:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾

[سورة التوبة: 75-77]

 كنت مسافراً، صليت في مسجد قبل بانياس، مسجد جميل جداً، بعد أن انتهيت من الصلاة استقبلني رجل في غرفة خاصة، وحدثني عن قصة هذا المسجد، قال لي: أنا إنسان فقير جداً، خرجت من هذا البلد، ولا أملك من الدنيا شيئاً، قال لي: أخذت سوار أختي وبعتها واشتريت بها بطاقة طائرة. وذهب إلى الخليج، يقسم بالله العظيم وهو في الطائرة جاءه خاطر ما نطق به، أي يخاطب ربه: يا رب إذا أكرمتني لأعمّر مسجداً، أقسم بالله أن هذا الخاطر ما نطق به، لكنه وارد، قال لي: الله أكرمني وعمّر الجامع بطريقة لا تصدق، منطقة زراعية غير منظمة، والقوانين لا تسمح بذلك، اتصل بإنسان مهمته الموافقة وأقنعه فقال له: عمّر. والمسجد الآن موجود قبل بانياس. أي وعد الله عزّ وجل أن يبني له مسجداً ونفذ وعده، مع أن العقبات كبيرة جداً، والقوانين لا تسمح باعتبار المنطقة زراعية منطقة غير منظمة، والله عزّ وجل وفقه، هذا المؤمن، إذا وعد الله عزّ وجل أن يتوب يتوب، وعده أن ينفق ينفق، وعده أن يبني مسجداً يبني مسجداً، وعده أن يعاون الناس يعاون الناس، أما تحت المصيبة فالوعود ما أكثرها، أما بعد الإكرام، تجده يتنصل من وعد وعده، يقول لك: لا يوجد سيولة، يكون معه شيء لا ينقل وشيء ينقل، وشيء يعد وشيء لا يعد، لا يوجد سيولة، يتنصل:

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾

النجاة من عذاب الله تكون بطاعته و اتباع منهجه :

 آخر آية:

﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾

[سورة التوبة: 81]

 كان رئيس المنافقين يجلس إلى جانب النبي، يفرح بهذا المقعد، مقعد فيه وجاهة، فلما توفي قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالَ: قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الآن استقر في جهنم حجراً كان يهوي به سبعين خريفاً .
 طلب قميصه، الروايات تؤكد أن النبي ألبسه قميصه بيده، وما نفعه قميص رسول الله، ما نفعه من الله شيء، أي لا ينفعك إلا عملك. دقق في هذا الكلام، هذا الكلام دقيق جداً: لو أنك انتزعت من فم النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق والمعصوم والذي يوحى إليه انتزعت حكماً لصالحك ولم تكن محقاً لن تنجو من عذاب الله، أينفعك في الأرض أحد إذاً؟ سيد الأنبياء قال لك: معك حق، أفتى لك، أعطاك فتوى، حكم لك، ولم تكن محقاً، لن تنجو من عذاب الله أبداً، لن تنجو من عذاب الله إلا أن تكون على منهجه وطاعته، فعلاقتك مع الله وحده أما المؤمنون فيقرّبوك من الله بالعلم وبالحال، لكنهم لا يحولون بينك وبين تأديب الله لك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018